الجمعية الخلدونية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1896 - 1958م]

الجمعية الخلدونية

مشروع تأسيس الجمعية الخلدونية[عدّل]

اقتنع رجال الاصلاح التّونسيون منذ أن بسطت فرنسا حمايتها على بلادهم في سنة 1881 بضرورة تركيز عملهم على نشر التعليم والأخذ بأسباب الثقافة والابتعاد عن النشاط السياسي المكشوف الذي من شأنه أن يعرّض حركتهم الناشئة إلى الاجهاض. وممّا شجّعهم على تصوّر عملهم الاصلاحي على هذا المنهج الذي يتماشى تماما مع تعاليم الشيخ محمود قابادو وسياسة الوزير خير الدين، ما منيت به الحركة الاحتجاجيّة التي تزعّمها الشيخ محمد السنوسي وشارك فيها أعيان العاصمة، من فشل ذريع سنة 1885.

وتبعا لذلك استقرّ رأي خرّيجي المدرسة الصادقية، وعلى رأسهم أبو النهضة التونسية الثاني البشير صفر، على إصدار جريدة وطنيّة مستقلّة ناطقة باللغة العربية لنشر أفكارهم واستئناف العمل الاصلاحي الذي كانت تقوم به جريدة "الرائد التونسي" ثم توقّف إثر الاحتلال، فأصدروا جريدة "الحاضرة - أول جريدة وطنية تونسية" التي ظهر عددها الأول في 2 أوت 1888 وعهدوا بإدارتها إلى واحد من نبغاء تلامذة المعهد الصادقيّ القدامى، وهو الأستاذ علي بوشوشة. وقد انضمّت إلى أسرة تحريرها نخبة من رجال الاصلاح الزيتونيين والصادقيّين، نخصّ بالذكر منهم شيخ الجماعة الأستاذ سالم بوحاجب، الشيخ محمد السنوسي والأساتذة البشير صفر ومحمد بن الخوجة ومحمد الأصرم وعلي الورداني. ولم تمض على ظهور هذه الجريدة سوى بضع سنوات، حتى فكّر أعضاء أسرتها في تطبيق برنامجهم الرّامي إلى نشر التعليم على أساس المبادئ التي شرع في تنفيذها خير الدين لمّا تقلّد الوزارة الكبرى (1873 - 1877) وهي تطعيم برامج التّعليم التّونسي بالعلوم التّطبيقية، باعتبار أنّ تلك العلوم التي تبنّتها الحضارة الغربيّة قد كانت في السّابق دعامة من دعائم الحضارة العربية - الإسلامية.

وبعد التّشاور وتبادل الرأي، قرر جماعة "الحاضرة" إنشاء جمعيّة ثقافيّة تونسية صميمة للمرّة الأولى في تاريخ البلاد، يتحدّد هدفها الأساس من جهة في التّعريف بالحضارة العربية الإسلامية، ومن جهة أخرى في بثّ العلوم الدّقيقة باللّغة العربيّة. واتّفقوا على أن يطلقوا عليها اسم "الجمعيّة الخلدونيّة" نسبة إلى المؤرخ التّونسي الشهير العلاّمة عبد الرّحمان بن خلدون.

ردود الفعل على المشروع[عدّل]

ردود الفعل الفرنسية[عدّل]

