المدرسة الصادقية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
المدرسة الصادقية

لما عيّن خير الدين وزيرا أكبر، في سنة 1873 وفي ظروف صعبة، استهلّ عهدا من التّحديث أو الاصلاح المكثّف في جميع ميادين الحياة السياسية والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وخاصّة في ميدان المناهج التربويّة والمؤسسات التّعليميّة. وكان عليه أن يظهر قدرا من الحذر والكياسة في إصلاح ذلك الميدان الذي كان حكرا على علماء جامع الزيتونة المحافظين. وعلى الرغم من رفض أغلب العلماء المشاركة في إصلاحاته التّحديثيّة فإنّ مجموعة صغيرة قامت بدور مهمّ في الكثير من المشروعات الّتي بعثها وأبرزها إلى العيان وخاصّة منها "المدرسة الصّادقيّة" التي احتلّت في إصلاحات خير الدّين ما احتلّته تقريبا "المدرسة الحربيّة بباردو" في إصلاحات أحمد باي (1837 - 1855). وما من شك في أنّ مشروعات خير الدّين التّحديثية كانت ترمي إلى الحَكْمَنَة الجيّدة وإلى تنظيم الادارة العموميّة وتوسيع مجال خدماتها، وهذا يستوجب حتما وجود مؤسسة تعليميّة من شأنها أنّ توفّر موظّفين أكفاء ذوي تعليم مناسب يجمع بين الرّوح العصريّة والتّعليم الزّيتوني، ولذلك أوكلّ خير الدين مهمّة هذا الأمر إلى لجنة من تسعة أعضاء ترأسها هو شخصيا مهمّتها إعداد مشروع المدرسة وقد ضمّت كلاّ من الشّيخ عبد العزيز بوعتور (باش كاتب)، والعربي زرّوق (رئيس البلدية) مع ستّة علماء هم: المفتي الحنفي أحمد بن الخوجة، القاضي المالكي الطاهر النّيفر، وقاضي باردو عمر ابن الشّيخ، ومحمد بيرم الخامس، ومصطفى رضوان، وأحمد الورتتاني. وقد تمخّضت أعمال اللّجنة عن صدور أمر بتاريخ 28 ذي القعدة 1292 / 26 ديسمبر ، وضع برنامجا للتّعليم الصّادقي. وقد ضم سلك أساتذتها مدرّسين أوروبيّين وعددا من المدرّسين الزيتونيّين. فمن العلماء الذين باشروا التّدريس في عهد خير الدّين: علي بن الحاج، والطاهر جعفر، والطاهر الريّاحي، ومحمّد بن الخوجة.

وأمّا الموادّ المقرّر تدريسها فهي الرّياضيات والطبيعيات والجغرافيا، واللّغات (الفرنسية والايطالية والتّركيّة)، والنّحو والصّرف، والفقه، والقراءات، والتّوحيد مع الاشارة إلى أنّ علوم العربيّة والاسلاميّة هذه كانت، قبل تمركز الحماية، تدرس في أفضل السّاعات أي عندما يكون التّلاميذ أقدر على التّركيز. وهذا دليل على حرص خير الدّين على إرضاء علماء الدين ومراعاتهم قدر الامكان وخاصة لما عيّن إماما للصّادقية الشيخ محمّد البارودي. ورغم المظاهر المشار إليها، فقد كان هدفها، وقت تأسيسها، توفير تعليم عصري على غرار المدارس الثّانويّة الفرنسيّة. وهذه أول مرة في تونس تؤسّس مدرسة عصرية لغير أهداف عسكرية كما أن مسجدها كان ملحقا بالمدرسة وليس العكس. فلم يبق إذن أمام العلماء ذوي الاتّجاه المحافظ سوى الاحجام عن التّدريس بالصّادقيّة، ورفض إقامة أيّ علاقة بها.

