محمد بن الخوجة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1869م-1942م]

محمد بن الخوجة [1869م-1942م

ولد محمد بن البشير بن محمد بن الخوجة في فيفري 1869م. وهو ينحدر من أسرة حنفيّة تركيّة الأصل، استقرّت بتونس في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي. كان والده يشغل آنذاك خطّة رئيس القسم الأول بالوزارة الكبرى. فما إن بلغ ابنه محمّد السّابعة من عمره، حتّى وجّهه إلى المدرسة الصّادقيّة.

وقد تميّز هذا الطّفل الذي ينتمي إلى الرّعيل الثّاني من تلامذة المدرسة الصادقيّة، بميله إلى اللغة العربيّة، وقد كان يفضلّها على سائر المواد الأخرى، دون أن يهمل دراسة اللغة الفرنسيّة والتّاريخ والجغرافيا والرّياضيات. وبعدما أتمّ دراسته بالصّادقيّة، التحق بالمدرسة العلويّة التي أنشئت سنة 1883 لتخريج معلّمي اللغة الفرنسية بالمدارس الابتدائيّة. ثمّ اختار الالتحاق بالوظيفة العموميّة اقتداء بالفوج الأول من أقرانه المتخرّجين في المدرسة الصّادقيّة، فعيّن مترجما بالكتابة العامّة للحكومة التونسيّة سنة 1887. ومن قسم التّرجمة، نقل إ لى قسم المحاسبات الذي كان يشرف عليه زميله في الدّراسة بالمدرسة الصّادقيّة البشير صفر زعيم حركة "الشباب التونسي" الوطنية.

ولمّا عيّن البشير صفر رئيسا لجمعيّة الأوقاف سنة 1892، خلفه محمّد بن الخوجة في رئاسة قسم المحاسبات، مبرزا ما كان يتميّز به من ثقافة واسعة، وقدرة على الاستيعاب، وحبّ للنّظام والعمل. وبفضل تلك الخصال، استرعى انتباه الكاتب العام للحكومة التونسيّة برنار روا (Roy) الذي كان شغوفا بالدّراسات الأدبيّة، والبحوث التّاريخيّة، فعيّنه مديرا للمطبعة الرّسميّة سنة 1902، وعضوا في اللجنة المكلّفة بتأليف الفهرس العلمي للمكتبة العبدلّية بجامع الزّيتونة. وباتّفاق بين المقيم العام ألابتيت (Alpetite)، والملك النّاصر باي (1906 - 1922م) الذي كانت تربطه بمحمّد بن الخوجة علاقات ودّية وثيقة، نقل من الكتابة العامّة للحكومة التونسيّة، إلى خطّة أخرى أكثر ملاءمة لمواهبه الدبلوماسيّة، وهي خطّة "مدير التّشريفات السّنيّة" إثر إحالة الجنرال فلنزي على التّقاعد في سنة 1914.

وفي سنة 1915 ارتقى إلى رتبة أمير لواء، ثم إلى رتبة أمير أمراء، "وقد اعتزّ بذلك اعتزازا عظيما، واعتمد الطّريقة الافرنجيّة في تسمية نفسه بعنوان رتبته العسكريّة بمرادفها الفرنسي "جنرال" مضموما للقبه دون اسم: الجنرال ابن الخوجة، وكتبها في أوراق زيارته، واشتهر بها".(الفاضل ابن عاشور، تراجم الأعلام).

وإثر انتهاء الحرب العالميّة الأولى (1914 - 1918)، طرأت بتونس بعض التّغييرات في صلب الإدارة العليا، فأعفي الجنرال ابن الخوجة من مهام مدير التّشريفات، وعيّن عاملا على قابس سنة 1919، ثم نقل بمثل خطّته إلى بنزرت في مدّة الملك محمّد الحبيب باي (1922 - 1929)، وقد كانت بنزرت وقتئذ ميناء حربيّا مهمّا، ومحطّة إرساء الأساطيل الأجنبيّة، ومقرّ قيادة اللواء البحري الفرنسي، وممرّ عدّة شّخصيات تونسيّة وأجنبيّة مرموقة من ملوك، ورؤساء دول، ووزراء، فكان من الضّروري أن يعيّن على رأس تلك المدينة عامل من ذوي النّفوذ، يجمع بين لباقة الدبلوماسي، وحزم الوالي القادر على مواجهة جميع الطوارئ.

