صالح الشريف

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1286 - 1339هـ/1869 - 1920م]

صالح الشريف

ينتسب السياسي الشيخ صالح الشريف إلى عائلة من الأشراف الأدارسة انتقلت في منتصف القرن الثامن عشر من بجاية إلى تونس، حيث استقرت وتعاقب فيها النّسل إلى جد صالح الشريف الشيخ العربي الشريف (المتوفى عام 1280هـ/1862م) أحد أساتذة الجامعة الزيتونية الذين اختارهم الباي أحمد باشا باي من المالكية للتدريس بجامع الزّيتونة. وقد أنجب الجدّ العربي الشريف ابنين أحدهما هو الشيخ محمد المختار الشريف والد الشيخ صالح، وهو من العدول المبرّزين ووكيل لمستشفى عزيزة عثمانة.

ولد صالح الشريف بتونس سنة 1286هـ/1869م. ولما بلغ أشدّه تلقى تربيته الأولى برعاية والده الذي أدخله إلى كتّاب "سيدي منصور" فحفظ فيه القرآن الكريم على يد المؤدّب عبد الرحمن المقراني. ثم انخرط في سلك طلبة الجامعة الزيتونية سنة 1299هـ/1882م. وفي سنة 1310هـ/92 - 1893م اجتاز بنجاح مناظرة التّدريس في المرتبة الثانية. وفي السنة الموالية ارتقى إلى الرتبة الأولى دون مناظرة. وفي سنة 1315هـ/1897م عيّن أستاذا بالمدرسة العصفورية (التأديبية) بتونس. وفي سنة 1896 شارك في "لجنة إصلاح التعليم بجامع الزّيتونة وبالمدارس القرآنية". وقد عارض مشروع "ماشويل" (Machuel) مدير التعليم العمومي الذي أراد أن يضع التعليم الاسلامي عموما تحت هيمنة الإدارة، لكنّ هذا المشروع الذي انتقده معظم الأعضاء من لجنة إصلاح التعليم بجامع الزّيتونة تمّ العزوف عنه.

ولمّا كان الشيخ صالح الشريف شغوفا بالسياسة، ومتّقدا حماسة ووطنية فإنّه لم يتحمّل كابوس الاضطهاد الاستعماري ومصادرة الحريات العامة من قبل الاحتلال الفرنسي. لقد كان من دعاة الرفض العنيف للحماية الفرنسية والاحتلال. وكان تعلّقه شديدا بحركة الجامعة الاسلامية ودورها وبإحكام الارتباط بالخلافة العثمانية، فابتدأت "فكرة الرحلة الشرقية تحوم حول فكره حتّى استقرت ورسخت". وفي سنّ الأربعين عزم على تعلم اللغة التركية لأمر في نفسه، فلم يكد يحسن فهمها حتى تظاهر بالسفر إلى الحج. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ سفر الشيخ صالح الشريف في نوفمبر 1906 لم يكن خفيا على أحد: فقد رافقه إلى المرفإ عدد غير قليل من الأصدقاء والشخصيات التونسية، فضلا عن أن ّ الصحافة العربية والفرنسية قد عبّرت عن أسفها لهجرة الشريف اإارادية. أمّا صالح الشريف نفسه فيعترف في ترجمته الذّاتية: "بأنّه ترك تونس لشعوره بالقرف من السياسة الاستعمارية الفرنسية ضد ّ سكان بلاده. وأنهّ اختار الهجرة ليناضل خارج تونس بطرق فعّالة حتى يحرّر وطنه من نير الاستعمار البغيض". وقد وصفت أجهزة الاستعمار ووثائق الحكومة التونسية والخارجية الفرنسية صالح الشريف "بأنّه زعيم جماعة المهاجرين السياسيين، وأنّه أخطرهم على الإطلاق".

ومن تونس ذهب الشريف إلى دمشق حيث استقر لحين ثمّ قصد الاستانة، فقوبل فيها بالحفاوة التي يستحقها وكان ضيفا على أبي الهدى الصيّادي مستشار السلطان عبد الحميد وهناك تزوج زوجته الأولى حنيفة أصيلة مدينة إزمير، زوّجه إيّاها السلطان عبد الحميد، كما قلّده هذا الأخير منصبا رفيعا. ولم تكد تمر تسعة أشهر بالاستانة حتى أرسله السلطان إلى دمشق للتدريس بها. وكان المسؤولون يدركون جيّدا كفاءة الشيخ صالح الشريف وقدرته الفائقة على الخطابة المعزّزة بلهجته المؤثرة. وفي الشام مكث حولين كاملين، تجلّت فيهما شخصيته مرشدا وواعظا ومدرسا، هذا فضلا عمّا تولاّه من مهمّات خطيرة أخرى. فقد كلف صالح الشريف من طرف الدولة العثمانية بمهمّة رعاية المهاجرين الجزائريين فيما يتعلّق بظروف إقامتهم وتشغيلهم. وكان وراء قرار الدّولة التركية في تهيئة إقامة المهاجرين الجزائريين في جنوب تركيا. وكان أيضا يقوم بأعباء الترجمة مجانا لفائدة مواطنيه التونسيين. كما احتل مكانا ممتازا في التظاهرات والمناسبات الرسميّة، وكان دائب الحركة في بيروت وبيت المقدس ودمشق. وبمناسبة تدشين محطة "مداين صالح"، عام 1908، (الواقعة على خط سكة حديد الحجاز التي تربط دمشق بالمدينة ومكة) ألقى الشيخ صالح الشريف خطابا شكر فيه السلطان عبد الحميد على هذا الانجاز الذي جلب منفعة عظيمة للاسلام.