اتّصلت الهيئة التأسيسيّة للجمعية الخلدونية بالمقيم العام الفرنسي روني مييى(René Millet)(1894 إلى 1900)، لاعلامه بعزمها على إنشاء جامعة تونسيّة عصريّة حرّة، والتمست منه النظر في إمكان رصد اعتماد قدره 5 ملايين فرنك في ميزانية الدّولة لمساعدة أصحاب المشروع على إنجازه في أقرب وقت ممكن. فرحّب المقيم العام بالفكرة ووعد ببذل كلّ ما في وسعه من جهود لادخالها حيّز التّطبيق واقترح على أصحاب المشروع أن تكون الجامعة التي يرغبون في بعثها مماثلة لجامعة عليكرة التي أنشأتها بريطانيا في الهند، إلاّ أنّه حذّرهم من ردود فعل علماء الدين الزّيتونيين المحافظين الذين يستطيعون القضاء على المشروع في المهد. وكان روني مييى من المتعاطفين مع الحضارة العربية الإسلامية، ومقتنعا بأن الدّين الاسلامي لا يتعارض مع الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة. وقد عبّر عن هذه الآراء في المحاضرة التي ألقاها في مؤتمر شمال إفريقيا المنعقد بباريس من 6 إلى 8 أكتوبر 1908، ونشر نصّها الشاذلي خير الله في كتابه حركة الشباب التونسي. وقد تحدّث فيها عن ظروف تأسيس الخلدونية، قائلا بالخصوص: "شاهدت بنفسي أهل تونس يقبلون على العلوم الحديثة، وآنست فيهم خصالا ومواهب ساعدتهم على الارتقاء في هذا الميدان.... ولم يمض وقت طويل حتّى أسفرت هذه الجهود عن النّتائج المنشودة حيث انبعثت في تونس حركة إصلاحية سيكون لها مستقبل زاهر. إذ تأسّست بمساعي عدد من الشبّان التونسيين جمعية أطلقوا عليها اسم المؤرخ العربي الكبير ابن خلدون وسمّوها "الخلدونيّة". وقد وجّهت اهتمامي إلى انطلاق نشاطها وحرصت بالاتّفاق مع مؤسّسيها على أن تكون مقصورة على المسلمين دون سواهم حتى أثبت استعدادهم لتلقّي العلوم الحديثة وقدرتهم على تلقين مواطنيهم ثمار هذه العلوم".

ردود الفعل التونسية[عدّل]

التفّ حول هذا المشروع عدد كبير من رجال الاصلاح المدرسيين والزّيتونيين أمثال محمّد القروي وعلي بوشوشة ومحمد بن الخوجة ومحمّد الأصرم، بالاضافة إلى بعض سامي الموظّفين من خرّيجي المدرسة الصّادقية أمثال الطيّب الجلولي ومصطفى الدنڨزلي وخليل بوحاجب ويونس حجّوج. وحظي المشروع برعاية عاهل البلاد علي باي (1882 - 1902) ونجله محمد الهادي باي (1902 - 1906) وكبار رجال الدّولة وفي طليعتهم الوزير الأكبر محمد العزيز بوعتور ووزير القلم والاستشارة محمد الجلولي، كما أيّد المشروع رجال الشّرع أمثال شيخ الاسلام أحمد كريم وكبير أهل الشورى ونقيب الأشراف الشّيخ أحمد الشريف والعلاّمة الشيخ سالم بوحاجب والمفتي المالكي الشيخ عمر بن الشيخ. واقتدى بهؤلاء الأعلام عدد كبير من مدرّسي الجامع الأعظم نخصّ بالذكر منهم المشايخ علي الشنوفي وحسين بن الخوجة ومحمد النخلي.

حركة المعارضة[عدّل]

