محمد الفاضل ابن عاشور

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1327 - 1390هـ/1909 - 1970م]

محمد الفاضل بن عاشور

هو محمد الفاضل بن محمد الطّاهر الثاني بن محمد ابن محمّد الطّاهر الأوّل بن محمد بن محمد الشاذلي بن عبد القادر بن محمّد ابن عاشور. ولد في 2 شوال 1327هـ/17 أكتوبر 1909م بالمرسى من أسرة تنحدر من أصل أندلسي منظور لها بالتّقدير والاعتبار: جدّ أبيه محمّد الطّاهر الأوّل أحد علماء القرن التّاسع عشر الأكثر تقديرا شغل وظائف المدرّس، والقاضي المالكي، والمفتي، ونقيب الأشراف وعضو المجلس الكبير، أمّا جدّه محمّد فكان يشرف على الأوقاف العموميّة وفي الوقت نفسه كان يدير أملاكه الخاصة. تزوّج من فاطمة بنت محمّد العزيز بوعتور الوزير الأكبر للمملكة التّونسيّة، وأنجب محمّد الطّاهر الثّاني الذي تزوّج من فاطمة بنت محمّد بن مصطفى محسن: أنجب ثلاثة أبناء وبنتين هم: محمّد الفاضل وعبد الملك [درس بالمدرسة الصادقيّة ومعهد كارنو، موظّف، تزوّج من راضية بنت الحبيب الجلّولي (وزير أكبر للمملكة التّونسيّة) وزين العابدين [درس بمعهد كارنو، موظّف، تزوّج فاطمة بنت صلاح الدّين بن المنصف باي وأمّ هاني [تزوّجت من أحمد بن محمد بن البشير بن الخوجة (قايد) ّ وصفيّة [تزوّجت من الشّاذلي الأصرم (موظّف).أمّا محمد الفاضل فقد تزوّج من صبيحة بنت محمّد العزيز جعيط [قاض، ومفت وشيخ الاسلام ووزير عدل. عرّف الشّيخ محمّد الفاضل ابن عاشور بنفسه في ترجمة شخصيّة وجيزة، فأمكن للباحث، من خلال الاجابة عن أحد عشر سؤالا أن يتعرّف إلى حياة الشيخ وخاصة مولده، وظروف هذه الولادة، ونشأته المتميّزة، وكيف أقبل إلى التعلّم منذ نعومة أظفاره تحت رعاية عالم من أقاربه ومؤدّب مشهور، وأتمّ حفظ القرآن في صباه ثمّ تتلمذ لجهابذة عصره مع ذكر أسماء بعض هؤلاء - وفي مقدّمتهم "الشيخ الوالد" (كما يسمّيه) ، وذكر حتّى الكتب التي درس فيها الفقه أو الحديث.

وحصل على شهادة التّطويع سنة 1347هـ/1928م بعد دراسة بجامع الزّيتونة الأعظم دامت خمس سنوات فقط لأنّه دخل الجامع وانخرط في السنة الثّانية التي تسمّى "القطر". ثمّ شارك في "التّطويع" من "الأشموني" - أي السّنة السادسة من التّعليم الزّيتوني بعد امتحان أجري عليه وسمح له بهذه المشاركة. ويؤكّد أحد معاصريه من الطلبة الزّيتونيّين "أنّه أوّل من ابتدع هذه البدعة الحسنة الّتي كان له ثوابها وثواب من جاء بعده وتمسّك بها، فقد سلكنا مسلكه عام 1350هـ/1931م، وطلبنا المشاركة من السنة السادسة. ولمّا منعنا قدّمنا احتجاجا واستندنا إلى السنّة التي سنّها الشيخ الفاضل، واستجيب إلى مطلبنا ونجحنا مع بعض الرّفقاء منهم الشيخ محمود خَرّوف - رحمه اللّه - ثمّ أغلق الباب". وفي 1929، انخرط في سلك المدرسة العليا للغة والآداب العربيّة بسوق العطارين. وتولّى الشّيخ محمّد الفاضل التّدريس بالزّيتونة حتّى دخل الوظيفة العموميّة لأوّل مرّة بخطّة مدرّس معاون وذلك سنة 1350هـ/1931م. ثمّ حصل على التّدريس من الطبقة الثّالثة في العام نفسه، ثمّ ارتقى إلى الطبقة الثّانية في السّنة الموالية. أمّا التدريس من الطبقة الأولى فحصل عليه سنة 1354هـ/1935م. وقد شارك محمّد الفاضل ابن عاشور مشاركة نشيطة وموصولة في العمل الجمعيّاتي (في الجمعيّة الخيريّة، وجمعيّة قدماء الصّادقيّة وما إلى ذلك) وخاصة في النّضال النّقابي الوطني: (انظر: محمد الفاضل ابن عاشور: الحركة الأدبيّة والفكريّة في تونس).

وقد تأثّر الشّيخ محمّد الفاضل ابن عاشور بأوّل رحلة قام بها إلى فرنسا سنة 1345هـ/1926م وهو في السّابعة عشرة. وفي هذا يقول: "وقد رحلت، أوّل مرّة، إلى فرنسا سنة 1926، وكان لتلك الرحلة أثر قويّ في نفسي بتوجيهها إلى تطلّب نواحي العظمة والسيادة لوطننا على نحو بهرني من فرنسا". ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ محمد الفاضل الشّابّ قد تأثّر بالحركة الاشتراكيّة التي انتشرت، بقوّة، غداة الحرب العالميّة الأولى، في أوروبا. وفي هذا يقول: "وكان للحركة بفرنسا، وعموم البلاد الأوروبيّة صلة بالنّهضة الاجتماعيّة بتونس". كما تأثّر تأثّرا شديدا بسقوط الخلافة العثمانيّة،. وهو أدّى إلى بوادر نهضة الشعوب الاسلاميّة لتحقيق أسباب التخلّص من الاستعمار "اعتمادا على الكفاح الشّعبي واعتضادا بمبادئ الحريّة والحقوق الدّوليّة التي تأصّلت قواعدها، بعد الحرب العظمى".

