حسن قلاتي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1880 - 1966م]

هو السياسي حسن بن علي بن أحمد قلاتي ولد ببلدة بوخاري في مقاطعة الجزائر العاصمة حوالي سنة 1880. وقدم إلى تونس في سن مبكّرة ولمّا يتجاوز عمره سنة واحدة عندما نقل والده المترجم العدلي إلى سوسة ومنها إلى تونس حيث أنهى نشاطه المهني. وكان والد حسن قلاتي يجيد اللّغة الفرنسية مثل سائر خريجي المعهد الثانوي الإمبراطوري بالجزائر، وكان حريصا أيضا على أن يتلقّى ابنه ثقافة عربية متينة. فعهد بتلقينها إيّاه إلى أحد المدّرسين المشهورين بجامع الزيتونة، ثلاث أو أربع مرّات في الأسبوع. والتحق حسن قلاتي بمعهد كارنو حيث حصل سنة 1898 على شهادة الباكالوريا. وزاول دراسته العالية بكلية الحقوق بمدينة تولوز الفرنسية وتخرّج فيها سنة 1902 محرزا الإجازة. وبعد سنتين من التربّص بمكتب المحامي غُودياني (Gaudiani)، فتح حسن قلاتي مكتبه الشخصي الكائن بنهج الكومسيون عدد 6، وتدفّق عليه الحرفاء من جميع الجهات ولا سيما من الوطني القبلي. وتكثّف نشاطه الاجتماعي والثقافي والسياسي ضمن نخبة من الشبان التونسيين الذين حصلوا على زاد ثقافي غربي ودافعوا عن مصالح الأهالي على صفحات جريدة "التونسي" الناطقة بالفرنسية التي بدأت تصدر سنة 1907 إثر تأسيس "النادي التونسي". واغتنم حسن قلاتي هذه الفرصة لدراسة دواليب المصالح العدلية وإظهار عيوبها وذلك بالتعاون مع صديقيه علي باش حانبه مؤسّس حركة "الشباب التونسي" وعبد الجليل الزواش.

ولئن كانت تتوفّر في أغلب أعضاء السلك القضائي جميع الضمانات المطلوبة (فمنهم من كان يعتبر من كبار علماء الشريعة)، فقد كانوا يفتقرون إلى الثقافة العصرية ولا يستطيعون إصدار أحكامهم إلا بالرجوع إلى المبادئ القديمة. أضف إلى ذلك أنّ أحكامهم المعروضة على الباي للمصادقة عليها تتعرّض في كلّ آن للرفض أو لاعادة النظر. والملاحظ أنّ القضاة والأعوان العدليّين، على حدّ السواء، كانوا مضطرّين إلى الاستناد، حسب الحالات المطروحة، إلى "مختصر" خليل أو "تحفة" ابن عاصم، نظرا إلى انعدام المجلاّت القانونية، باستثناء مجلة العقود والالتزامات التي صدرت عام 1906. فكان من الطبيعي أن يثير مثل هذا الوضع اهتمام أولئك الذين أقرّوا العزم على تمكين بلادهم من الأدوات اللازمة لاقامة نظام عدلي عادل وناجع. وتبعاً لذلك نشر كلّ من حسن قلاتي وعلي باش حانبه وعبد الجليل الزاوش سلسلة من الدراسات المتجانسة والمتماسكة إلى أبعد حدّ، للاسهام في تعصير القضاء التونسي.وفي الوقت الذي بدأت فيه الجهود المتضافرة لأولئك الوطنيين الثلاثة تتسرّب إلى الجمهور المثقف، عن طريق النشرة العربية من جريدة "التونسي"، اندلعت الحرب التركية الايطالية وتبعها اجتياح البلاد الطرابلسية (1911). فأحدثت لجنة عمل لتقديم يد المساعدة إلى المقاومين اللّيبيّين بإشراف علي باش حانبه وحسن قلاتي. وكان ضمن المبعدين إلى الجزائر إثر أحداث مقاطعة الترامواي سنة 1912 واستمرّ إبعاده ستّة أشهر. وإثر رجوعه، ترأس حسن قلاتي جمعية الآداب وكذلك الجمعية الخلدونية.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، برز حسن قلاتي ضمن مُؤسّسي الحزب الحر الدستوري التونسي وعيّن رئيسا للجنة الاقتصادية التي أنشأها هذا الحزب. وبهذه الصفة أسّس القلاتي شركة النهضة الاقتصادية منذ فيفري 1921 وترأس مجلس إدارة مطبعة النهضة التي أسهم الوطنيون الدستوريون في بعثها لاصدار مجلة "الفجر" الدستورية. واضطلعت هذه المطبعة بدور مهمّ في تنشيط الحركة الصحفية التونسية طوال فترة الاستعمار، ولكنّ حسن قلاتي اختلف مع عبد العزيز الثعالبي وأحمد الصّافي وبقية زعماء الحزب الدستوري في خطة العمل السياسية الواجب اتباعها لمواجهة الاستعمار.