على أنّ المشروع أثار معارضة المعمّرين الفرنسيين وغلاة الاستعمار الذين توقّعوا أن تتحوّل هذه المؤسّسة إلى مركز من مراكز الدّعاية الاسلامية ومناهضة النفوذ الفرنسي. وقد كتب زعيمهم فيكتور دي كرنيار ما يلي: "إذا قدّر أن تندلع ثورة في البلاد التونسية يوما ما فإنّ أعضاء هيئة أركانها يكونون قد تخرّجوا في الخلدونية". ومن ناحية أخرى أزعج مشروع الخلدونية شقّ العلماء المحافظين والسلفيّين الملتفّين حول المفتي المالكي الشّيخ محمد النجار، وقد كانوا يرون أن التعليم التّونسي القومي ينبغي أن يحافظ على صبغته الدينية الخالصة. وبناء على ذلك اعتبروا تأسيس الخلدونية عملا مضرّا بالدّين الاسلامي الحنيف، ومنافسة خطرة تهدّد الجامع الأعظم بالانقراض. فنشأت حركة إصلاحية سلفيّة معارضة للحركة الاصلاحيّة التّجديديّة، تدعو إلى التمسّك بالكتاب والسّنّة والرّجوع إلى أصول الاسلام الأولى والاقتداء بالسلف الصّالح ومقاومة الغزو الثقافي الغربي. وقد أصبحت جريدة "الزّهرة" التي أصدرها منذ سنة 1890 عبد الرحمان الصنادلي، أحد خرّيجي الجامع الأزهر، الناطقة بلسان هذه الحركة المناهضة لجماعة "الحاضرة" و"الخلدونية" الذين يدعون اقتداء بالشيخ محمّد عبده إلى الاصلاح الثّقافي والاجتماعي والديني، ولو بالتعاون مع السلطة الاستعمارية.

انبعاث الجمعية الخلدونية سنة 1896[عدّل]

الصفحة الأولى من القانون الأساسي للجمعية الخلدونية

مقاصد الجمعية[عدّل]

رغم ما لقيته الجمعيّة الخلدونيّة من مقاومة ومعارضة، فقد صادقت الحكومة على تأسيسها بمقتضى قرار صادر عن الوزير الأكبر بتاريخ 18 رجب 1344 / 22 ديسمبر 1896. وتضمّن الفصل الثاني من قانونها الأساس مقاصد الجمعيّة المتمثّلة في "البحث عن الوسائل المفضية إلى توسيع نطاق المعارف لدى المسلمين"، ولذلك كان من عزم الجمعيّة:

1 - أن ترتّب دروسا وخطبا أو محادثات في علم التاريخ والجغرافيا واللّسان الفرنساوي والاقتصاد السياسي وعلم حفظ الصحّة والطبيعة والكيمياء وغير ذلك.

2 - أن تسهّل وسائل الاستكمال في المعارف على من هو أهل لذلك.

3 - أن تعين على إنشاء مكتبات.

4 - أن تحدث جريدة تنشر بالعربية والفرنسية، لتعين على تعريف التمدّن العربي للفرنسيين والتمدّن الفرنس للعرب...".

وقد ذكّرت "الحاضرة" في عددها المؤرخ في 13 شوال 1314/مارس 1897 بهذه المقاصد،وأضافت قائلة: "وممّا تقدّم يتّضح أنّ مقصد هذه الجمعية جليل، وأنّه لا ينفق في سوقها إلاّ الابريز الخالص واللّجيْن المصفّى، فلا يلتفت لما يشيعه سماسرة البغي والفساد من الأخبار البعيدة عن الصّحّة، العريقة في الوهم والغلط، لاحداث العقبات في سبيل هذا المشروع الاسلامي الذي هو بكلّ خير كفيل، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل".

حفل الافتتاح[عدّل]

انتظم حفل الافتتاح صباح يوم السبت 15 ماي 1897 بمحضر المقيم العام الفرنسي والوزير الأكبر ووزير القلم والكاتب العام للحكومة وغيرهم من كبار رجال الدولة وأعيان البلاد، كما حضر الحفل شيخ الاسلام وكبير أهل الشورى ونقيب الأشراف وجمّ غفير من العلماء والمدرّسين. وافتتح الاجتماع رئيس الخلدونيّة الأمير آلاي محمد القروي، فألقى خطابا ذكّر فيه بمقاصد الجمعية وقدّم لمحة عن البرنامج الذي تعتزم الهيئة تطبيقه، ثم أحال الكلمة إلى المقيم العام روني مييى الذي ألقى خطابا نوّه فيه بالثّقافة الاسلامية وإسهام تونس في نشرها وفضل العرب على أوروبا في نهضتها. وعبّر عن رجائه في أن تشعّ أنوار الثقافة الحديثة من معهد الخلدونيّة حتى تعم ّ بلاد المغرب قاطبة.