وقد اهتمّ الشّيخ الفاضل بشؤون إصلاح التّعليم ومناهجه بجامع الزّيتونة الأعظم منذ شبابه الباكر. وما من شك في أنّه كان متأثّرا بأفكار "الشيخ الوالد" الّتي دوّنها في كتابه الشّهير: "أليس الصبح بقريب؟". وقد سنحت للشّيخ الفاضل فرصة الاصداع بآرائه الاصلاحيّة عندما أسهم في "مؤتمر طلبة شمال أفريقيا المسلمين" الذي انعقد بقاعة الخلدونيّة بتونس من 20 إلى 22 أوت 1931، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز اثنين وعشرين عاما. وقد انتخب عضوا في لجنة التّعليم العربي الّتي كانت تتركّب من: فرحات عبّاس (الرّئيس) من الجزائر، والمقرّرين: محمّد الفاضل ابن عاشور، ومحمّد بن عبد اللّه (المغرب) وبوعلاّم علواش (الجزائر)، والكاتبين: علي البلهوان والمنجي سليم (تونس). أمّا التّقرير الذي قدّمه الشيخ الفاضل في الجلسة العامة، فقد تناول وضعيّة التّعليم المتردّية وقتئذ، ونضال الطلبة منذ سنة 1910، وفشل لجان الاصلاح المتعاقبة بسبب مناهضة الشيوخ المحافظين لأيّ عمل إصلاحي، وإصرار السلط الاستعماريّة على تهميش الجامعة الزّيتونيّة وإخماد صوتها، باعتبارها معقلا من معاقل المقاومة الوطنيّة ومركزا من مراكز الدّفاع عن الهويّة العربيّة الإسلاميّة وحماية الشّعب التّونسي من الادماج والذّوبان. وبعد أن حلّل المقرّر الوضع عهدئذ في جامع الزيتونة، انتقد الكتب الجاري بها العمل للتّدريس وهي عبارة عن متون وشروح لا تربّي الملكة "إلاّ على البحث التّحليلي السّخيف والتمسّك بالقشور، والخضوع لكلّ مسموع بالتّصديق، إجلالا لدرجة قائله كائنا من كان"، وذلك وفقا للقانون الصّادر في سنة1876الذي ينص، في أحد فصوله على ما يلي: "لا يجوز البحث في الأصول الّتي تلقّاها العلماء جيلا بعد آخر بالقبول، ولا أن يكثر من تغليط المصنّفين، فإنّ كثرة التّغليط أمارة الاشتباه والتّخليط، بل عليه أن يبذل الوسع في فهم مفردات الفضلاء". ويعلّق المقرّر على هذا الفصل بقوله: "وبذلك أصبح الذي يحاول تصحيح مسألة أو إصلاح خطإ معرّضا، زيادة على السّخط العام والمقاومة المعتادة - لارتكاب جناية فظيعة بخروجه عن حدّ الأمر العليّ الذي يحصر دائرة التّفكير". ويختم القسم الأوّل بانتقاد أساليب التّدريس التي تقتصر على "طريقة الالقاء المحض مجرّدة عن كلّ عمل تطبيقي أو استنتاجي من جهد التّلميذ، فتتعطّل كافة مواهبه العلميّة ولا يتمرّن فكره أبدا على الانتاج العلمي وحريّة النّقد والابتكار". وهكذا "تشيب الأعمار في دراسة هذه الكتب دون الحصول منها على طائل، ومن ذا الذي يطمع في ختم تفسير البيضاوي أو ختم المطوّل، حتّى إن العلاّمة الشيخ أحمد بن الخوجة لم يتجاوز الفاتحة بعد اثني عشر عاما من شروعه في درس البيضاوي". وفي القسم الثّاني من التّقرير، عرض الشيخ محمّد الفاضل الخطوط الكبرى لمشروع الاصلاح الذي يقترحه، وهي ترتكز على: "تغيير برنامج التّعليم، والنّهضة بأساليبه، بصورة تلائم الحياة الفكريّة المحيطة بالمعهد، حتّى يبقى جامع الزّيتونة المعهد المعتمد عليه في حفظ اللّغة العربيّة ونشرها، وبثّ التّعاليم الاسلاميّة، وتخريج العالم الشّرعي، والخطيب الدّيني، والعالم اللّغوي، والأديب الضليع...".

وإثر ذلك، ألحّ على ضرورة الاعتناء بالثّقافة العامة الّتي ينبغي أن يكتسبها الطالب الزّيتوني، وضرورة إدخال العلوم الرياضيّة والطبيعيّة والفلسفة، و"إيجاد إدارة عليا مجدّدة المسؤولية يرجع لنظرها المعهد الأصلي مباشرة والفروع الفرعيّة بواسطة مديرين فرعيّين" الخ. ثمّ اقترح محمّد الفاضل على المؤتمر، باسم لجنة التّعليم العربي، المصادقة على اللاّئحة التّالية: "وبعد تلاوة التقارير الخاصّة بتعليم اللغة العربيّة بمحضر اللجنة المعيّنة لذلك، اتّفق الرّأي على أنّ إصلاح التّعليم يختلف بحسب المعاهد التي تدرس بها اللّغة العربيّة بشمال إفريقيا. أما المعاهد الإسلامية الشّاملة للقرويّين بالمغرب، وجامع الزّيتونة بتونس، والزّوايا والمدارس بالجزائر، فكيفيّة الاصلاح فيها بقلب البرامج الحالية التي لم تبق ملائمة أبدا لما يتطلّبه العصر من الثّقافة الحيّة والتّفكير المنتج. وأمّا المدارس الثّانويّة والعليا، فبتوسّع نطاق اللغة العربيّة بها واعتبارها لغة أصليّة، وتحسين برامجها بطرق أضمن للنّجاح".

وخلاصة القول أنّ كلمة "قلب" أثارت نقاشا لكن الفاضل ابن عاشور أصرّ على إبقائها في اللاّئحة المذكورة معلّلا ذلك بقوله: "وحيث كان الاصلاح الذي نطلبه إصلاحا جوهريّا لا من نوع ذرّ الرماد في العيون، فباسم اللّجنة، أصرّ على إبقاء كلمة "قلب" في جملة الاقتراح العام المعروض للتّصويت إمّا أن تقع المصادقة عليه بجملته، وإمّا أن يرفض بالأغلبيّة إذا كانت أغلبيّة الإخوان المؤتمرين لا تشاطر رأي اللّجنة في الأصول التي وضعناها للاصلاح". ثمّ عرضت اللاّئحة على الاقتراح بنصها الأوّل، فصودق عليها بالاجماع.