ولمّا بلغ الجنرال ابن الخوجة سنّ التّقاعد في سنة 1934، سمّي مستشارا للحكومة التّونسيّة، واحتفظ بهذه الخطّة إلى آخر حياته "وهي خطّة جديدة أحدثت من أجله، اعترافا من الحكومة بما قدّمه ذلك الموظّف السّامي من خدمات جليلة، وما كان يتمتّع به من قيمة اعتبارية، بوصفه مثقّفا من الطّراز الأوّل، وأديبا إنسانيا بأتمّ معنى الكلمة". (الصادق الزّمرلي، أعلام تونسيون).

وإلى جانب المهام الإدارية التي تقلّدها الجنرال محمّد بن الخوجة، أسهم إسهاما فعّالا في الحياة الثقافيّة والفكريّة بتونس في عصره وكتب العديد من المقالات والكتب. فكان من المؤسّسين لأوّل جريدة وطنيّة تونسيّة غير رسميّة، هي جريدة (الحاضرة) التي صدر عددها الأول في 2 أوت 1888 بإدارة علي بوشوشة، وبمشاركة نخبة من المثقّفين أمثال:البشير صفر، ومحمّد السّنوسي، وعلي الورداني، ومحمّد الأصرم ومحمد الحشايشي... وقد تخصّص الجنرال ابن الخوجة منذ ذلك الحين في البحوث التّاريخيّة، والتّراجم، فكان ينشر على صفحات جريدة (الحاضرة) الفصول تلو الأخرى لإحياء بعض الحقب من تاريخ تونس الحديث والمعاصر، والتّعريف بمشاهير التونسيين القدامى والمحدثين، بأسلوب ينبئ عن معارف تاريخيّة واسعة، ومطالعات في الكتب العربيّة والفرنسيّة، واعتناء خاص بالتاريخ التونسي" (أعلام تونسيون).

وبعد مرور فترة من الزّمن، شعر جماعة (الحاضرة) بأنّ جريدتهم، بالرّغم ممّا أحرزته من نجاح باهر، لا تكفي بمفردها للنّهوض بالبلاد، ففكّروا في بعث مؤسّسة للتعريف بالحضارة العربيّة الاسلاميّة التي يحاول المستعمر طمسها، وتلقين العلوم الدقيقة لطلبة جامع الزيتونة الذين كانوا محرومين منها، باللغة العربيّة. وتحقيقا لهذا الغرض، تأسّست الجمعية الخلدونية في سنة 1896، وكان الجنرال ابن الخوجة من أبرز مؤسّسيها، وأحد زعماء هيئتها المديرة.

وقد استغلّ وجوده على رأس المطبعة الرّسمية من سنة 1902 إلى سنة 1915، لنشر عدد من مؤلّفاته وأبحاثه، وطبع بعض الكتب التونسيّة المخطوطة، مثل: معالم الايمان، وذيل تاريخ حسين خوجة، والحلل السندسيّة للوزير السرّاج، كما أصدر منذ سنة 1901 "الرّزنامة التّونسيّة" التي تظهر في مطلع كلّ سنة مليئة بالمعطيات التي تساعد التونسيين في حياتهم اليوميّة (معلومات إداريّة، فلكيّة، الأعياد والمناسبات...)، والمذكّرات التّاريخيّة والأدبيّة، والخلاصات العلميّة المتعلّقة بأحدث الاختراعات والاكتشافات، والنّوادر الطريفة التي كان القرّاء يتهافتون عليها.وقد استمرّت هذه (الرّزنامة) في الظهور إلى سنة 1918. ومن مؤلّفاته التي نشرها في تلك الفترة:

1 - سلوك الابريز في مسالك باريس، وهي رحلة قام بها إلى باريس بمناسبة المعرض الدّولي سنة 1900.

2 - الرّحلة الفلياريّة، وهي الرّحلة التي قام بها رئيس الجمهوريّة الفرنسيّة (أرمان فليار) إلى تونس سنة 1912.

3 - الرّحلة النّاصريّة، وهي الرّحلة التي قام بها الملك النّاصر باي إلى باريس 1913، والطريف أنّ المؤلف لم يسافر مع الباي في هذه الرّحلة، وإنّما أخذ كلّ المعلومات المتعلّقة بها عن صهره مصطفى دنقزلي الذي كان يشغل وقتئذ خطّة شيخ مدينة تونس، ثم أصبح وزيرا للقلم والاستشارة سنة 1915، وعيّن وزيرا أكبر من سنة 1922 حتّى وفاته سنة 1926.