محاضرة الشيخ سالم بوحاجب[عدّل]

وبهذه المناسبة ألقى العلاّمة الشيخ الإمام سالم بوحاجب درسا حول تفسير قوله تعالى "و علّم آدم الأسماء كلّها" (سورة البقرة الاية 31). وقد أطنب الأستاذ في الحديث عن مختلف العلوم النقليّة والعقليّة، وأكّد بالخصوص أنّ الدّين الاسلامي لا يتنافى أبدا مع العلوم التّطبيقيّة، داعيا التّونسيين إلى الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة، ومبرزا ما أحرزه المسلمون من تقدّم في العلوم الكونيّة في العهود الاسلامية الأولى. وحرص تلميذ الشيخ سالم بوحاجب، الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور على نشر هذا الخطاب بحذافيره في كتابه الشهير أليس الصّبح بقريب.

إدارة الجمعيّة الخلدونيّة[عدّل]

مجلس الإدارة[عدّل]

يتركّب مجلس إدارة الجمعيّة الخلدونية من رئيس وأحد عشر عضوا ينتخبون في جلسة عامّة بين عموم المشتركين بالاقتراع السرّي والأغلبيّة المطلقة في الدّورة الأولى والأغلبية النّسبية في الدّورة الثّانية لمدّة سنة واحدة ويمكن تجديد انتخابهم. ويتمثّل دور مجلس الإدارة في الاشراف على سير الدّروس وضبط برامج الدّراسة واختيار المدرّسين والمصادقة على ميزانية الجمعيّة المموّلة بالاشتراكات والمساعدات المالية الخاصة والمنحة الدوليّة المخصّصة لها في كل عام. وقد انتخبت الجلسة العامّة التأسيسيّة محمد القروي أول رئيس للخلدونية وحوله مجلس إدارة يتركّب من البشير صفر ومحمد الأصرم وخير الله بن مصطفى وخليل بوحاجب ومحمد رضوان وعلي القلاتي ومحمد الصالح السلامي والعربي بن عمر. واستمرّ القروي على رأس الجمعية سنة واحدة (1897) وخلفه البشير صفر مدّة سنة واحدة أيضا (1898), ثم تداول على الرئاسة: علي بن أحمد قلاتي (1899) ومحمد الأصرم (1900 - 1909) وعبد الجليل الزاوش (1910 - 1919) وحسن قلاتي (1920) ومحمد الأصرم من جديد (1924 - 1925) وعمر البكوش (1926 - 1929) وعبد الرحمان الكعاك (1930 - 1945) ومحمد الفاضل ابن عاشور (1945 - 1958).

مقرّ الجمعيّة[عدّل]

لم تتمكّن الخلدونيّة في السّنوات الأولى من نشاطها من الحصول على مقرّ خاص بها، فكانت تنظّم دروسها في المساء بالمدارس العموميّة. وفي سنة 1900 وضعت إدارة التّعليم العمومي على ذمّتها المدرسة العصفورية الكائنة بسوق العطارين قرب جامع الزيتونة وهي التي يرجع تاريخ تأسيسها إلى القرن الثّالث عشر للميلاد، وذلك إثر تحويل المدرسة التّأديبيّة أو مدرسة ترشيح المعلّمين إلى مقرّها الجديد بالمركاض. وهيأت الجمعيّة في تلك المدرسة بعد ترميمها قاعات للدّروس وقاعة للمطالعة وأخرى للإدارة.