لقد كان لموقف الشيخ محمّد الفاضل في مؤتمر طلبة شمال إفريقيا الأثر البالغ في نفوس طلبة جامع الزّيتونة. فنوعيّة هذا المشروع الطلاّبي، تبرز للعيان ما بلغه الطلبة الزّيتونيّون في مطلع ثلاثينات القرن العشرين من وعي ونضج، كان هذا المشروع في مستوى الأفكار الّتي عبّر عنها قادة الحركة الزّيتونيّة عهدئذ، أمثال المهيدي والشّابي وخريّف والحدّاد. على سبيل المثال، كتب الطاهر الحدّاد يقول في هذا الصّدد: "مسألة إصلاح جامع الزّيتونة يجب أن يَعْتبرها التّونسيّون مسألة حياة أو موت. إن هذا المعهد هو الوحيد الذي يمكّننا اليوم من أن نحمي جوهرنا من الاندثار بإحياء لغتنا وآدابنا الصحيحة مع درس علوم الحياة فيه بلساننا [...] حتّى تبقى الزّيتونة رمزا لتراثنا الثّقافي والحضاري والدّيني. يجب الدّفاع عن استمرار إشعاعها في إصلاح عام شامل يثبت وجود كيانها ويعينها على أداء رسالتها على الوجه الأكمل": [انظر:الطّاهر الحدّاد: التّعليم الاسلامي وحركة الاصلاح في جامع الزّيتونة، تونس، 1981، ص 35. ومنذ افتتاح السنة الدّراسيّة (1931 - 1932)، تفاقم الوضع بجامع الزّيتونة، وتعدّدت المظاهرات والاضطرابات للمطالبة بتطبيق المشروع الذي قدّمه الطلبة في لائحتهم والاحتجاج على لجنة الاصلاح الرّابعة الّتي تشكّلت منذ سنة 1929 ولكنّها لم تتوصّل إلى أيّ نتيجة بسبب الخلاف الذي نشب بين شقّ المحافظين الذي يتزعّمه شيخ الاسلام الحنفي أحمد بيرم (المتوفّى عام 1937)، بمساعدة الوزير الأكبر خليل بوحاجب، والشقّ الاصلاحي، وعلى رأسه باش مفتي المالكية الشّيخ محمّد الطّاهر ابن عاشور الذي كان يحظى بتأييد جريدة "النّهضة" اليوميّة ثمّ جريدة "صوت التّونسي"La Voix du Tunisien" النّاطقة باللّغة الفرنسيّة، في حين كانت تدافع عن آراء شيخ الاسلام الحنفي جريدة "الزّهرة" اليوميّة ثمّ جريدة "الوزير" الأسبوعيّة.

ولمّا تواصلت الاضطرابات بالزّيتونة، واحتدّ النّقاش بين المحافظين وأنصار الاصلاح، على صفحات الجرائد، اضطرّت حكومة "الحماية" الفرنسيّة، في شهر مارس 1932 إلى حسم القضيّة لترضية الطلبة وتهدئة الخواطر، وذلك بعزل الشيخ أحمد بيرم وتعويضه بالشّيخ محمّد بن يوسف، وعزل الوزير الأكبر خليل بوحاجب وتعويضه بالهادي الأخوة، وحلّ النّظارة العلميّة، وتعيين الشّيخ محمّد الطّاهر ابن عاشور شيخا للجامع الأعظم وفروعه. وكان هذا في الأثناء، قد ارتقى إلى رتبة شيخ الاسلام المالكي على قدم المساواة مع شيخ الاسلام الحنفي. وقد اعتبر الشيخ محمّد الفاضل هذه الاجراءات "انتصارا للحركة الطلابيّة والحركة الاصلاحيّة بوجه عام" واعتبر الشّيخ محمّد الطاهر هذه الاجراءات عملا تمهيديّا لتطبيق مشروعه الاصلاحي المتكامل على مراحل، إلاّ أنّ الظروف السياسيّة المتأزمة الّتي مرّت بها البلاد التّونسية في مطلع الثلاثينات، وملابسات تعاطي الطلبة الزّيتونيّين النّشاط الوطني والسياسي، لم تسمح له بمواصلة الاضطلاع بمهامه الإداريّة، فاستقال من منصبه في سبتمبر 1933، لكن ابنه الشيخ الفاضل واصل النّضال بالتّعاون مع زملائه المدرّسين نذكر منهم المشايخ المختار بن محمود، ومعاوية التّميمي، والشاذلي بن القاضي، ومحمّد الزّغواني، وأحمد شلبي وغيرهم، وكانت إصلاحات سنة 1938، إثر الاضراب الذي شنّه طلبة الزّيتونة عن الدّروس في أوائل سنة 1937.

وهو ما اضطرّر الحكومة، مرّة أخرى، إلى تأليف لجنة مكلّفة بالنّظر في نظام التّعليم الزّيتوني وطرق إصلاحه، وهي "لجنة الاصلاح الخامسة". ورغم العراقيل، فإنّ الشيخ محمّد الفاضل تمكّن من حمل اللجنة المذكورة على تقديم مقترحات مهمّة لاصلاح الوضع بجامع الزّيتونة وفروعه. ورغم اعتدال هذه المقترحات التي صادقت عليها اللجنة بالاجماع قبل انتهاء أشغالها في شهر جويلية 1939، فإنّها بقيت حبرا على ورق، لأنّ السلط كانت منشغلة البال بالوضع السّائد في البلاد بعد أحداث 9 أفريل 1938 الدّمويّة، وقبيل اندلاع الحرب العالميّة الثانية (1939).

نشر محمّد الفاضل ابن عاشور مقالات وبحوثا كثيرة في المجلاّت والصحف التّونسيّة، كما كانت له أحاديث ومسامرات في الاذاعة أيضا، وقد نشر على الأرجح، أول مقال له بتاريخ 15 فيفري 1928 - وعمره وقتئذ 19 عاما - وفي موضوع تناول النّاقد ابن رشيق، ومقارنته ببعض نقاد البلاد الأوروبيّة. وتتالت، بعد ذلك، مقالاته المتميّزة وهي نقديّة سياسيّة، وطنيّة، وأخرى خصّصها لتراجم بعض الشّخصيات، وهذه المقالات نشرت بالصّحيفَتَيْن اليوميّتين "النّهضة" و"الزّهرة"، وكذلك في الصحف الأسبوعيّة مثل "تونس" و"الأسبوع"، و"الزّمان".

وفي 15 فيفري 1939إ وقف الشيخ محمّدالفاضل أمام المصدح، لأوّل مرّة، في الإذاعة التّونسيّة التي تأسّست عام 1938 ليلقي محاضرته بعنوان: "يوم عاشوراء في الجاهليّة وفي الاسلام". وبعد أن سامر إذاعيّا في موضوعات مختلفة اختار لنفسه أن يعرّف بأعلام من الصحافة التونسيّة، وأوّل محاضرة، في هذا المضمار كانت بعنوان: "من مفاخر الصحافة التّونسية: الشيخ محمّد بيرم (الخامس) ". لكن وقعت حادثة إثر هزيمة فرنسا، عام 1940، محصّلها أنّ المتعاطفين مع فرنسا (Francophiles) قد أنشؤوا لجنة إغاثة لجمع الأموال والمواد الاستهلاكيّة لارْسَالها إلى الفرنسيّين المنكوبين في الحرب. وقد شارك في هذه اللجنة تونسيّون ينتمون إلى عالم الأدب والفكر والفنون، ولكن منهم من عزف - وهم كثر - عن الاسهام في هذه اللجنة، منهم الشّيخ محمّد الفاضل إذ كان يفضّل أن يحاضر على منبر الاسعاف الخيري الذي بعثته جماعة من التّونسيين لمساعدة المحتاجين من المسلمين بدلا من مساعدة الفرنسيّين. وألقى محاضرة بعنوان: "حاتم الطائي" (بقصر الجمعيّات الذي يسمّى اليوم "دار ابن رشيق"). وبسبب هذا الموقف، كان لا بدّ أن يغضّ عن الشّيخ محمّد الفاضل الطرف من ثمّة لم يعد له أيّ مجال في الاذاعة إلى أن تخرج قوات المحور من تونس. عندئذ، حلّ نورالدين بن محمود محلّ عثمان الكعّاك في الكتابة العامّة للإذاعة، وكان فعلا تلميذا بارّا للأستاذ محمد الفاضل، وكان يجلّه ويحترمه، وهو الذي أطلق عليه لقب "العلاّمة البحر". باختصار، أتيح للشّيخ الفاضل المجال، وأصبح له برنامج جديد في الإذاعة بعنوان: "مشاهير التّونسيين في القرن الرّابع عشر" (الهجري). وقد ترجم فيه لعدد من الشّخصيات التّونسيّة التي أدّت دورا ما في الميادين العلميّة والسياسيّة. وإثر انتهاء هذه السلسلة من الأحاديث الاذاعيّة، ابتكر سلسلة أخرى تتعلّق ب: "الحضارة الحفصيّة" (نشاط علمي وسياسي وعمراني إلخ).