ولا شكّ في أنّ بعث المدرسة الصّادقيّة قد جعل شيئا فشيئا حدّا لوحدة التّعليم العربي الاسلامي، تلك الوحدة التي نشأت وترعرعت في رحاب جامع الزيتونة طوال أحد عشر قرنا. ثم إثر انتصاب الحماية، بقليل، بدأ الانقسام بين المثقّفين إلى تيّارين: تيار صادقي وتيّار زيتوني، وسيتوسع الأوّل، فيما بعد إلى ما سمّي بالتّيار المدرسي. واللاّفت للنظر "أنّ خير الدّين لم يتطرق في كتابه أقوم المسالك إلى القضيّة اللّغوية إلاّ مرّة واحدة [...]. ولم كن ذلك من باب الاهمال والاغفال بل لأنّ هذه القضيّة لم تكن موضوع بحث في المجال الاصلاحي لاقتناعه بضرورة استعمال الفرنسيّة، على حين تبقى العربيّة لغة الدين فقط على أقصى تقدير".

وهذا الموقف لم يكن ليرضي حتما الفئة الاصلاحيّة الزّيتونيّة المؤيّدة لمشروع خير الدّين التّحديثي والملتفّة حوله الّتي كانت تتّخذ من قضيّة العلم شغلها الشّاغل، ثمّ تطوّرها إلى القول بضرورة استعمال اللغة العربيّة في تعليم العلوم العصريّة. ولقد كان محمّد بيرم الخامس من أجرإ النّاس في تأييد حركة التّحديث التي قام بها بعض العلماء من خرّيجي جامع الزيتونة، وقد طغت شواغله السياسيّة والإداريّة على شواغله التعليميّة فطالب باستعمال اللّغة العربيّة حتّى عند تعليم العلوم العصريّة، كما أكّد أنّ الاسلام ليس حجر عثرة في وجه التقدّم العلمي.

واستمرّ طلبة المدرسة الصادقية يتدرجون في الدّرجات الثّانويّة إلى نهايتها. واعتبر التّعليم فيها ذا درجتين أوّلية وثانويّة، مع تنسيقه مع التّعليم الزّيتوني بحيث يمكن أنّ ينتقل الطّالب "الصّادقي" في رتبة معيّنة من الدّراسة الثانويّة لاتمام دراسة العلوم الدّينيّة بجامع الزّيتونة، أو التّعليم الصّادقي إلى غايته. أمّا الطالب الزيتوني فلا يمكن له إكمال دراسته بالصّادقيّة. وبعد خمس سنوات من تأسيس الصّادقيّة، أرسل حوالي العشرة من خرّيجها إلى باريس لاكمال دراستهم في معاهدها وخاصة في ثانويّة سان لويس (Saint Louis) بباريس كما أرسل البعض الآخر إلى الأستانة. ولاتقانهم اللّغتين الفرنسيّة والعربيّة، عيّن بعضهم في الادارة أو كلّف بمهام التّرجمة، وتهيّأ عدد قليل منهم للمهن الحرّة.ومن كلّ هؤلاء ومن انضمّ إليهم، بعد سنوات قليلة، طائفة أخرى من المتخرّجين وفقا لهذا النظام الجديد، تكوّنت نخبة من "الشباب التّونسي" (Jeunes tunisiens).

وفي عام 1883، صارت الصادقية تحت إشراف لويس ماشويال - أي تابعة لإدارة التّعليم العمومي - فأعاد تنظيمها جذريّا على إثر ذلك: استمرّ تعليم المواد الإسلاميّة مع جعل تعليم المواد غير الدّينيّة إجباريّا واستبدلت العربيّة بالفرنسيّة لغة تعليم وأداة المعرفة العامة، وأبقى اللغة العربيّة مادة تعليم لا تقصد إلاّ لذاتها مع خلل في طرائق تعليمها. فانقطع حاضر الوطن عن ماضيه. والواقع، أنّه تبنّى نظام "شهادة البروفي" الفرنسي وإسقاطه على برامج الصّادقيّة دون تغيّر ذي بال. وكان الهدف من وراء ذلك، حسب زعمه، "نشر الاحترام والاخلاص لفرنسا الحامية بين الشبّان التّونسيّين المتعلّمين". وزعم ماشويال أنّ المواد العصريّة التي يحتوي عليها برنامج المدرسة الصّادقيّة ليست سوى "واجهة فضفاضة"، وأنّ بعض المواد الاختياريةّ مثل اللّغات الأوروبيّة (غير الفرنسيّة) والعلوم لا تعلّم إلا نادرا، وخمّن، اعتمادا على ذلك، أنّ أقلّ من 5% من مجموع التّلاميذ المتخرّجين قبل سنة 1882 - وعددهم 120 - مؤهّلون فعلا للعمل بالوظيفة العموميّة. واتّهم ماشويال، لأسباب سياسيّة، محمّد العربي زرّوق المدير السّابق للصّادقيّة من سنة 1876 إلى سنة 1881 بتبذير جزء كبير من عائدات الأوقاف المخصّصة لها.