نظام التعليم بالخلدونيّة[عدّل]

درجات التعليم[عدّل]

أحرزت الخلدونية منذ إنشائها نجاحا باهرا، فانخرط في سلك مشتركيها عدد كثير من رجال التعليم والموظّفين والتجّار والأعيان، وأقبل الشبّان على دروسها أيما إقبال، لا سيما منهم طلبة الجامع الأعظم الذين كانوا محرومين من العلوم العقلية كالفلسفة والتاريخ والجغرافيا، ومن العلوم الصحيحة والتجريبيّة كالرّياضيات والفيزياء والكيمياء، وكان من ولع بعضهم بهذه الدّروس أنهم لا يتركون أيّ درس يفوتهم ولا يقتصرون على بعضها دون الآخر. وينقسم التّعليم إلى ثلاث درجات: الابتدائي والثانوي والعالي.

  • فالتّعليم الابتدائي يرمي إلى تلقين التلامذة مبادئ اللغتين العربيّة والفرنسيّة، وبه فرع لتعليم الكهول القراءة والكتابة.
  • والتعليم الثانوي مخصّص للتلامذة المتوسطين، وتتضمّن مناهجه اللغة العربيّة وآدابها واللغة الفرنسيّة والتاريخ والجغرافيا والحساب والهندسة والعلوم الطبيعيّة ومبادئ حفظ الصحّة.
  • والتّعليم العالي، وهو يهيّئ الطلبة لاجتياز امتحان "شهادة المعارف العمليّة" التي أنشئت بمقتضى الأمر المؤرّخ في 12 نوفمبر 1898, وتتضمّن برامجه الأدب العربي والانشاء وفلسفة التّاريخ والرّياضيات والهندسة والاقتصاد السياسي.

ونظّمت الخلدونية أيضا دروسا تطبيقيّة في قيس الأراضي والمحاسبة ومسك الدفاتر.

المدرّسون[عدّل]

اعتمدت الجمعية الخلدونية على نخبة من الأساتذة والمحامين والأطباء وكبار الموظفين للتدريس بمعهدها إما تطوّعا أو بمقابل رمزي. ومن أشهر المدرّسين بالخلدونية الزعيم الوطني البشير صفر الذي تولى تدريس التاريخ والجغرافيا من سنة 1897 إلى سنة 1908، تاريخ تعيينه عاملا بسوسة. وقد كان له بالغ الأثر وبعيد الصدى داخل المعهد وخارجه حتى لقّب بأبي النهضة التونسية الثاني (بعد خير الدين).وقد عوّضه محمد بن الخوجة مدّة سنة واحدة، ثم حسن حسني عبد الوهاب، ثم الصادق الزمرلي.

ومن المدرّسين بالخلدونية في السنوات الأولى من حياتها، نذكر على سبيل المثال الأساتذة المكلّفين بتدريس المواد التالية:

أما في الثلاثينات، فكانت الدروس موزّعة على النحو التالي:

مكتبة الخلدونيّة[عدّل]

استقرّت مكتبة الخلدونية في أوّل عهدها في قاعة من قاعات المدرسة العصفورية منذ سنة 1900، ثم تحوّلت في أفريل 1927 إلى قاعة المحاضرات الكبرى المجاورة للمدرسة. وقد خصّص قسم منها للكتب التّونسية وقسم آخر للدّوريات. وبلغ معدّل عدد المطالعين أكثر من 1000 مطالع كل شهر، وعدد المجلّدات أكثر من 5000 مجلّد. وبعد حلّ الجمعيّة الخلدونية في سنة 1958 ألحقت مكتبتها بمصلحة المكتبات العمومية التابعة لوزارة الثقافة ونقلت مخطوطاتها النفيسة إلى دار الكتب الوطنية. وظلّت قاعة المكتبة الخلدونية مغلقة مدّة طويلة إلى أن تمّ ترميمها في السنوات الأخيرة وفتحت من جديد في وجه القرّاء في غضون سنة 1992 باعتبارها فرعا تابعا لدار الكتب الوطنية.