وفي سنة 1944، أقيم مهرجان أدبي كبير لألفيّة أبي العلاء المعرّي، وكان الكاتب العام للجنة هذا المهرجان الشيخ محمّد الفاضل الذي بذل من الجهد، وحسن التّنظيم، واختيار المحاور ما جعل هذا المهرجان الأدبي حديث النّاس. وكان بحثه حول: "مقصد أبي العلاء من رسالة الغفران". وبعد الانتهاء من المهرجان مباشرة، سافر الشيخ محمّد الفاضل إلى الجزائر وقضّى فيها أيّاما، ولعلّه لم يفكّر قطّ في أن يتكلّم في الإذاعة، لأسباب لا تخفى على لبيب، ثمّ انتقل مع بقيّة مرافقيه إلى المغرب الأقصى حيث تحدّث في مسامرة إذاعيّة عن الصّلات بين تونس والمغرب. وبعد رجوعه من هذه السفرة، قصد عام 1944, البقاع المقدّسة لأداء مناسك الحجّ: وكان رفقة والده وآخرين، وكان يرأس الوفد، وقتئذ، المؤرخ حسن حسني عبد الوهّاب (وزير القلم والاستشارة) ، ونزل الوفد بالقاهرة، فكتب عن أفراد الوفد، وعن الشّيخ محمّدالفاضل بخاصة الذي كان يجيب كلّ من سأله عن الحركة الفكريّة والأدبيّة والصحافيّة في تونس.

وعاد إلى البلاد التّونسيّة وخرج على النّاس بحديث عنوانه: في طريق السّماء، وفيه تحدّث عن رحلته المذكورة وكان مبدعا في وصفه للطائرة وهي تسير من محطة إلى أخرى. وقد بثّت أحاديث "في طريق السّماء" في أمسيّات أيّام السبت، ثم في أمسيّات الأربعاء. وظل الشيخ الفاضل مواصلا مسامراته الإذاعيّة إلى أن استقال نورالدّين بن محمود فتوقّف، لكنّه عاد إلى الاذاعة من جديد سنة 1950. وقبل أن تضع الحرب العالميّة الثانية أوزارها شنّ المدرّسون إضرابهم الأوّل يوم31سبتمبر 1943 للمطالبة بإلحاقهم بالوظيفة العموميّة وتنظيرهم بأساتذة معاهد التّعليم الرّسميّة، وتطبيق اقتراحات "لجنة الاصلاح الخامسة". وقد حظي هذا الاضراب بمساندة شعبيّة واسعة النطاق، وبتأييد عاهل البلاد الجديد محمّد الأمين باي الذي كان يبحث عن اكتساب نوع من الشّرعيّة، إثر خلع الملك الشّرعي محمّد المنصف باي. ولم يستأنف المدرّسون الزّيتونيّون عملهم إلاّ بعد أن حصلوا على ترضية جميع مطالبهم الماديّة.

واستنادا إلى ما أحرزوه من نجاح، وحرصا على تحقيق توصيات لجنة الاصلاح الأخيرة، عقد المدرّسون الزّيتونيّون مؤتمرا عاما بقاعة الجمعيّة الخلدونيّة يوم 12 أكتوبر 1944 واختاروا الشّيخ محمّد الفاضل كاتبا عاما للمؤتمر، وعيّنوا عشر لجان فرعيّة تواصل عملها طوال السنة الدّراسيّة (1944 - 1945), وأسفر هذا المؤتمر عن برنامج شامل لاصلاح التّعليم بالجامع الأعظم وفروعه. وقد انتخب المدرّسون مكتبا مكلّفا بتطبيق قرارات المؤتمر متألّفا من المشايخ الاتي ذكرهم: الشاذلي ابن القاضي (رئيسًا) ، محمّد الصّالح النّيفر (أمينًا عامًا) ،محمّد الفاضل ابن عاشور، الطيّب التّليلي، محمد بن نيّة (أعضاء). ومن الطبيعي أن يصبح الشيخ محمّد الفاضل، منذ ذلك الحين، المتكلّم باسم الطلبة والمدرّسين الزّيتونيّين في الوقت نفسه، بمهمّته الخطيرة في فترة حاسمة من تاريخ جامع الزّيتونة وفروعه.وفي التوجّه الاصلاحي الجذري نفسه، سعى إلى إعادة تنشيط للجمعيّة الخلدونيّة الّتي أصبح رئيسا لها في جوان 1945 إثر وفاة عبد الرّحمان الكعّاك.

حدث هام كذلك في حياة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور هو انعقاد المؤتمر التّأسيسي ل"الاتّحاد العام التّونسي للشّغل" - بقاعة الجمعيّة الخلدونيّة، بالعاصمة. وقد انتخب على رأسه فرحات حشّاد أمينا عاما، والكيلاني الشّريف والصّحبي فرحات كاتبين مساعدين، وانتخب الشّيخ الفاضل رئيسا شرفيّا للاتّحاد. وقد أدّى دورا لا يستهان به جنبا إلى جنب مع فرحات حشّاد في توعية النقابيّين في اجتماعات حاشدة هنا وهناك في المدن التّونسيّة. إذ بادر بإنجاز نشاط نقابي مرموق وحثيث قبل تأسيس "الاتّحاد العام التّونسي للشّغل"، ثمّ آثر الشّيخ الفاضل إنهاء نشاطه النّقابي في أوّل ماي 1947, وفي الوقت نفسه جُمّدت عضويته في الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد فانصب جهده على عمله التّدريسي، وعلى جعل الجمعيّة الخلدونيّة المنبر الممتاز الذي منه يستطيع أن يلقي محاضراته.

وما إن أمسك بزمام الجمعيّة الخلدونيّة، حتّى أخرجها من جمودها وانكماشها إلى آفاق رحيبة، فاستهلّ رئاسته لهذه الجمعيّة بحفل بهيج أقامه بدار زرّوق في مصطاف أبي سعيد وذلك في رمضان من السنة نفسها فألقى الشّيخ المختار ابن محمود - وهو "صديق العمر" - محاضرة عن "خديجة أمّ المؤمنين ودور المرأة التونسية".وكان لهذه المحاضرة، بإشراف الشّيخ الفاضل، صدى طيّب لدى المستمعين ولدى الصحافة أيضا.

