البشير صفر

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
البشير صفر

[1865 - 1917م]

نشأة البشير صفر (1865 - 1917م)[عدّل]

يعتبر البشير صفر من أبرز قادة الحركة الفكرية بتونس في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وباعث المشروعات الثقافية والتربوية التي انبثقت عنها النهضة التونسية الحديثة، حتى استحقّ لقب "أبي النهضة التونسية الثاني"، بعد خير الدين التونسي. ولد بمدينة تونس في نهج ترنجة زنقة الباروني، يوم 27 فيفري 1865 الموافق لليلة عيد الفطر من سنة 1280هـ.أمّا أبوه فهو الجنرال مصطفى صفر المولود بمدينة المهدية 1822، وهو من أبناء جيش الترك، انتقل إلى تونس سنة 1842 ملتحقا بالجيش النظامي الذي أنشأه المشير الأوّل أحمد باي، ثمّ تدرّج في سلك الجنديّة إلى أن ارتقى إلى رتبة أمير لواء في عهد المشير الصّادق باي (1859 - 1882). وإثر ذلك عُيّن وكيل كاتب دولة بوزارة الحرب، وحافظ على تلك الخطّة حتّى تمركز "الحماية" في سنة 1881، فعيّنته الحكومة مفتّشا في إدارة المال إلى أنّ أدركته المنيّة سنة 1885.

وقد أنجب الجنرال صفر بنتا توفّيت في سنّ مبكّرة وثلاثة أولاد هم على التّوالي: محمّد والصّادق والبشير، وكان يرغب في توجيه ابنه الأكبر محمّد إلى الجيش للمحافظة على التقاليد العسكريّة في عائلة صفر وتهيئة ابنه الثاني الصّادق للتّدريس بجامع الزيتونة وتكوين ابنه الأصغر البشير تكوينا يؤهّله للمناصب الإداريّة. وتبعا لذلك، فما أن تأسّست المدرسة الصّادقية في سنة 1875 بعناية الوزير الأكبر خير الدّين باشا، حتى أسرع الجنرال صفر إلى ترسيم ابنه البشير فيها، بعد ما حفظ الطفل نصيبا من القرآن الكريم في كُتّاب الحي وتلقّى بعض المبادئ في اللّغة العربيّة والعلوم الإسلامية.وبعدما أنهى دراسته بالصادقيّة عيّنته الحكومة على رأس البعثة الطالبيّة الموجّهة إلى فرنسا لاتمام دراستها الثانويّة ومواصلة دراستها الجامعية.

إقامة البشير صفر في باريس[عدّل]

التحق البشير صفر حينئذ بباريس في مستهلّ السنة الدّراسية 1880 - 1881 وقبل بالقسم الأوّل من معهد "سان لويس"، بعدما اجتاز الاختبار الذي أجري عليه بنجاح فاعتنى خاصّة بالرياضيات، ولم يكتف بالدروس الرسميّة التي كان يتلقّاها في المعهد بل أجهد نفسه في أوقات فراغه لاغناء معلوماته في هذه المادّة، وهو ما أهله في مستهل السنة الدراسيّة الموالية للنجاح في قسم الرياضيات الخاصة الذي يهيّء التلامذة للالتحاق بمدارس الهندسة. وقد حظي بتقدير أساتذته وأقرانه.

وقد كان البشير صفر طوال مدّة إقامته في فرنسا يقضّي أوقات فراغه في التردّد على المكتبات العموميّة وزيارة المعالم التاريخيّة وحضور بعض المحاضرات في جامعة "الصربون" كما استغل فرصة وجوده بفرنسا لربط الصلة ببعض الشبّان المصريين والسوريين والأتراك القادمين مثله إلى باريس للارتواء من مناهل الحضارة الغربيّة. وقد مكّنته تلك الاتصالات من التعرف إلى الزعيم المصري محمد فريد الذي زار تونس في مطلع القرن العشرين، كما استحكمت صلات الودّ بينه وبين الشيخ محمد عبده في أثناء الزيارة الأولى التي أدّاها الشيخ إلى تونس سنة 1884 ثمّ زيارته الثانية في سنة 1903.