خرّيجو معهد الخلدونية[عدّل]

لقد تخرّج في معهد الجمعية الخلدونية في عهودها الأولى عدد كثير من العلماء ورجال الفكر والتّعليم منهم الأستاذ الهادي الكسوري الذي تولّى فيما بعد تدريس علم الفلك في المعهد نفسه، والشّيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء الجزائريين، والشّيخ محمد مناشو المدرس بالجامع الأعظم ومدير المدرسة القرآنية العصريّة بنهج سيدي بن عروس بتونس والأستاذ عبد الرحمان الكعاك الذي تولّى رئاسة الجمعية الخلدونية بكفاية فائقة من 1930 إلى 1945، والأستاذ حسن المملوك الذى أشرف على إدارة المدرسة العرفانية التّابعة للجمعية الخيريّة الاسلامية بتونس نحو الأربعة عشر عاما، هذا بالاضافة إلى عدد كثير ممّن تقلّدوا سامي الوظائف الإداريّة والقضائية والتعليميّة.

نشاط الخلدونية في الميدان الثقافي[عدّل]

المحاضرات[عدّل]

لقد سهرت الجمعيّة الخلدونيّة منذ إنشائها على تنظيم محاضرات ومسامرات من حين إلى آخر يلقيها عدد من العلماء والمدرّسين والأطباء أمثال الأستاذ البشير صفر والعلاّمة الشّيخ محمد الطاهر بن عاشور وابنه الشيخ محمد الفاضل والأستاذ الطاهر صفر والشّيخ محمد الصّالح بن مراد والأستاذ عثمان الكعاك والشّيخ المختار بن محمود والشّيخ أحمد المهدي النّيفر وأمير الشعراء محمد الشاذلي خزنه دار وشيخ الأدباء محمد العربي الكبادي والأطباء البشير الدنڨزلي وأحمد الشريف ورشيد المنشاري ومحمود الماطري وأحمد بن ميلاد. ومنذ أن أنشأت الخلدونيّة في أكتوبر 1934 النّادي الأدبي أصبحت المحاضرات أسبوعيّة. وقد كان الاقبال عليها كبيرا حتى اضطرّت الهيئة إلى تحديد عدد الحاضرين بتوزيع بطاقات حضور على رجال الفكر والأدب وطلبة التّعليم العالي.

هيئة الجمعية الخلدونية عند استقبال محمد عبده 1903

ومن الضيوف العرب الذين ألقوا محاضرات على منبر الخلدونية نذكر الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصريّة الذي ألقى محاضرة حول العلم يوم 20 سبتمبر 1903، والشّيخ محمد الحجوي مندوب المعارف الاسلاميّة في المغرب الذي ألقى محاضرة يوم 23 ديسمبر 1934 بعنوان "الفتح العربي لإفريقيا الشّمالية ودفع المثالب عنه". وقد صدر نصّها في نشرة الجمعية الخلدونية لسنة 1934.

التّظاهرات الثّقافية[عدّل]

إلى جانب الدّروس النّظامية والمحاضرات العمومية اتّجهت الخلدونية منذ مطلع الثّلاثينات إلى اغتنام الفرص والمناسبات لاقامة تظاهرات ثقافية للتّعريف بالحضارة العربيّة الاسلاميّة وأبرز أعلامها قديما وحديثا. من ذلك أنّها أقامت يوم 2 أفريل 1930 موكب تأبين الأديب المصري محمّد المويلحي صاحب "حديث عيسى ابن هشام"، ألقيت فيه بحوث ودراسات تحليلية لحياته وآثاره. ونظّمت يوم 23 مارس 1932 بالقيروان مهرجانا ثقافيا كبيرا شارك فيه عدد من فحول الشعراء وكبار الأدباء بمناسبة مرور 13 قرنا على تأسيس مدينة عقبة بن نافع. وأحيت الخلدونيّة يوم 4 مارس 1932 ذكرى المؤرخ القيرواني أبي العرب التميمي، ونظّمت يوم 29 أفريل 1932 لقاء أدبيّا بمناسبة مرور ستة قرون على ولادة العلاّمة ابن خلدون، وفي شهر أكتوبر 1932 أقامت حفلا تذكاريا لتأبين شاعر النيل حافظ إبراهيم. ونظّمت في 24 نوفمبر من السنة نفسها حفلا أضخم بمناسبة وفاة أمير شعراء مصر أحمد شوقي. وأسهمت أيضا مع شقيقتها جمعية قدماء الصادقية يوم 22 نوفمبر 1934 في إحياء ذكرى شاعر تونس الكبير أبي القاسم الشابي، بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته، كما أحيت يوم 28 أوت 1937 ذكرى انقضاء 20 عاما على وفاة أبرز مؤسسيها البشير صفر بمحضر واحد من قدماء تلامذته الشيخ عبد الحميد بن باديس. واحتضنت قاعة الخلدونية المؤتمر الأول لجمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا من20 إلى 22 أوت 1931 ثم المؤتمر الرابع من 3 إلى 5 أكتوبر 1934.