مدرسو المدرسة الصادقية

وقد استقال مدرّسون بالصّادقيّة في السنوات 1881 و1885 لمّا أصبحت هذه المدرسة تابعة للادارة الفرنسيةّ، هذا مع العلم أن ّ أغلبهم قد عاد إلى منصبه بعد مرور عام أو عامين. وهؤلاء هم:الأمين بلخوجة الذي لم يعد إلى منصبه، وعثمان الشامخ، ومحمد بيرم، والصّادق الشّاهد، وعلي بلحاج، والطاهر الرياحي، ومحمد الأكبر بلخوجة والشّاذلي الصّدام.

وقد هاجم الشيخ صالح الشريف هذه السياسة في كرّاس بعنوان: بيان توحّش فرنسا في القطر التّونسي الجزائري [ص 16 - نشر حوالي 1916؟] إذ يقول حرفيّا: "أسقطت اللغة العربيّة بالمدرسة الصّادقيّة التي وجدتها عند احتلالها القطر [التّونسي] زاهرة بآدابها وبكلّ العلوم العصريّة واللّغات من مواد امتحاناتها، وأبقتها صورة حتى لا يكون للتّلاميذ باعث على الاجتهاد في دروسها [...] تلاميذها من الأجانب ولا تقبل المسلم إلاّ بعد صعوبات، ثمّ لا تسمح له إلاّ بتعلّم صناعة بسيطة".

مبنى المدرسة الصادقية

حرص خير الدين التونسي على أن يضمن الاستمرار للمدرسة الصادقية التي أنشأها. فأوقف عليها ريع أملاك ذات بال أطلق عليها اسم "أملاك المدرسة الصادقية" التي وفرت للمعهد ما يحتاج إليه من مداخيل رغم ما تعرضت له من تجاوزات في الوزارة الكبرى لمصطفى بن إسماعيل (1878 - 1881) وفي السنوات الأولى من "الحماية الفرنسية". وقد أسند أمر تأسيس المدرسة الصادقية (26 ديسمبر 1875) والتصرف في أملاكها إلى وكيل في حين تولى تسييرها والاشراف على التعليم بها مدير. وكان محمد العربي زروق (1902 - 1832), رئيس المجلس البلدي للحاضرة أول من تولى إدارة المدرسة الصادقية من إنشائها إلى 12 ماي1881، تاريخ توقيع محمد الصادق باي على معاهدة الحماية (باردو). فقد عارض مدير المدرسة الصادقية هذا التوقيع ثم احتمى بالقنصلية الانقليزية ومنها سافر إلى إسطنبول، كما عيّن خير الدين العربي زروق في إدارة المدرسة نائبين هما أمير آلاي أسكندر وعمر بن بركات. وكان التعليم في درجته الابتدائية موكلا إلى اثني عشر "مؤدبا" وفي الدرجة اللاحقة إلى عشرة مدرسين من متخرجي جامع الزيتونة. واضطلع بتعليم اللغات الأجنبية و"العلوم الطبيعية والرياضية" معلمون أغلبهم من الأجانب.