نشاط البشير صفر في الحقل الإداري[عدّل]

عاد البشير صفر إلى تونس مع بقيّة أعضاء البعثة الطالبيّة في جويلية 1882 وكان ينوي الرجوع إلى باريس بعد انتهاء العطلة الصيفية لمواصلة دراسته، ولكنّ المدرسة الصادقية أصبحت عاجزة عن تسديد المنح المخصّصة للطلبة الموفدين إلى الخارج، بسبب أوضاعها المتردية من جراء التفويت في أهم ما كانت تملكه من أوقاف عامّة، مقابل إيرادات زهيدة، فقرّرت الحكومة إلغاء تلك المنح وعدم السّماح للطلبة بمغادرة البلاد، ورغم جميع المحاولات والمساعي التي قام بها البشير صفر لدى المسؤولين، بوصفه رئيس البعثة والناطق باسمها، لم تتراجع الإدارة عن ذلك القرار الجائر وعند ذلك وجّه مكتوبا خاصّا إلى الوزير الأكبر باسم زملائه، رجاه فيه التدخّل لتمكين الطلبة من مواصلة دراستهم فأجابه بأنّ الإدارة التونسية محتاجة إلى أمثالهم في مثل الظروف الحرجة التي تجتازها بلادهم. ووزّعوا على مختلف الإدارات، والتحق البشير صفر بالوزارة الكبرى بصفة مترجم.

ولمّا تأسّست الكتابة العامة للحكومة التونسية، نظمت في 1884 مناظرة لانتداب موظفين تونسيين من خرّيجي المدرسة الصادقية، فشارك فيها البشير صفر وفاز بالمرتبة الأولى، وعندئذ أدرك الكاتب العام بومبار ما يمكن أن تجنيه الإدارة الجديدة من خدمات ذلك الشاب التونسي المتفوق، فعينه رئيسا لقسم المحاسبة، وأظهر الفتى من أوّل وهلة أنّه يمكن أن يكون محاسبا ممتازا بقدر ما كان مترجما بارعا. ولكنّ البشير صفر لم يقتصر على نشاطه الإداري، بل سخّر أوقات فراغه لتوسيع ثقافته وتعميق ما اكتسبه من معارف في أثناء إقامته في باريس سواء في معهد "سان لويس" أو في الدروس العامة التي كان يحضرها في "الصربون" فكان يتردّد بانتظام على دروس الشيخ سالم بوحاحب في جامع الزيتونة، والدروس التي نظمتها إدارة العلوم والمعارف لفائدة الموظفين التونسيين. وإلى جانب ذلك كان حريصا على مطالعة الصحف والمجلات الناطقة بالعربية أو بالفرنسية، ولا سيما منها "المجلة التونسية (La Revue Tunisienne)" التي استأثرت باهتمامه بما كانت تنشره من فصول ودراسات قيّمة حول تاريخ الشعوب العربية والاسلامية بوجه عام، والتاريخ التونسي بوجه خاصّ. ونظرا إلى ما أحرزه من نجاح على رأس قسم المحاسبة بالكتابة العامة، قررت الحكومة في سنة 1892 تعيينه رئيسا لجمعية الأوقاف فشمّر عن ساعد الجدّ لصيانة تلك المؤسسة التونسية العريقة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأراضي الزراعية التي كان المستوطنون الأوروبيّون يتكالبون عليها. وقد حقق البشير صفر طوال مدّة رئاسته لجمعية الأوقاف عدّة إنجازات، نخص بالذكر منها مساعدته للجمعيات الخيرية والمستشفيات ومشروعات البرّ والاحسان وصيانة المعالم الدينيّة ومدارس سكنى الطلبة الزيتونيين وتشجيع المدرسة الفلاحية وإنشاء دار العُجّز بتونس المعروفة باسم "التكيّة".