وفي شهر جانفي 1946، أنشأ الشيخ الفاضل معهد البحوث الاسلاميّة الذي حُدّدت غايته في "بعث روح الثقافة الاسلاميّة، وقيادة ذوي الثّقافة إلى الشّعور بوحدة العالم الاسلامي وعظمته، والوقوف على حقائقه الوجوديّة، وتكوين الاستعداد لدراسة حرّة لا تتأثّر بالظّروف العارضة ولا بالتيّارات الخارجيّة، فتستوحي سيرها من المعارف التّاريخيّة والجغرافيّة المستندة على الأصول الصحيحة المتمشيّة مع حركة الجامعة الاسلاميّة [Panislamisme]. وفي هذا المعهد الرائد ألقيت حوالي خمسين محاضرة في موضوعات ثقافيّة وسياسيّة واقتصاديّة.

وأنشأ الشّيخ الفاضل أيضا معهد الحقوق العربي الذي عهد بإدارته إلى الحقوقي الطيّب العنّابي. ومعلوم أنّ هذا المعهد أصبح يسمّى المدرسة التّونسية للحقوق الّتي كان يشرف عليها ويديرها الرئيس محمّد المالقي (وقد نظّمها قرار 21 جوان 1966) إلى أن أدمجت في كليّة الحقوق بأمر 12 أوت 1972، وكان الشيخ الفاضل من أساتذتها يحاضر في التّشريع الاسلامي، ويتحدّث لطلبته بأنّه شغوف بالعلم وأهله. ألم يشعر بالفارق العظيم، عندما تولّى القضاء في الستينات، بين ما كان عليه وما أصبح.

وفي سنة 1947، نظّمت الجمعيّة الخلدونيّة تعليما ثانويا عصريّا تدرّس فيه جميع المواد باللسان العربي وينتهي بالحصول على شهادة الباكالوريا العربيّة التي ترمي إلى تهيئة طلبة جامع الزيتونة للالتحاق بكليّات التّعليم العالي التّابعة لجامعات الشّرق العربيّة وإمداد الجامعة الزّيتونيّة، فيما بعد، بأساتذة مؤهّلين لتدريس العلوم العصريّة باللّسان العربي، كالرّياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الطبيعة والفلسفة، وذلك في انتظار إنشاء "الشّعبة العصريّة الزّيتونيّة".

وفي صائفة سنة 1949، أعدّ الشيخ محمّد الفاضل "مؤتمر الثّقافة الاسلاميّة"، الذي كان من أنجح الأعمال التي قام بها في فترة ابتعاده عن النّشاط الاذاعي. ولمّا تولّى أمر الإذاعة التّونسية الأستاذ حسين النّيفر، عاد إلى الاذاعة من جديد سنة 1950 ليستأنف حصّته الاذاعيّة "مشاهير التّونسيين في القرن الرّابع عشر (الهجري) " بالشّيخ أحمد الورتتّاني (الذي عمل مدرّسا ومساعدا لمحمّد بيرم الخامس في إدارة الأوقاف وفي المطبعة الرّسميّة في الوقت نفسه). وكانت أحاديثه الإذاعيّة إمّا لمناسبات أو تراجم لبعض الشخصيّات أو ملاحظات على بعض أمّهات الكتب. ثمّ لمّا تأزّمت الأمور في البلاد التّونسيّة بسبب الثّورة التي اندلعت سنة 1952, انقطع الشّيخ محمّد الفاضل عن أسماره الإذاعيّة، لكنّه واصل محاضراته بمعهد البحوث الاسلاميّة.

وفي عام 1953، ابتدأت رحلته مع الخطط الشّرعيّة، فقد صدر أمر بتاريخ 28 صفر/5 نوفمبر 1953 بولايته مفتيا مالكيّا بالمحكمة الشّرعيّة، وكان ذلك في وزارة صلاح الدّين البكّوش الوزير الأوّل والصّادق الجزيري وزير العدل.ولم يطل به الأمر إلاّ قليلا في هذه الخطة الشرعيّة حتّى اختير لقضاء الحاضرة، وهي الخطة التي شغلها قبله ومن بيته جدّه الشّيخ محمد الطاهر ابن عاشور الأوّل سنة 1267هـ/1850م، ووالده محمّد الطّاهر، وذلك سنة 1331هـ/1913م. وكان الشيخ الفاضل هو آخر من تولى هذه الخطّة الشّرعيّة بالدّيوان (المحكمة الشّرعيّة) الذي دام قرنا كاملا، فقد أحدث الدّيوان عام 1856 وأغلق عام 1956، إثر الاستقلال، ذلك أنّه وحُدّ القضاء وأدمجت المحاكم الشرعيّة بقضاتها وسائر موظفيها في إطار محاكم الحقّ العام وذلك حسب أمر مؤرّخ في 4 صفر سنة 1376 / 25 ديسمبر 1956. وفي أوّل أكتوبر من عام 1956، سمّي الشّيخ محمّد الفاضل رئيس دائرة بمحكمة التّعقيب في خطة محدثة، بعد أن باشر قضاء الحاضرة حوالي ستّة أشهر.

وعلى الرّغم من نشاطه المكثّف في الميدان القضائي، ورغم تراكم القضايا وكثرتها، فقد لوحظ أنّه لم يتخلّ عن نشاطه الثقافي (إلقاء المحاضرات والدّراسات في الملتقيات، التّحرير في الصحف، المثابرة على التّأليف) واستمرّ يرأس دائرة التّعقيب ويديرها مدّة أربع سنوات وخمسة أشهر. وخامرته فكرة العودة إلى ربوع المعارف الواسعة. ومن هنا نفهم أنّ الشيخ الفاضل كان يحبّ التّعليم والتّدريس والانتماء العلمي المعرفي، ويفضّل ذلك على الوظيف حتّى إن كان الوظيف القضاء أو الافتاء...

وفي أوّل مارس سمّي عميدا للكليّة الزّيتونيّة، حسب أمر صدر له بذلك بتاريخ غرة شوّال سنة 1380هـ/17 - 3 - 1961، لكنّه باشر العمادة من غرّة مارس 1961, علما بأنّ الجامعة التّونسيّة أحدثها أمر عدد 98 في 3 شوّال سنة 1379 / 31 مارس 1960. وقد أهمل هذا الأمر الكليّة الزّيتونيّة حتّى جاء الأمر عدد 110 في 14 رمضان سنة 1380/غرّة مارس سنة 1961، بمساعي الشّيخ الفاضل فألحق "الكليّة الزّيتونية للشّريعة وأصول الدّين" وجعلها من الكليّات التابعة للجامعة التّونسيّة. ومن هنا نلاحظ أنّ الشّيخ الفاضل كان يسعى، منذ عام، قبل تخلّيه عن خطّة القضاء العدلي ومباشرة العمادة، لوضع ما يلزم من الأسس القانونيّة الصحيحة للكليّة والعمادة حتى يباشر وظيفه الجديد على أسس مدروسة.