فقد كان إصلاحيا في توجهاته يدعو إلى المساواة بين التونسيين والفرنسيين دون المطالبة بإعادة النظر في شرعية "الحماية الفرنسية" على تونس. لذلك دخل في مواجهة سياسية مع الحزب الدستوري قادته إلى الدفاع عن وجهة نظره في بعض الصحف الفرنسية الصادرة بتونس مثل "بريد تونس" و"تونس الاشتراكية". وساند حسن قلاتي وطنيون تونسيون آخرون، فكوّنوا الحزب الاصلاحي عام 1921. ونتج عن هذا الانشقاق انقسام في الصحافة الوطنية التونسية بين موال للحزب الدستوري بزعامة الثعالبي ومناصر للحزب الاصلاحي بزعامة قلاتي. وانحازت إلى حسن قلاتي مجموعة من الصحف العربية منها "الهلال التونسي" لصاحبها محمد بطيخ و"الوزير" لصاحبها الطيب بن عيسى و"المنير" لصاحبها الشاذلي المورالي. وأسّس حسن قلاتي منذ 19 سبتمبر 1921 جريدة أسبوعية ناطقة باسم الاصلاحيين عنوانها "البرهان"، وقد تحصل الطاهر بن الحاج مبروك النهدي على امتياز هذه الجريدة في حين أشرف حسن قلاتي على الإدارة السياسية "للبرهان".وأسهم في تحرير هذه الجريدة كلّ من قلاتي ومحمد نعمان وحسونة العياشي والصادق الزمرلي ومحمد بورقيبة والشاذلي القسطلي وغيرهم. لكنّ الحزب الدستوري شن حملة عنيفة على الحزب الاصلاحي وعلى جريدته "البرهان" وهو ما أدى إلى مقاطعة الباعة لهذه الجريدة. وبعد صدور خمسة وأربعين عددا من "البرهان"، انتهى الأمر إلى اختفائها نهائيا في 19 ديسمبر 1922.

وبعد فشل هذه التجربة الصحفية، أعدّ حسن قلاتي وصحبه الاصلاحيون العدّة لاصدار جريدة يومية تدافع عن مواقفهم. فأسّسوا جريدة "النهضة" التي أخذت تصدر في غرة أكتوبر 1923 بعد أنّ حصل الشاذلي القسطلي على امتيازها. وأصبح لهذه الجريدة اليومية مجلس إدارة ترأسه حسن قلاتي. وقد كتب لهذه الجريدة اليومية الاستمرارية نظرا إلى خفوت لهجتها تجاه سلطة الحماية ولاعتمادها على مطبعة خاصة بها تتولى إصدارها. وواصل الشاذلي القسطلي إدارة الجريدة بعد فشل حسن قلاتي في انتخابات المجلس الكبير، واعتزاله الحياة السياسية منذ سنة 1928 وبعد توقّف الحزب الاصلاحي نهائيا عن النشاط. وهكذا ابتعد حسن قلاتي عن الحياة السياسية باعتباره أحد رموزها ولكنّه بقي يُتابع تطوّرها. وعندما توفّي في 17 نوفمبر 1966 كانت تونس تعيش مرحلة جديدة من تاريخها وهي مستقلة منذ أكثر من عشر سنوات ولم يقتصر قلاتي على توجيه المسار السياسي لتاريخ تونس في العشرينات بل أسهم أيضا في تنشيط الحياة الصحفية بتونس في الفترة نفسها وفي بعث مطبعة تعدّ إحدى كبار المطابع وصحيفة تعتبر إحدى كبار الصحف في تونس في العهد الاستعماري.