في بداية الاحتلال الفرنسي، مرّت المدرسة الصادقية بفترة حيرة على مصيرها، إذ تعددت الأطراف الراغبة في تصفية أوقافها وإغلاق أبوابها. ولم يبث في مصير المدرسة إلا في ألأشهر الأخيرة من سنة 1882 إثر تعيين بول كمبون وزيرا مفوضا للدولة الفرنسية بالإيالة التونسية. ومهما يكن من أمر فإن المسار الذي خطط له خيرالدين ليجعل من المدرسة الصادقية مؤسسة "تخرج لتونس موظفين أكفاء مكونين تكوينا عصريا يرتجى منهم أن يمكنوا البلاد من تخليص ماليتها من قبضة الدول الأجنبية المشاركة في اللجنة المالية الدولية وتخليص سياستها من التبعية لاحدى تلك الدول التي أصبحت تعلن عن مطامحها دون احتشام" سيطرأ عليه من جرّاء سياسة الادارة المباشرة التي شرع "بول كامبون" في تطبيقها تغيير في المنهج والغاية، إذ أوكل الأمر المؤرخ في 9 ديسمبر 1882 تنظيم إدارة المدرسة إلى موظفين أحدهما مدير المدرسة والاخر وكيل أوقافها وأنشأ إلى جانبهما "مجلس إدارة" يراقب تصرف الوكيل ويضع ميزانية المدرسة ويوافق على عقود البيع والشراء. ولم يفرض ذلك النص أن يكون مجلس الادارة المتركب بالمناصفة من فرنسيين ومن وعرب مسلمين أن يكون هؤلاء الأعضاء "العرب" والمسلمين من التونسيين فحسب. وازدادت "ازدواجية" النظام الجديد الذي أقرته اتفاقية المرسى (8جوان 1883) وضوحا سنة 1892 بتعيين أول مدير فرنسي على رأس المؤسسة. وهو المستعرب ماريوس دلماس الذي "اعتبر من الواجب بعث الحيوية والنشاط في المدرسة الصادقية لا للفائدة التي تنجر مع ذلك للأهالي فحسب بل وأيضا للمشاركة الناجعة التي يمكن أن تكون لذلك المعهد في الخطة الاصلاحية التي شرعت فيها فرنسا بتونس". فقد سبق أن أنشأ بول كمبون إدارة عامة للتعليم العمومي عيّن على رأسها المستعرب لويس ما شوال في شهر ماي.وقد حرص على تطبيق برامج التعليم الابتدائي الفرنسي في المدرسة الصادقية وبادر بتحويلها إلى شبه فرع لدار المعلمين التي أنشأها سنة 1885 وسماها المدرسة العلوية.ويذكر ماريوس دلماس أنه في سنة 1890 اتّجهت النيّة إلى "إدماج المدرسة الصادقية في معهد القديس شارل الذي أسسه الرهبان قبل تمركز الحماية وسمي لهذا الغرض "المعهد الثانوي الصادقي" فأرسل أربعون تلميذا من الأقسام العليا إلى هذا المعهد الثانوي ليتلقوا فيه تعليما ثانويا". وإثر الاعلان عن البرامج الجديدة في جانفي 1893 التي كانت تهيئ لامتحان "البروفي" الابتدائي أرجع تلامذة "الصادقية" من معهد "سان شارل" إلى مدرستهم. وكانت هذه البرامج الجديدة حسب "ماريوس دلماس" ثانوية المستوى ترمي إلى تكوين موظفين ومترجمين مقتدرين يتقنون اللغتين وحاصلين فضلا عن ذلك على قدر كاف من المعارف العامة. وهو ما مكن من إنشاء قسم جديد في كل سنة فأصبحت المدرسة في أكتوبر 1897 مشتملة على حلقة تامة من التعليم الثانوي لا يقبل فيه إلا التلامذة الحاصلون على شهادة التعليم الابتدائي. وبهذه الصفة، صار التعليم الصادقي يشمل مدرستين: "فرع المدرسة الصادقية" الابتدائي الذي تنتهي الدّراسة فيه بالحصول على الشهادة الابتدائية، و"المدرسة الصادقية" ذاتها وهي مدرسة "ثانوية المستوى". ولقد تداول على إدارة المدرسة الصادقية من سنة 1892 إلى 1955 أي في أثناء الفترة الاستعمارية ستة مديرين هم على التوالي:

ماريوس دلماس (1912 - 1892), بيار بولون (1927 - 1912), جبرائيل ميرا (1934 - 1927), لو كنت (1941 - 1934), جورج قسطون، (1944 - 1941), محمد عطية (1944 - 1955). وتباينت أهمية هذه الفترات الادارية بحسب مستجدّاتها على مستوى السياسة التعليمية التي توختها إدارة الحماية إزاء تمدرس الأطفال التونسيين من جهة ومدى تلاؤم التنقيحات الترتيبية المتعلقة بالتعليم الصادقي مع رغبة النخبة التونسية من جهة أخرى. أما إدارة دلماس فقد تزامنت مع ثلاثة أحداث مهمّة ذات علاقة بإصلاح التعليم الصادقي : تأسيس جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية (الأمر المؤرخ في 24 ديسمبر 1905), بعث لجنة للنظر في إصلاح التعليم الصادقي (الأمر المؤرخ في 28 مارس 1906), إنهاء مهام لويس ماشوال على رأس إدارة التعليم العمومي (1883 - 1908) وتعويضه بسبستيان شارلتي أحد أبرز الدعاة المتحمسين لحسن توظيف التعليم الاستعماري أي توجيه التونسيين إلى التعليم المهني فحسب، إذ كانت تتجاذب السياسة التعليمية لادارة الحماية ثلاثة تيارات أو توجهات: تيار الاخضاع ويتزعمه الحزب الاستعماري أو حزب المتفوقين وينادي بإبقاء الأهالي على حالهم أي "رتبة الجنس الدوني والمتخلف" والاهتمام به فقط من حيث تدريبه على التعليم المهني لتوفير يد عاملة رخيصة. وكانت صحيفتا "تونس الفرنسية" و"المعمر الفرنسي" تعكسان هذا التوجه. وتيار الادماج أي إدماج الأهالي في بوتقة الحضارة الفرنسية بواسطة تعليم موجه (دعم اللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية، قراءة "تمجيدية" لتاريخ "الوطن الأم" وجغرافيته، التأسيس لتعليم لائكي...) تتزعمه الجمعيات (رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان، جمعية الفكر الحر، جمعية التعليم اللائكي...) والأحزاب اليسارية (الراديكالية والاشتراكية...) في أوساط الجالية الفرنسية بالايالة التونسية التي نشطت واتسع مجال تأثيرها خاصة في قطاعات الوظيفة العمومية والمهن الحرة في عهد المقيم العام ستفان بيشون (1900 - 1906) وكان لويس ماشوال مدير التعليم العمومي (1883 - 1908) من أبرز دعاة هذا التيار. والثالث هو تيار المشاركة أي مشاركة التونسي "الحامي الفرنسي" في تسيير شؤون إدارة الحماية. وهي السياسة التي ابتدعها جول فيري بعد أن تبين له إثر المشاركة في أعمال لجنة تحقيق نيابية ب"المستعمرة" الجزائرية سنة 1892 محدودية سياسة الادماج واستحالة إنجازها. وبقدر ما عارضت النخبة الوطنية التونسية سياسة ألاخضاع والادماج، ناضلت في مرحلة أولى من أجل تثبيت سياسة المشاركة، غير أن هذه السياسة اصطدمت بمعارضة حزب المتفوقين الذي حال دون تحقيقها. وأعلنت حركة "الشباب التونسي" في المهجر عن إخفاق هذه السياسة وطي صفحتها نهائيا مطالبة بحق الشعب التونسي في تقرير مصيره. ولم يكن ثمّة من بدّ لأن يتفاعل نشاط جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية من جهة وعمل لجنة النظر في إصلاح التعليم الصادقي من جهة أخرى مع هذه المستجدّات. فقد تولى علي باش حامبة (1876 - 1918) بعد حصوله على شهادة ختم دراسة التعليم الصادقي وقبل تأسيسه جمعية قدماء تلامذة الصادقية الاشراف على إدارة المدرسة بصفة وكيل "فأقبل في الحين على إعادة تنظيم المصالح الادارية الموكولة إلى عهدته وبذل كل ما في وسعه لتسجيل العقارات التابعة لأملاك المعهد، حتى يضمن له حياة أمنة منظمة، حسبما كان يرغب فيه مؤسسه". وبث علي باش حامبة في "جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية" بواسطة قانونها الأساسي وبرامج نشاطها الروح الاصلاحية التي رسمها خير الدين للمدرسة في أمر تأسيسها الصادر سنة 1875, كما أكد "أن الحياة الجماعية بالمدرسة غرست في نفوس تلامذتها مشاعر الألفة والتضامن وأن تساويهم في الحقوق والواجبات رباهم تربية ديمقراطية خففت من وطأة التفاوت الطبقي الموجود في البلاد". وكانت هذه الجمعية إلى جانب غايتها التعاونية ترمي إلى "نشر وتبسيط مبادئ العلوم العصرية الضرورية في الأوساط التونسية". وتحدّد نشاطها بالخصوص في تنظيم محاضرات أسبوعية بمقرها الكائن بنهج باب البنات متبوعة بمناقشات بلغ عددها سبعا وعشرين محاضرة في سنة واحدة (من أفريل 1906 إلى أفريل 1907), كما أنفقت قسما من أموالها في تنظيم دروس في المواد التي أحتاج إليها عدد من أعضائها لاجتياز امتحان الباكالوريا ولدراسة القانون الفرنسي بعد ذلك.واستطاعت أيضا أن تجعل في متناول الطبقة الكادحة التونسية مبادئ حفظ الصحة والافادة من نتائج العلوم ومن الآراء العصرية.