وعندما باشر العمادة أسّس الاجازة لهذه الكليّة حسب أمر استصدره في 27 أكتوبر 1961. وفي 28 رجب سنة 1376هـ/28 فيفري 1957م، صدر أمر، نشر بالرّائد الرّسمي (عدد: 18 بتاريخ 1 مارس 1957) يحدث منصب مفتي الديار التّونسيّة. وهذا الأمر، أسند منذ صدوره خطة الافتاء إلى الشّيخ محمد العزيز جعيط الذي استمرّ في مباشرة هذه الخطة حتّى أقيل منها سنة 1960. وعرضت خطّة الافتاء على الشّيخ الفاضل فأبى قبولها وفضّل العمادة عليها، ولمّا أعلمه أحدهم بأنّها أصبحت فرضا عينيّا بالنّسبة إليه، ونصحه بالامتثال، أعلن في النّهاية القبول على شرط أن يحتفظ بالعمادة ولا يتخلّى عنها. وعورض بأنّه لا يمكن الجمع بين وظيفتين ومرتّبين، فأعلن أنّه يتخلّى عن مرتب الافتاء ويكتفي بما هو مخصّص للعميد. وهكذا كان. وكان الشّيخ الفاضل عضوا مباشرا في "مجمع اللغة العربيّة" بالقاهرة كما كان عضوا في مجامع أخرى ومنظمات عربية إسلاميّة.

وإيمانا منه بأن المرأة هي المربيّة للأجيال والحافظة لتراث الشعب وتقاليده أسهم الشّيخ الفاضل في وضع مجلّة الأحوال الشّخصيّة الصّادرة بأمر: 6 محرّم 1376هـ/13 أوت 1956، وهي مجلّة تقدميّة جدّا. إنّ البحث عن شخصيّة محمّد الفاضل ابن عاشور حياة وأثرا "يواجه اختيارات صعبة في منهجية المقاربة هي تشعّب حياة الرّجل، وكثرة أعماله، وتعدّد مشاركاته في المحافل الأدبيّة واللّغويّة والفكريّة، ووفرة إنتاجه المنشور في أكثره بالدّوريّات"، والمجموع على "قلّته في الكتب". وظلّ الشّيخ الفاضل مباشرا لخطّتي الافتاء والعمادة مدّة ثمانيّة أعوام إلى أن توفّي في 11 صفر سنة 1390 / 20 أفريل سنة 1970 وقد أبّنه والده في جرأة نادرة مبتدئا تأبينه بقوله: "ومن نكد الدّنيا أن يؤبّن الاباء الأبناء [اللّه أكبر!ّ]". من كتبه ومحاضراته ومقالاته المنشورة:


  • أركان النّهضة الأدبيّة في تونس، النّجاح، تونس، 1963.
  • تراجم الأعلام، الدّار التونسيّة للنّشر، تونس، 1970.
  • أعلام الفكر الاسلامي في تاريخ المغرب العربي، تونس، 1965.
  • ومضات فكر، الجزء الأوّل، تونس 1981, والجزء الثّاني، تونس 1982.
  • الحركة الأدبيّة والفكريّة في تونس، القاهرة، 1956.
  • مقال بعنوان "روح الحضارة الاسلاميّة" في: النّشرة العلميّة للكليّة الزّيتونيّة، العدد الأوّل: 1391هـ/1971م، ص 12.
  • التّقشّف في الاسلام (محاضرة ألقاها الشّيخ ليلة 27 رمضان 1383, الدّار التّونسية للنشر، 1968).

الحركة الأدبيّة والفكريّة في تونس[عدّل]

هذا الكتاب الشّهير يتضمّن ثماني محاضرات ألقاها محمّد الفاضل ابن عاشور أمام طلبة "معهد الدّراسات العربيّة العاليّة" بالقاهرة في منتصف الخمسينات (1955), وقد أرفقها، في آخر الكتاب، بمجموعة من النّصوص، نماذج لموضوعات النّهضة الفكريّة والأدبيّة في البلاد التّونسية من منتصف القرن التّاسع عشر إلى الاستقلال. وقد ظهر هذا الكتاب في طبعته الأولى (القاهرة،1956 .193ص). وطبع طبعة ثانية (الدّار التونسية للنّشر، تونس، 1972)، وأخرى (الدّار التونسيّة للنّشر، تونس، 1983). ولا بدّ من التّذكير بأنّ مادّة الكتاب غزيرة ومتنوّعة تناولت محاور متعدّدة من أبرزها: الفكر الإسلامي التجديديّ والإصلاحي، الحركة الوطنيّة، التّحْديث العلمي والأدبي، الصّراع الثقافي والهويّة العربيّة الاسلاميّة، المؤسّسات التّربويّة والثّقافية في نشر الوعي الوطنيّ، النّشاط الصحفي، إلخ. إنّ المؤلّف الذي عرّفنا به ونوّهنا بثقافته الموسوعيّة هو من مناضلي الحركة الاصلاحيّة التّحديثيّة المعاصرة في تونس.

ويمكن القول إنّ الكتاب الذي نحن بصدده ليس تاريخا للحركة الفكريّة والأدبيّة في تونس فحسب، كما يبدو من العنوان لأوّل وهلة، بل هو، في الوقت نفسه، تعبير عن رؤية إصلاحيّة تحديثيّة لقضايا الأمّة الاسلاميّة، وعوامل ضعفها من ناحية، وضرورة أخذها بأسباب التقدّم من ناحية أخرى. وهو أيضا تحليل لقضايا التحرّر الوطني، ولمظاهر الجدل الدّائر بين المحافظين والمجدّدين في الحركة الفكريّة والأدبيّة في تونس الحديثة والمعاصرة، وهو كذلك تحليل للصّراع بين "الثّقافة المفروضة" - كما يسمّيها الشّيخ الفاضل - أي، ثقافة الغرب الغالب، وبين الثقافة الوطنيّة، الثقافة العربيّة الاسلامية. ومن المؤكد أنّ هذا الكتاب، رغم بعض نواقصه، قد نقل عنه باحثون كثيرون واستفادوا منه، مثلا: يعتبره المؤرّخ الحبيب الجنحاني "أبرز ما وصلنا من إنتاج المرحوم الشيخ الفاضل، وهو نصّ جليل الشّأن (...) لأنّه يقدّم لنا كثيرا من المعلومات الثّمينة التي لا نجد لها أثرا في المصادر والمراجع، ذلك أنّه يقصّها علينا عن طريق الرّواية الشّفاهيّة كماتلقّاها، بالتّواتر، عن الجيلين السّابقين فيما يتّصل بأخبار النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر الميلادي، والربع الأوّل من القرن العشرين، أو باعتباره أحد الرّموز البارزة في الحركة الفكريّة والأدبيّة، وفي حقل العمل السياسي والاجتماعي ابتداء من مطلع الثلاثينات": [الحبيب الجنحاني: "التقدّم والتّجديد في فكر الشيخ محمّد الفاضل..." في: الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور...، ص ص:38-39 ]