وفي دمشق وقعت له مشادات أثارها قنصل فرنسا العام بواسطة محمد رشيد رضا - وهو من دعاة الخلافة العربية وصاحب مجلة "المنار" الشهيرة - وكادت المشادات أن تؤول إلى اغتيال الشيخ صالح. ثم رجع إلى الأستانة بطلب من الدّولة العلية وأسند إليه وظيف رفيع في إدارة مشيخة الاسلام، فمكث فيه ما يقارب السنة. ولمّا نشبت الحرب التركية الايطالية بسبب عدوان إيطاليا على طرابلس الغرب سنة 1911، سافر مع أنور باشا ليكون معه في ساحة القتال بدرنة، فكان المجاهد الذي اخترق خطوط النّار مرّات عديدة في سبيل التحريض على القتال وجمع الكلمة، وكان وراء عدّة انتصارات لليبيّين ضدّ الطليان، ثم رجع رفقة أنور باشا إلى أنّ سمّاه أنور - وهو رئيس أنصار الجامعة الاسلامية من "حزب الاتحاد والترقي" ووزير الحربية - مستشارا بوزارته فكان "إماما" لزملائه وكان بيته مزارا للعلماء والمهاجرين السياسيين المغاربة المتمردين على ظلم الاستعمار. وفي سنة 1333هـ/1914م أرسل صالح الشريف على رأس وفد للمصالحة بين بن سعود أمير نجد وبن الرشيد أمير حائل ولكنّه لم يستطع الاتصال بابن السعود. وفي الاستانة تزوّج بزوجته الثانية قنجراز خديجة، وهي شركسية الأصل زوّجه إيّاها السلطان محمّد رشاد وهي أمّ ثلاثة من أولاده.

وما من شك في أنّ الشيخ صالح الشريف كان من أكثر المتحمسين لدخول تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا سنة 1914م لأنهّ كان يتصورّ أنّ انتصار العثمانيين وألمانيا سيؤدّي حتما إلى تخليص تونس من براثن الاستعمار الفرنسي. وفي أثناء الحرب خرج من تركيا إلى سويسرا ليواصل نضاله الثوري ضد الاستعمار الغربي، فأقام بمدينة لوزان متنقلا بين "جنيف" و"بارن" و"برلين" و"ستوكهولم" في رفقة من اللاجئين السياسيين المغاربة والمصريين منهم الشيخ إسماعيل الصفائحي، والأمير شكيب أرسلان ومحمّد فريد باي، ومحمّد باش حامبة، وعبد العزيز جاويش، ومحمّد الخضر حسين. ولا بدّ من الاشارة إلى أنّه أسس وترأس تجمّعا يدافع عن استقلال الشعب التونسي - الجزائري (جانفي 1916) كما مثل تونس والجزائر وليبيا في مؤتمرات أممية، وحرّر رسائل ونشريات وبيانات ضدّ الاستعمار الفرنسي والغربي. هذه الوثائق الهامة كتبت بالعربية والفرنسية والألمانية والايطالية. وهي تحتوي على حقائق يريد من خلالها صالح الشريف إطلاع الرأي العام العربي والاسلامي على ممارسات سلط الاستعمار الفرنسي في كلّ من القطرين التونسي والجزائري إذ نقرأ فيها مثلا العناوين الكبرى التالية: اعتداؤها على الشرف، اعتداؤها على النّفوس، اعتداؤها على الدين، اعتداؤها على الأموال، اعتداؤها على الفكر والتعليم... وغيرها. وفي سويسرا صرعه مرض الكلى فألزمه الفراش مدّة شهرين كاملين إلى أنّ قضى عليه أواخر جمادى الأولى 1339/1920م وهو في الثانية والستين من عمره. ووصل نعيه إلى تونس بواسطة برقية من سفير تركيا ببارن، ثم نقل جثمانه إلى وطنه لكنّ السلط الاستعمارية امتنعت، أوّل الأمر، عن إنزال جثته من الباخرة إلى أن سمحت بإنزالها بعد مناقشات وتدخّلات من أصحاب الجاه لكنّها اشترطت أنّ يتمّ الدفن ليلا. لماذا كل ّ هذا؟ لأن ّ الشيخ صالح الشريف رفض الاستعمار الغربي وهاجمه، بكلّ عنف، وجاهر برفع صوت تونس والجزائر وليبيا قويّا وعاليا للمطالبة بالاستقلال التام لأوّل مرة في تاريخ المغرب العربي المعاصر. لقد ناضل الشيخ الشريف تحت راية الجامعة الاسلامية (Panislamisme) راية الأمة الاسلامية والخلافة الاسلامية لا تحت راية "الأمّة (nation) بدلالتيها الضيقة (الجنسية) أو الواسعة (القومية) ، وهي مفاهيم أوروبية حديثة، غربية وغريبة آنذاك عن وجدان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.