وفي آخر الأمر أدركت السلط الاستعمارية خطر بقائه على رأس تلك المؤسسة، إذ اعتبرته حجر عثرة في وجه سياستها التوسعية التي كانت ترمي إلى ابتلاع الأوقاف الخاصة بعدما مكنت المستوطنين من الاستحواذ على أراضي الأوقاف العامة، بموجب الأمر العليّ المؤرخ في 13 نوفمبر 1898 الذي يفرض على جمعية الأوقاف تسليم ألفي هكتار من الأراضي الجيّدة كلّ سنة إلى إدارة الفلاحة لبيعها للمعمرين بثمن بخس. واستغلّت حكومة "الحماية" الشغور الحاصل في منصب عامل سوسة، إثر تعيين الطيب الجلّولي وزيرا للقلم والاستشارة في جوان 1908، فقرّرت تعيين البشير صفر في تلك الخطة، أوّلا لابعاده عن إدارة الأوقاف، ثم للحيلولة بينه ومواصلة نشاطه في الجمعيّة الخلدونية التي رأى فيها غلاة الاستعمار مركزا للعمل الوطني والدعوة الاسلامية. فقد قال زعيمهم دي كرنيار: "إذا ما قدّر أن تقوم ثورة في البلاد التونسية، فإنّ أعضاء هيئة أركانها سيكونون من خرّيجي الخلدونيّة".

نشاط البشير صفر في الميدان الاصلاحي[عدّل]

كان البشير صفر منذ شبابه معجبا بأفكار خير الدّين، معتنيا بمبادئه، متعصّبا لأفكاره، متحسّرا على توقفّ سير إصلاحاته. فكان كل ّ ذلك يقربّ هـ من الزيتونيين الاصلاحيّين الملتفين حول شيخهم سالم بوحاجب. وقد أشار الشيخ الفاضل بن عاشور إلى هذا التلاقي بين الطّرفين قائلا: "التحم الشقان بلحمة التعصب للوزير خير الدين ومناهجه، وتقاسما العمل للنهضة بالبلاد من كبوتها، وأصبح الشق الصادقي أبرز الشقين في هذه الكتلة، بما يمتاز به من نشاط الشباب ومتانة الارتباط بين أفراده وانسجام مبادئهم الاصلاحية مع أصول" تكوّنهم العلمي". وقد زادت من هذا الالتحام بين الاصلاحيين الزيارة الأولى التي أدّاها الشيخ "محمد عبده" إلى تونس من 6 ديسمبر 1884 إلى 4 جانفي 1885. فاستقر رأي رجال النهضة على وضع برامجهم الاصلاحية على أساس منهج الشيخ محمد عبده الذي يتماشى تماما مع تعليمات الشيخ محمود قابادو وسياسة خير الدين، أي نشر المعارف وتلافي نقصها باقتباس العلوم الحديثة عن الغرب.

جماعة جريدة الحاضرة[عدّل]

أقرّت النخبة التونسية العزم على إصدار جريدة لنشر دعوتها واستئناف العمل الذي كانت تقوم به الحركة الاصلاحية التونسية في عهد خير الدين أيّام كانت جريدة "الرائد" بيدها فأصدرت جريدة "الحاضرة" التي ظهر عددها الأوّل يوم 2 أوت 1888 وعهدت بإدارتها إلى أحد نبغاء الصادقيين وهو علي بوشوشة الذي اعتزل الوظيفة العمومية للتفرغ لشؤون الجريدة. وانضمت إلى أسرة التحرير ثلة من رجال النهضة نخص بالذكر منهم، إلى جانب مؤسس الجريدة البشير صفر، شيخ الجماعة سالم بوجاحب ومحمد السنوسي ومحمد القروي وعلي الورداني ومحمد بن الخوجة ووغيرهم.