نشاط الخلدونية بعد الحرب العالمية الثانية[عدّل]

انتخاب الشيخ الفاضل بن عاشور على رأس الجمعية[عدّل]

لقد تزامنت نهاية الحرب العالمية الثانية مع وفاة رئيس الخلدونية الأستاذ عبد الرحمان الكعاك وانتخاب هيئة جديدة في شهر جوان 1945 متركبة على النحو التالي:

رئيس: محمد الفاضل ابن عاشور. نائبا الرئيس: عثمان الكعاك ومحمد الشاذلي النيفر. كاتبان: الطيّب العنابي والتهامي الزهّار. أمين المكتبة: محمد المختار بن محمود. أمين المال: الهادي بن الطاهر. الأعضاء: مصطفى الزمرلي ونور الدين بن محمود وعبد الرحمان الصنادلي ومحمد القسطلّي والدكتور الصادق المقدّم.

وتميّز نشاط الجمعية الخلدونية بداية من ذلك التاريخ بالكثافة والتنوّع، وتجسّد في تحقيق عدّة إنجازات في ميادين التربية والتعليم والثقافة.

معهد الدراسات الاسلامية[عدّل]

تأسّس هذا المعهد في شهر جانفي 1946، وهو يرمي أولا وبالذات حسب أحكام نظامه الأساسي إلى "بعث روح الثقافة الإسلامية وقيادة ذوي الثقافة إلى الشعور بوحدة العالم الاسلامي وعظمته والوقوف على حقائقه الوجودية وتكوين الاستعداد لدراسة حرّة لا تتأثر بالظروف العارضة ولا بالتيارات الخارجيّة....". وقد ضبطت مناهج هذا المعهد على اعتبار العالم الاسلامي مؤلّفا من أربع وحدات: الوحدة العربية والوحدة الهندية والوحدة الطورانية والوحدة الإيرانية. فكانت المحاضرات تتناول بالدرس المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالأقطار التابعة لكل وحدة من الوحدات الأربع. وقد كلّف بإلقاء هذه المحاضرات أساتذة متخصّصون في بحث هذه المسائل أمثال: محمد الفاضل ابن عاشور وعلي البلهوان وعثمان الكعّاك والطيب العنابي والصادق بسيس ومحيى الدين القليبي والصحبي فرحات. ثم انضمّ اليهم أستاذان من الشبان المتخرجين في المعهد ذاته وهما الحبيب بن الخوجة والعروسي المطوي.

معهد الحقوق العربي[عدّل]

نشأت الخلدونية هذا المعهد في آخر سنة 1946 وعهدت بإدارته إلى الأستاذ الطيب العنابي المحامي، وتولّى التدريس فيه من كبار القضاة ورجال القانون أمثال الهادي ابن القاضي والصادق الجزيري وصالح بن يوسف والهادي نويرة والطاهر الأخضر وفتحي زهير. وتعطّلت دروس هذا المعهد في سنة 1948:وسبب ذلك، حسب الشيخ الفاضل بن عاشور ذاته، "تزاحم برامجه مع برامج المعهد الرسمي الذي يتخرّج فيه حكّام العدليّة التونسية ومحاموها، وهي مدرسة الحقوق التونسية".