ويمثّل عند المؤرّخ أرنولد هـ. قرين "مرجعا ثمينا زاخرا بالمعلومات، إلاّ أن محمد الفاضل ابن عاشور كان نفسه عضوا في سلك علماء تونس (وقد شغل خطتي مفتي الجمهوريّة وعميد الشريعة في جامعة تونس في الوقت نفسه)، فكان حريصا على تقديم أسلافه على أحسن صورة [كذاّ وعلى تفنيد أيّ زعم بأنّ العلماء لم يضطلعوا بدور ذي شأن في تطوّر تونس العصريّة [كذاّ، لذلك، ومع كلّ ما يستحقّه كتاب "الحركة..." من اعتبار، فإنّه يتعيّن أن نطالعه بذهن ناقد وبتوخّي الحذر في استقاء معلوماته": [قرين: العلماء التّونسيّون 1873 - 1915، ص 36، تعليق 48،ولنا على ملاحظات قرين، ملاحظات تصويب ونقد:

1) لمّا ألقى الشيخ الفاضل سلسلة محاضراته الثماني كان ذلك سنة 1955، ونشرت في كتاب "الحركة..." سنة 1956، وليست سنة 1955 كما ذكر قرين ومن ثمّة لم يكن الشيخ الفاضل ابن عاشور وقتئذ يشغل خطتي الافتاء والعمادة بل شغلهما على التّوالي ابتداء من 1961 ثمّ 1962.

2) صحيح أنّه "كان حريصا على تقديم أسلافه على أحسن صورة... إلخ" ربّما يعود ذلك لاحساسه بالغبن المسلط على علماء تونس، وضرورة رفعه ثم تجاوزه بعد ذلك، وبيان أنّ هذه المنطقة تزخر بالريادة في مختلف مجالات المعرفة والفكر والاصلاح.

3) صحيح أيضا أنّنا نطالع كتاب "الحركة..." (وكلّ كتاب غيره) "بذهن ناقد وبتوخّي الحذر في استقاء" المعلومات: فكلام قرين منهجي ومعقول، لقد كان الشّيخ الفاضل يميل إلى الارتجال والخطابة أكثر من ميله إلى الكتابة بالمعنى الحرفي للكلمة، ولذلك لا يذكر غالبا مصادره أو مراجعه المعتمدة، فجاءت تراجمه محكمة البناء والصياغة، لا ينقصها إلاّ التّذييل بمصادر تفيد القارئ وخاصة الباحث الأكاديمي. ونميل إلى الاعتقاد بأنّ التّراجم - (وقد جاءت إشارات لبعض التّراجم الوجيزة في كتاب "الحركة...") - هي منارات ذات كمالات، فكل من ترجم لهم غالبا ما يقدّمهم على أحسن صورة للكمال الانساني، عملا بمنهجه الذي يقول فيه: كنت "معتمدا إظهار كلّ طور... من الأطوار بخصائصه ومقوّماته في حياة كل علم من أعلام المعرفة أو القلم جعلته بمؤثّرات حياته، وتأثيراته وظروفها مجلى الاتّجاهات العلميّة أو الفكريّة أو الأدبيّة التي تميّز بها بذلك الطور": [أركان النّهضة الأدبيّة في تونس، ص 3]. معناه أنّه إذا أراد الباحث أن يترجم لعالم أو كاتب مثلا، يتعيّن عليه أن يفهم البيئة التي نشأ فيها. فالإنسان المتحرك في فضائه الاجتماعي والثقافي، خاصة إذا كان فردا فاعلا وعقلا مستنيرا، مرتبط ببيئته ارتباطا عضويّا لأنّه يتأثّر ويؤثّر فيها بهذا القدر أو ذاك. يستثنى من ذلك طبعا، بعض المفكّرين أو المصلحين أو القادة الذين سبقوا عصرهم، وهؤلاء قلّة تحفظ ولا يقاس عليها، كما يقول المناطقة. ولا شكّ في أنّ من المفاهيم الواردة في نصوص المحاضرات الثماني (التي تكوّن كتاب: "الحركة...") - وهي تعبّر عن رؤية فكريّة إيديولوجيّة دون ريب - "وحدة العالم الاسلامي"، و"الجامعة الاسلاميّة" [محمّد الفاضل ابن عاشور: الحركة...، طبعة 1956، ص 206. يقول: إن غاية معهد البحوث الاسلاميّة هي: "بعث روح الثّقافة الاسلاميّة وقيادة ذوي الثّقافة إلى الشّعور بوحدة العالم الاسلامي وعظمته والوقوف على حقائقه الوجوديّة، وتكوين الاستعداد لدراسة حرّة لا تتأثّر بالظروف العارضة ولا بالتيّارات الخارجيّة، فنستوحي سيرها من المعارف التّاريخيّة والجغرافيّة المستندة على الأصول الصحيحة المتمشيّة مع حركة الجامعة الإسلاميّة)(Panislamise)".

ولعلّه من المفيد، في دراسة فكر الشّيخ الفاضل، التعرّف بعمق إلى المفاهيم الرّئيسة التي وظّفها في آثاره كلّها مع البحث عن المراحل التي ظهرت فيها تلك المفاهيم وربط ذلك بتطور مسيرته السياسيّة والفكريّة: خذ مثلا مفهوم "القوميّة العربيّة" أو "القوميّة" عموما، لكن هناك أيضا "مفهوم الأمّة الاسلاميّة" - وهو مفهوم قرآني لا يمكن تعريبه ب:"شعب" (Peuple) أو (Nation) بدلالتيها الضيّقة (الجنسية) أو الواسعة (القوميّة) - وهي مفاهيم استعملها الشيخ الفاضل، رغم أنّها حديثة، غريبة النّمط، وغريبة عن وجدان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. ثم إنّها تتناقض دلاليّا (دينيّا وسياسيّا) مع مفاهيم أخرى استعملها الشيخ الفاضل مثل مفهوم "الأمّة القرآني" ومفهوم "وحدة العالم الاسلامي"، علما بأنّ الفاضل، قد تأثّر تأثّرا بالغا بسقوط الخلافة العثمانيّة وكان آنذاك في فجر حياته، كما تأثّر الفاضل، إلى حدّ الانبهار، بأوّل رحلة قام بها إلى فرنسا سنة 1926, "وكان لتلك الرّحلة أثر قويّ في نفسي بتوجيهها إلى تطلبّ نواحي العظمة والسيادة لوطننا على نحو بهرني من فرنسا": [محمّد الفاضل ابن عاشور: "الحركة..."، طبعة 2، 1972، ص13].