وقد شهّرت "الحاضرة" بركود التونسيين وإعجابهم السلبي بماضيهم المجيد دون الاكتراث بالمشكلات التي تواجهها بلادهم، منادية بضرورة نشر التعليم العصري للنهوض بالمجتمع التونسي. وقد امتاز البشير صفر بمقالاته القيّمة ذات الصبغة التربوية، فكان يهتم بدراسة النظم السياسية والاجتماعية في أوروبا وتحليل الأوضاع التاريخية والجغرافية لكل مملكة من ممّالكها، وكان ينتهز كلّ فرصة لتنبيه التونسيين إلى خطر الركود الذي يتنافى وأبسط قواعد التطوّر، وإنّه إذ يشير في فصوله دوما إلى الأخطار المحدقة بالمجتمع الاسلامي الخامل، لم يكن همه تقليد الغرب تقليدا أعمى، بل كانت غايته حثّ أهل الرأي على نبذ الجمود والتواكلّ، والسعي إلى التوفيق بين حضارة عريقة لا شك في قيمتها الذاتية ومستجدات العصر. ولكنّ رغم ما بذله البشير صفر من جهود فإن دعوته لم تلق في أوّل الأمر سوى عدم المبالاة أو الشكوك، إلاّ أنّ عزيمته لم تفتر قطّ، فواصل دون كلل ولا ملل ذلك العمل الذي استطاع بعد جهد جهيد أن يجلب إليه عددا أكبر فأكبر من الاتباع والأنصار، لا سيما من الشباب.

الجمعية الخلدونية[عدّل]

إنّ الشبان الملتفين حول جريدة "الحاضرة" قد أكدوا مرارا وتكرارا أنّ غايتهم ترمي إلى تجديد التعليم التونسي وتطعيمه بالعلوم الحديثة وفقا لتعاليم زعماء الاصلاح في المشرق والمغرب، وكانوا مدركين بوجه خاص أنّ التعليم الزيتوني لم يعد يستجيب لمقتضيات العصر رغم إصلاحات الوزير خير الدين. ولكنّهم لم يتصدّوا له بالنقد المباشر، خوفا من ردود فعل المشايخ المتزمتين الذين يستطيعون التألب على المشروع الجديد والقضاء عليه في المهد. ولذلك فقد قرّروا إنشاء جمعية ثقافية مستقلة للقيام بهذا العمل الاصلاحي. فأسسوا الجمعية الخلدونية التي صدر قانونها الأساسي سنة 1896 وانتخب على رأسها الأمير آلاي محمد القروي أحد خريجي المدرسة الحربية بباردو، وحوله مجلس إدارة يتألف من البشير صفر وعدد من رجال الاصلاح الصادقيين والزيتونيين. واستمر محمد القروي سنة واحدة في رئاسة الجمعية، ثم خلفه البشير صفر في السنة الموالية (1897). وقد نظمت الخلدونية دروسا باللغة العربية ترمي إلى نشر ثقافة حيّةٍ تعتمد على معرفة التاريخ والجغرافيا واللغات الأجنبية والاقتصاد السياسي، والعناية بالعلوم الطبيعية والرياضيات والفيزياء والكيمياء. وقد شجعت على بعث مكتبة عمومية وإصدار نشرية للتعريف بالحضارة العربية الاسلامية وتبسيط العلوم الحديثة. وكان هذا العمل التثقيفي موجها أساسا إلى طلبة جامع الزيتونة الذين كانوا محرومين من العلوم الحديثة. وقد استرعى البشير صفر الانتباه بدروسه القيمة التي كان يشرح فيها الحقائق الاستعمارية ويسلط الأضواء على الأخطار المحدقة بالعالم الاسلامي، ويكشف النقاب في الوقت نفسه عن الأخطاء والنقائص المتسببة في ضعف أغلب البلدان الاسلامية، منبها إلى إهمال الحكام المسلمين لمقتضيات العصر التي لا مناص من مراعاتها.وبفضل تلك الدروس ذاع صيت البشير صفر بين شبان ذلك الجيل، وكما يقول الشيخ الفاضل ابن عاشور: "صارت زعامته عليهم مطلقة لا تزاحم، ومنزلته منهم منزلة خير الدين من الجيل الماضي، فهو رجل الساعة وحامي الحمى وزعيم النهضة".