وفي سنة 1908 أسهم محمّد بن الخوجة صحبة ثلّة من رفقائه في (حركة الشّباب التونسي) في مؤتمر شمال إفريقيا المنعقد في باريس، وقدّم بحثا حول (القضاء الشّرعي في الاسلام)، نال إعجاب المؤتمرين كافّة. وحالما رجع إلى تونس، نقل ذلك البحث إلى اللغة العربيّة، ونشره في رسالة بعنوان (بحث تاريخي يتعلّق بالقضاء الشّرعي وخطّة شيخ الاسلام). وكان محمد بن الخوجة من أنصار تحرر المرأة المسلمة. وعند تولّيه منصب مدير التّشريفات، دعي ابن الخوجة إلى تدريس التّعريب والنّقل والتّاريخ بالمدرسة العليا للغة والاداب العربيّة بتونس المعروفة باسم (مدرسة العطاّرين)، فلبّى تلك الدّعوة رغم ما كانت تفرضه عليه وظيفته السّامية من التزامات.

وفي سنة 1916 سافر إلى المغرب الأقصى، مبعوثا من الملك النّاصر باي إلى سلطان المغرب مولاي يوسف (والد محمّد الخامس)، لتوطيد العلاقات بين القطرين الشّقيقين. وقد خلّف محمّد ابن الخوجة عدّة مصنّفات، ذكرها في آخر كتابه "تاريخ معالم التّوحيد في القديم والجديد" (الطبعة 2، بيروت 1985، تحقيق حمّادي السّاحلي والجيلاني بن الحاج يحيى):

1 - تاريخ الحجّ وعمارة البيت الحرام (نشر ملخّصا بالمجلّة الزّيتونيّة)

2 - الفتاوى الشّرعيّة في المستجدّات والحوادث العصريّة (مخطوط).

3 - تحفة الأنجاد في المقابلة بين تاريخي الهجرة والميلاد (مطبوع)

4 - وزراء تونس قبل الحماية وبعدها (نشر ملخّصا بالمجلّة الزّيتونيّة) 5 - جيش الدّخيل في اللسان التونسي الأصيل - معجم - (مخطوط).

6 - كشف عن أحوال تونس في عصر الحماية (مطبوع).

7 - تكملة عقد الدّرّ والمرجان، في سلاطين آل عثمان (مخطوط).

8 - مجموع فقهي في مسائل الانزال(مطبوع)

9 - العيون النّرجسيّة في الأنظمة التونسيّة (مخطوط).

10 - تاريخ البايات والدّايات في الدّولتين المرادية والحسينية (مخطوط).

11 - وفيات أعيان التّونسيين في العصر الحسيني (مخطوط).

12 - الرحلة المشيرية الصادقية، للعاصمة الجزائريّة (مخطوط).

13 - توادد الكرام، رحلة محمد الهادي باي إلى باريس (مطبوع).

14 - الرّحلة الحبيبيّة (مخطوط).

15 - الرّحلة المغربيّة (مخطوط).

16 - الخلافة (مخطوط بالفرنسيّة).

17 - رسالة في المرأة المسلمة (مطبوع بالفرنسيّة).

18 - رسالة في الحجّ (مطبوع بالفرنسيّة).

19 - فهرس في كتب التاريخ المحفوظة بخزائن جامع الزّيتونة (مطبوع).

20 - الألفاظ العربيّة الدّخيلة في اللّغة الفرنسيّة (مخطوط).

وبالاضافة إلى هذه الاثار المطبوعة والمخطوطة، حرّر ابن الخوجة عدّة فصول وبحوث ودراسات قيّمة نشرها على صفحات مختلف الجرائد والمجلاّت التونسيّة لا سيّما منها جريدة "الحاضرة" و"المجلّة الزّيتونيّة" و"المجلّة التونسيّة"(La Revue tunisienne).وتوفّي الجنرال محمّد بن الخوجة في شهر نوفمبر سنة 1942 عن سنّ تناهز الثلاثة والسبعين عاما.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • ابن الخوجة محمد، تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد،تحقيق وتقديم الجيلاني بن الحاج يحي وحمادي الساحلي،دار الغرب الإسلامي،بيروت،الطبعة الثانية،1985.
  • صفحات من تاريخ تونس،تقديم وتحقيق حمادي الساحلي والجيلاني بالحاج يحي،دار الغرب الإسلامي،بيروت،ط1986،1.