وخلاصة القول أنّ المفاهيم التي استعملها الشيخ الفاضل ابن عاشور تتّسم أحيانا بعدم الدقّة ويعتور بعضها القلق والغموض. من المحاور الرّئيسة التي تحدّث عنه الشّيخ الفاضل أو صوّرها تصويرا دقيقا صدمة الحداثة الغربيّة في البلاد التّونسيّة. فانطلاقا من سياسة تقرب البايات إلى فرنسا، وانتهاج سياسة تونسيّة انفصاليّة (نوعا ما) عن السلطة المركزيّة العثمانيّة، نتجت عن ذلك أمور عدّة منها اتّساع الجاليات الأجنبيّة، وانتشار تقاليدها، فاستبدلت الألبسة العربيّة بالألبسة الأوروبيّة و"أصبحت التّشكيلات العسكريّة ورجالات السلطات الملكيّة في لباسها ونظامها وآلاتها ومصطلحاتها ذات مظهر غربي مخالف لمظهرها الشّرقي": [محمّد الفاضل ابن عاشور: الحركة...، طبعة 1956, ص: 8. "وعلى رجّة الأحداث الهائلة التي سبقت احتلال فرنسا لتونس بخمسين عاما نهض المجتمع التونسي مبهوتا ينظر حواليه، فرأى أنّ صورة الحياة المألوفة قد انقرضت،وبدّلت الأرض غير الأرض": [الحركة...، ط 2 تونس، 1972، ص:42].

ولا شكّ في أنّ احتلال فرنسا للجزائر قد وسّع من التّأثير الفرنسي في تونس، وشجّع مظاهر التسرّب الأوروبي قبل انتصاب الحماية بخمسين عاما، ونتيجة لذلك "... تكوّن... عند أهل تونس، إحساس شعبيّ بأنّ حياة البلاد قد أصبحت مهدّدة بمزاحمة طاغية عليها لا تقوى على مناهضتها، وأنّ تلك المزاحمة ترمي إلى غاية معلومة قد شاهد التّونسيّون مثلها في سوء حالة المهاجرين الجزائريّين الذين وفدوا عليهم، وقد خلّفوا عزّتهم وثروتهم بعد أن عانوا ألوانا من الارهاق وانتهاك الحرمات": [نفس المرجع: ص 23]. ولكن ما العمل إزاء "تضاؤل شأن الشرق الفاتر أمام صولة الغرب النّاهض"، حسب قول الشيخ الفاضل [المرجع نفسه والصفحة].

ويضيق المجال للتوسع أكثر في عرض نصوص من "الحركة..."، ونكتفي بالاشارة إلى وفاء الشيخ الفاضل للسند الفكري الذي تميّزت به الحركة الاصلاحيّة الاسلاميّة في تونس خاصة، وفي العالم الاسلامي عامة، هذا السّند يؤمن بأنّه من الممكن اتّقاء الكارثة والخروج من حالة الضعف التي عليها العالم الاسلامي بأخذ أسباب التقدّم المادي اقتباسا من التجربة في الغرب، وخاصة اكتساب "العلوم الحكمية والرياضيّة" عن الأوروبيّين بالنّقل والتعلّم. وهذا ما ذهبت إليه "هذه العبقريّة العجيبة (مشيرا إلى محمود قابادو) لما اتّصلت بمكتب المهندسين أو مدرسة باردو الحربيّةّ، وتوجّهت إلى العمل الذي انتدبت هنالك له، فتتبعت التّعاليم التي هي سرّ النّهضة الأوروبيّة، وظهر لها أنّ العلوم الحكميّة والرياضيّة [...ّ إنّما هي مدار التفوّق الذي نالته أوروبا على بلاد الاسلام...": [نفس المرجع، ص: 31]. وتحدّث عن مصطفى صاحب الطابع الوزير الڤرجي الأصل (Géorgie) الذي "كان مثالا عديم النّظير بين طبقة من عظماء المماليك في رجاحة الفكر، واستقامة السيرة، والغيرة على المصالح العامة. ولم يكن ذا علم ولا ثقافة واسعة ولكنّه كان قد شغف بـابن خلدون، وتعلّق بآرائه..."، ولما تحدّث عن كتاب "أقوم المسالك" للوزير خير الدّين نعته بالكتاب العظيم قائلا عنه: "يعتبر من أنفس آثار القلم العربي في القرن الماضي، وفي السياسة والاجتماع".

إنّ الرؤيّة الفكريّة للشيخ الفاضل مرتبطة وثيق الارتباط بالسّند التّاريخي للحركة الاصلاحيّة التّحديثيّة في تونس منذ بروزها في منتصف القرن التاسع عشر: إنّه يعتبر نفسه تلميذا روحيّا -(وإن لم يدرس مباشرة على البعض) - لرموز هذه الحركة أمثال محمود قابادو، وخير الدين التونسي، وسالم بوحاجب، و محمد بيرم الخامس، ومحمّد السنوسي، و محمد النخلي وخاصة الشيخ الوالد محمّد الطاهر ابن عاشور. وهنالك محاور أخرى وهي إصلاح التّعليم الزّيتوني والخلدونيّة والنّضال النّقابي. ومن المفيد الإشارة إلى أن الشّيخ محمد الفاضل ابن عاشور قد تعرض في كتابه "الحركة الأدبيّة والفكريّة في تونس" (طبعة 1972، ص: 57 - 58) لمحاكمة عبد العزيز الثعالبي (16 جويلية 1904) لأنّه هاجم الطرق الصوفيّة علانيّة مناديا بتفسير القرآن تفسيرا عقلانيّا: "وبدأ النّاس - كما يقول الشّيخ الفاضل - يلتقطون من كلامه [الثّعالبي] سقطات في مسائل الخلاف بين الصحابة والأولياء والكرامات، ويشيعونها على وجهها، حتّى بلغت أسماع كبار الشيوخ النّاقمين على التطوّر فأثارهم ثورة أدمجت الخلدونيّة و"المنار" والثّعالبي". من هنا نفهم أنّ الشيخ قد انحاز إلى جانب الشيخ الثعالبي، وهو أحد معتنقي الاتّجاه السلفي الذي تزعّمه الشيخ محمّد عبده ثمّ رشيد رضا (صاحب "المنار") من بعده.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • ابن أحمد عمار المختار، الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور: حياته وأثره الفكري، الدار التونسية للنشر،تونس،1985.
  • ابن عاشور محمد الفاضل، الحركة الأدبية والفكرية في تونس، تونس، الدار التونسية للنشر، تونس، 1972 و1983 ومعهد الدراسات العالية، مصر 1955ـ 1956.
  • أعلام الفكر الإسلامي في المغرب العربي، مكتبة النجاح، تونس، 1970.
  • ومضات فكر، الدار العربية للكتاب ، تونس، 1981
  • المناعي(حسن)، محمد الفاضل ابن عاشور وجهوده في بناء النهضة العلمية الإسلامية، دكتورا دولة مرقونة، جامعة الزيتونة،1990-1991.