الصّدْعُ بالمطالب التونسية[عدّل]

بعدما بدأت الحياة الثقافية تنمو في البلاد بفضل نشاط جماعة "الحاضرة" ورجال الخلدونية، اتجهت الحركة الاصلاحية إلى تقديم بعض المطالب المعتدلة ذات الصبغة السياسية إلى السّلط الفرنسية، وذلك يوم 24 مارس 1906 في حفل تدشين التكية التي أسستها جمعية الأوقاف لايواء الفقراء والعجز من التونسيين المسلمين. فتناول البشير صفر الكلمة بحضور المقيم العام ستيفان بيشون والوزير الأكبر وكبار رجال الدولة. وتحدث عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي يتخبط فيها الشعب التونسي آنذاك، مقترحا بعض الاجراءات الواجب اتخاذها للتخفيف من حدة تلك الأزمة الخانقة، مثل تشجيع الصناعات التقليدية والفلاحة وحماية أراضي الأوقاف، ونشر التعليم المهني والفلاحي. ورغم اعتدال ذلك الخطاب، فقد أثار استنكار الاستعماريين الذين شنوا حملة صحفية على صاحبه ولاموا المقيم العام على تمكين ذلك الموظف السامي من التطاول على فرنسا، وبالعكس من ذلك وجد الخطاب صدى طيبا في بعض الصحف الباريسية التي دعت الحكومة الفرنسية إلى الحوار مع ممثلي الرأي العام التونسي لتمكينهم من توضيح مواقفهم والاصداع بمطالبهم.

واستجابة لهذا الاقتراح دعي محمد الأصرم رئيس الجمعية الخلدونية عهدئذ إلى المشاركة في المؤتمر الاستعماري المنعقد في باريس من 6 إلى 9 سبتمبر 1906، فاغتنم تلك الفرصة للتذكير بالمطالب التونسية التي أعلن عنها صديقه البشير صفر ودعا أيضا إلى ضرورة إشراك التونسيين في تسيير شؤون بلادهم. وفي أكتوبر 1908 انعقد مؤتمر من القبيل نفسه في باريس بمشاركة 7 أعضاء من حركة الشباب التونسي منهم البشير صفر الذي كان قد عين منذ عهد قريب عاملا على سوسة، فقدّم إلى المؤتمر بحثا قيما حول قضية الأوقاف الاسلامية، لفت فيه النظر إلى آثار الاستعمار الزراعي الذي استحوذ على أحسن الأراضي التابعة للأوقاف العامة وأخذ يستعد لانتزاع البقية الباقية من الأراضي الصالحة للزراعة من أيدي التونسيين. وختم خطابه قائلا: "إنّنا ننتمي إلى جنس ودين وحضارة تساوي من حيث المجد التاريخي ومن حيث القدرة على الاستيعاب أيّ حضارة أخرى من حضارات الشعوب القديمة والحديثة. ولئن تدهورنا مثل غيرنا من الشعوب، فهذا لا يعني أنّنا نزلنا إلى الحضيض فليس من باب السياسة الحكيمة أن تطبق علينا نظرية الأجناس العليا والأجناس السفلى، بل إنّ الأمر يدعو إلى السعي أكثر فأكثر إلى تحويل الأهالي إلى شركاء وأصدقاء".