وكان لهذه الحركة التي أظهرتها الجمعية تأثير مباشر في قرار إحداث لجنة للنّظر في إصلاح التعليم الصادقي، إذ أحدث الأمر المؤرخ في 28 مارس 1906 "مناظرة يقع حسب نتائجها قبول التلامذة الذين حدد عددهم بأربعين". وأقر تأسيس مجلس إصلاح يجتمع مرتين في السنة على الأقل ليبدي رأيه في برامج التعليم وصيغ التحوير الممكن اتخاذها لصالح التلامذة. وهذا المجلس الذي يرأسه مدير التعليم العمومي يتركب من الكاتب العام للحكومة التونسية أو ممثله ومن شيخ المدينة رئيس بلدية تونس ومن رئيس الجمعية الخلدونية ومن رئيس جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية ومن ثلاثة أعيان مسلمين يعينهم الوزير الأكبر لمدة ثلاث سنوات مع إمكان التجديد. وجمعت التركيبة الأولى للمجلس الشيخ محمد النخلي (1869 - 1924) المدرس بالجامع الأعظم والبشير صفر (1917 - 1856), رئيس جمعية الأوقاف وعبد الجليل الزاوش (19471 - 873), يضاف إليهم علي باش حامبة (1876 - 1918) وكيل أوقاف المدرسة ومحمد الأصرم (1858 - 1925) رئيس الخلدونية وخيرالله بن مصطفى (1867 - 1965) رئيس جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية ومحمد الصادق غيلب شيخ المدينة رئيس بلدية تونس. ويتضح من محاضر الاجتماعات التي عقدها مجلس الاصلاح مطالبة عناصر النخبة التونسية إدارة التعليم العمومي ب "تحضير قسم من التلامذة لاجتياز امتحان الباكلوريا والسماح للناجحين بأن يتلقوا في فرنسا تعليما عاليا يؤهلهم لتعاطي المهن الحرة". لكن احترازات لويس ماشوال تداخلت وضغوط "الحزب الاستعماري" بالايالة التونسية لابقاء الوضع على حاله واقتصر التعليم بالمدرسة الصادقية مدة سنوات على التحضير لشهادة ختم الدروس.