الباكالوريا العربية[عدّل]

كان التعليم الثانوي الذي نظمته الخلدونية منذ تأسيسها يقتصر على المرحلة الأولى، فقرّرت هيئة الجمعية في سنة 1947 إحداث شهادة لختم الدروس الثانوية تسمّى "الباكالوريا العربية" ويتحدّد غرضها في تهيئة التلامذة المترشحين لهذه الشهادة للالتحاق بمعاهد التعليم العالي بالمشرق لمواصلة تعليمهم الجامعي في مختلف العلوم والفنون، وبالفعل قد تمكّنت الخلدونية من توجيه عدد من التلامذة المتفوّقين من حملة الباكالوريا العربية إلى الجامعات العربية في كل من مصر وسوريا ولبنان والعراق لمزاولة دراستهم العليا وإمداد جامع الزيتونة بأساتذة متخصّصين في تدريس العلوم العقليّة والتطبيقية باللغة العربيّة، كالتاريخ والجغرافيا والفلسفة والرياضيات والفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية.

مؤتمر الثقافة الاسلامية[عدّل]

وتتويجا لنشاطها العلمي والثقافي قرّرت الجمعية الخلدونية عقد مؤتمر ثقافي عام بتونس أطلقت عليه اسم "مؤتمر الثقافة الاسلامية"، يتناول نواحي الثقافة العربية الاسلامية ويشارك فيه ممثلون عن البلدان الاسلاميّة شرقا وغربا من العلماء والمفكّرين والكتّاب. وبالفعل قد انعقد هذا المؤتمر بتونس في شهر سبتمبر 1949 "ونال حظّا عظيما من النجاح"، على حدّ تعبير الشيخ الفاضل بن عاشور، الذي أضاف قائلا: "إلاّ أن شيئا عظيما جدّا من البلبلة والفشل قد أحاط به وبنتائجه حتى كأن مواكبه الباهرة كانت توديعا لذلك العهد السعيد من التفاف الأمّة حول نهضة الثقافة الإسلامية".

انحلال الجمعية الخلدونية[عدّل]

وقد حصل فعلا ما توقّعه الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور. فمنذ مطلع الخمسينات أخذت الأحداث السياسية وملابساتها تطغى على الحياة العامّة وعلى نشاط الجمعيات العلمية والثقافية بوجه خاص، بما في ذلك الجمعية الخلدونية التي تقلّص نشاطها الثقافي حتى أصبحت مجرّد مدرسة حرّة. فما إن استرجعت الدولة التونسية سيادتها في سنة 1956 وشرعت حكومة الاستقلال برئاسة الزعيم الحبيب بورقيبة في معالجة قضيّة التعليم التونسي وإصلاحه على أساس توحيد برامجه ومؤسساته تحت سلطة وزارة التربية القومية، ومن ثمّة إدماج التعليم الزيتوني الثانوي في صلب معاهد التعليم العمومي، حتى أدرك المشرفون على حظوظ الخلدونية أن المهمّة التي اضطلعت بها أكثر من نصف قرن قد أوشكت على النهاية بدخول برنامج إصلاح التعليم حيّز التطبيق في مستهلّ السنة الدراسيّة 1958 - 1959. فقرّروا من تلقاء أنفسهم وضع حدّ لنشاط هذه المؤسسة العريقة التي أسهمت إسهاما بعيد المدى في نشر الفكر الاصلاحي بالبلاد وإرساء أسس النهضة الفكرية التونسيّة الحديثة المرتكزة على صيانة الثقافة العربية الاسلاميّة الأصيلة وإحيائها، مع مواكبة معارف العصر، والأخذ بأسباب الحضارة الحديثة سواء في الميدان الاقتصادي والاجتماعي أو في الميدان الفكري والعلمي.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • الصياح محمد، الجمعية الخلدونية(1896-1958)،الدار التونسية للنشر، تونس، 1975.