فثارت ثائرة المستوطنين الفرنسيين وطالبت الحجرة الفلاحية الفرنسية بتوجيه إنذار إلى عامل سوسة الذي سمح لنفسه بإلقاء مثل ذلك الخطاب دون الحصول على ترخيص من رؤسائه. والغالب على الظنّ أنّ المقيم العام الجديد ألا بوتيت (Alapetite)(1918 - 1907)، قد حذّر البشير صفر من القيام بأي عمل في المستقبل يتنافى والمسؤوليات الادارية التي يضطلع بها.ذلك أنّه أمسك منذ ذلك التاريخ عن ممّارسة أي نشاط سياسي، وتفرغ لإدارة منطقته والسهر على مصالح منظوريه، متحليا بالخصال نفسها التي عرف بها من قبل وهي العمل والانضباط والنزاهة، إلى أن أدركته المنية في 2 مارس 1917.

آثار البشير صفر المطبوعة[عدّل]

"الجغرافيا عند العرب"[عدّل]

في أفريل 1904 انعقد بتونس مؤتمر الجمعية الجغرافية الفرنسية، وقد أسهم فيه البشير صفر ببحث خصّصه للحديث عن الجغرافيا عند العرب، وسلط فيه الأضواء على جانب مهمّ من جوانب الحضارة العربية الإسلامية، مبرزا ما قام به العرب والمسلمون من دور فعّال في إغناء الحضارة الانسانية. وقد نالت هذه المحاضرة استحسان جميع المشاركين في المؤتمر ونوّهت بها بعض الصحف الفرنسية الصادرة في تونس وفي باريس مثل جريدة (Le Temps). ونشرت المحاضرة بنصها الفرنسي في تلك السنة نفسها بتونس ثم أعادت نشرها دار الغرب الاسلامي ببيروت في سنة ، مع ترجمتها إلى اللغة العربية.

كتاب "الجغرافيا"[عدّل]

جمع الفقيد دروس الجغرافيا التي كان ألقاها في الخلدونية في كتاب مستقل بذاته. وقد ذكر محمد البشروش في ترجمة البشير صفر التي نشرها في العدد الأوّل من مجلة" المباحث (جانفي 1938) أنّ كتاب الجغرافيا لم يطبع ولكنّ توجد منه بعض النسخ الخطية، منها واحدة بالمكتبة الخلدونية". لكنّ الأستاذ العروسي المطوي أعلن أنّه يملك نسخة من ذلك الكتاب الذي طبع في سنة1318هـ/1900م وهو يقع في 156 صفحة ويحتوي على 43 فصلا. ومهما يكن من أمر فإن كتاب الجغرافيا قد نفد منذ عهد بعيد وأصبح في عداد المخطوطات.

كتاب "مفتاح التاريخ"[عدّل]

أصدر مصطفى صفر في سنة 1928 كتابا لوالده بعنوان "مفتاح التاريخ" وهو يتضمن مجموعة من دروس التاريخ التي ألقاها البشير صفر في الخلدونية من سنة 1897 إلى سنة 1908، تاريخ تعيينه واليا على سوسة... يبحث هذا الكتاب في تاريخ المصريين القدامى والرومان والاغريق والفنيقيين والقرطاجيّين،كما يبحث في التاريخ الاسلامي وتاريخ تونس في القديم والحديث، وكذلك تاريخ بعض الأقطار الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وانكلترا. ومن الجدير بالملاحظة في هذا الصدد أنّ البشير صفر هو أوّل من اهتم من المؤرخين التونسيين، بتاريخ تونس في العصور القديمة، باعتباره جزءا لا يتجزأ من تراثنا وتاريخنا القومي وقد نسج على منواله فيما بعد الشيخ عبد العزيز الثعالبي. تلك هي بعض الجوانب من حياة هذا المصلح التونسي الكبير وآثاره فقد واصل ما بدأه الجنرال خير الدين من عمل في الميدان الاصلاحي، ومهّد الطريق هو ورفقاؤه من الرعيل الأوّل بوسائلهم المتواضعة، للكفاح الذي سيخوضه الشعب التونسي في سبيل الحريّة والتقدم والاستقلال.