ولم تترك إدارة بيار بولون للمدرسة الصادقية من 1912 إلى 1927 سوى ذكرى فترة اتسمت بالعسر والضيق فقد سلطت على التلامذة عقوبات صارمة نتيجة مشاركتهم في مظاهرة 5 أفريل 1922 المساندة للباي محمد الناصر الذي هدد بالاستقالة تلبية لنداء الحزب الحر الدستوري التونسي من أجل تحقيق إصلاحات جذرية أولها المطالبة بدستور. وبقي بولون معارضا لكل إصلاح. وبالرغم من ظروف ما بعد الحرب الصعبة تواصل نشاط جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية واستأنفت نشاطها التثقيفي وأنشأت لها فرعا بسوسة سنة 1925 وتداول على رئاستها من 1919 إلى منتصف الثلاثينات نخبة من نبغاء الصادقيين هم على التوالي : المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب من 1919 إلى 1923 ومحمد الأصرم الذي انتخب رئيسا لها سنة 1923 واضطر بعد ذلك إلى الاستعفاء لأسباب صحية ومصطفى الكعاك من 1924 إلى 1931 والطاهر صفر طيلة سنتين 1931 و1932 ومحمد المالقي (1932 - 1933) ومحمد بورقيبة (1933 - 1934). ومن أبرز المحاضرين الذين أسهموا في مناشط النادي الأدبي للجمعية نذكر أبا القاسم الشابي والطاهر صفر والحبيب بورقيبة ويوسف المحجوب ومحمد الصالح المهيدي. وفي فترة رئاسة المهندس محمد علي العنابي (1954 - 1934), تميز نشاط الجمعية بالتنوع والكثافة وأصبح له أكثر فأكثر طابع سياسي وطني واضح وعدت الجمعية معقلا من معاقل الحزب الحر الدستوري الجديد.

وفي فترة إدارة جبرائيل ميرا من 1927 إلى 1934 الذي كان أستاذا بالمعهد، أصبح التعليم بالمعهد الصادقي موازيا للتعليم في المعاهد الثانوية من التعليم الفرنسي مع إضافة حصص مهمّة خصّصت للآداب العربية والحضارة الاسلامية. وكان للتحولات التي طرأت على الحركة الوطنية التونسية في مطلع الثلاثينات الأثر الجلي في الأبعاد التي اتخذتها مسألة ترشح الأستاذ المبرز التونسي محمد عطية والمدرس بالمعهد الصادقي لتولي إدارة المدرسة بعد "ميرا". وأفضى الأمر بعد نقاش طويل إلى إبقاء إدارة المعهد بيد موظف فرنسي هو لوكنت رئيس قسم التعليم الثانوي بإدارة التعليم العمومي مع تعيين الأستاذ محمد عطية في منصب كاهية مدير للمدرسة. وقد سبق أن طرأت الحياة الجمعياتية المدرسية إثر سنة 1930 تحولات مهمّة تجسّدت في إنشاء جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية عدة مشروعات ذات فائدة قومية. ففي جويلية 1931 بادرت بإنشاء "جمعية أحباء الطلبة" التي كان مقرها الأساس في 13 نهج الجلد حيث استقرت جمعية قدماء الصادقية وقدمت العون على هيئة منح وقروض شرفية للمئات من الطلبة التونسيين لمزاولة دراستهم بالجامعات الفرنسية منسقة نشاطها مع جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا التي تأسست سنة 1927 ببادرة طلابية تونسية، كما أشرفت الجمعية أيضا على تأسيس "الشبيبة المدرسية" يوم 19 مارس1934 بإيعاز من الطاهر صفر رئيسها السابق سنتي 1931 - 1932 والأمين العام المساعد للحزب الحر الدستوري الجديد (مؤتمر قصر هلال 2 مارس 1934) التي شارك فيها تلامذة المعاهد الثانوية التونسية. وتجلى حضور الصادقيين على نحو في مختلف مظاهر النهضة التونسية الحديثة السياسية منها والفكرية والأدبية والفنية بداية من ثلاثينات القرن العشرين. ورد التلامذة الصادقيون بحزم على قبول إدارة الحماية احتضان أشغال المؤتمر الافخارستي الدولي الثلاثين بتونس من 7 إلى 11 ماي 1930 وما انجر عنها من استفزاز لمشاعر الشعب التونسي المسلم.

فانتظمت في شوارع مدينة تونس مظاهرات احتجاجية شارك فيها، إلى جانب تلامذة المدرسة الصادقية، طلبة جامع الزيتونة والتلامذة التونسيون بمعهد كارنو والمدرسة العلوية. وكان التلميذ الشاب الصادقي الباهي الأدغم من العناصر المحركة لهذه المظاهرات. وفي النصف الثاني من الثلاثينات، انخرط التلامذة الصادقيون على نحو ملحوظ في العمل الوطني.