جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

تأسيس الجمعية (ديسمبر 1905)[عدّل]

نشرت جريدة "الصواب" لصاحبها محمد الجعايبي في عددها الصادر في 22 ديسمبر 1905وصفا للاجتماع العام الذي أسفر عن تأسيس جمعيّة قدماء الصادقية، جاء فيه بالخصوص مايلي: "اجتمع لتأسيس جمعيّة قدماء الصادقية جمع من المثقّفين يوم الأحد 3 ديسمبر 1905وألقى علي باش حانبة خطابا باللسان الفرنساوي وكان عدد الحاضرين يناهز السبعين. ثم وقع انتخاب خير الله بن مصطفى رئيسا للجمعيّة، وانتخبت معه هيئة تتركّب من 11 عضوا أكثرهم من المشتغلين بالمهن الحرّة....". وقد كان تركيب الهيئة التأسيسية على النحو التالي:

الرئيس: خير الله بن مصطفى نائب الرئيس: أحمد الغطاس الكاتب الأول: الهادي الأخوة الكاتب الثاني: حسين بوحاجب أمين المال: محمد الشعبيني الأعضاء: محمد الأصرم ومحمد بن الخوجة وعمر بوحاجب ومحمد الجنّادي ورشيد بن مصطفى والطيب رضوان محمد بن عودة.

وانضمّ إلى الهيئة المديرة إثر الجلسة العامة المنعقدة في 28 أكتوبر 1906 بصفة أعضاء، كل من الزعيمين الوطنيّين علي باش حانبة والبشير صفر وكذلك عبد العزيز الحيّوني والهادي بن الطاهر. واقترح علي باش حانبة في خطاب الافتتاح أن يكون نشاط الجمعية مستمدّا من الأهداف التي رسمها الوزير الأكبر خير الدين التونسي للمدرسة الصادقية عند تأسيسها في سنة 1875، مشيرا إلى الثورة التي أحدثها ذلك الوزير المصلح حين أدخل في برامج التعليم بالمدرسة الصادقية، تعليم اللغات الأجنبية والعلوم الحديثة، كما ألحّ على ضرورة "تغيير عقليّة التونسيين لتمكينهم من العيش مع مختلف الأجناس التي وفدت على بلاد نا".

انطلاق نشاط الجمعية (1906 - 1911)[عدّل]

نالت الهيئة التأسيسية في 24 ديسمبر 1905 موافقة الحكومة على تأسيس جمعية قدماء الصادقية. وانطلق نشاط الجمعية من المقرّ الذي وضعته إدارة المدرسة الصادقية على ذمّتها الكائن بشارع باب بنات عدد 39، وقد كان لهذا النشاط في أول الأمر صبغة ثقافية فرنسيّة خالصة. ذلك أن المشرفين على حظوظ الجمعية كانوا عهدئذ لا يرون الإصلاح إلاّ بالاقتداء بالأنموذج الفرنسي دون سواه. لكن بتأثير من رئيس الجمعيّة خير الله بن مصطفى الذي كان ميّالا إلى الاعتدال قرّرت الهيئة تنظيم "مسامرات" باللغة العربية ودعت إلى إلقائها نخبة من مدرّسي جامع الزيتونة المعروفين بأفكارهم الاصلاحيّة، فألقى العالم المصلح الشيخ محمد النخلي محاضرة بعنوان "نضارة التمدّن الاسلامي" يوم 13 مارس 1906. وأشادت جريدة "الصواب" في عددها المؤرخ في 6 أفريل 1906 بتلك المحاضرة التي جاءت على حدّ قولها: "في أسلوب رائع بديع أكسب فخرا ومجدا لكل من ينتسب إلى الجامع الأعظم، وأرغم أنوف المكابرين الذين يحسبون أنفسهم على شيء وهم خلو من كل شيء". ثم ألقى الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور - الثاني في شهر ماي 1906 محاضرة ثانية حول: "أصول التمدّن الإسلامي" وتلاه الشيخ أحمد النيفر الذي ألقى محاضرة أخرى في تفسير قوله تعالى: (إن اللّه يأمر بالعدل والاحسان....). وأخيرا ألقى الشيخ محمد الخضر الحسين محاضرة بعنوان "الحريّة في الإسلام" وقد طبعت في تونس سنة 1909.

قضيّة المدرسة القرآنية العصرية[عدّل]

لقد كانت هذه المحاضرات بمثابة السعي إلى توثيق العلاقات الوديّة بين العنصرين المدرسي والزيتوني. ولكن سرعان ما شبّ خلاف حادّ بينهما، لما تغلّب الشقّ المتمسّك بالثقافة الفرنسيّة على رئيس الجمعيّة خير الله بن مصطفى الذي أنشأ في غرّة ديسمبر 1906 أول مدرسة قرآنية عصريّة تونسيّة بنهج سيدي بن عروس بتونس. وقد شنّت عليه حملة شعواء جريدة "التونسي" الناطقة بالفرنسية التي أصدرها علي باش حانبة بداية من 7 فيفري 1907. وقد شارك في هذه الحملة ضدّ خير الله، بالخصوص علي باش حانبة وحسن قلاتي ومحمد نعمان وعبد الجليل الزاوش، في حين رحّبت بالمشروع الصحف العربيّة "الصواب" و"الزهرة" و"المرشد". ونفى علي باش حانبة عن صاحب المشروع الصفة الإصلاحيّة ونعته بالجبن والرجعيّة والتشبّث بالماضي، وتنبأ بفشل هذه التجربة قائلا: "لا يوجد أحد على حدّ علمنا يراوده الأمل الخيالي في أن يكون في تونس يوما ما معهد يتلقّى فيه أبناؤنا تعليمهم باللغة العربيّة". فردّ عليه خير الله قائلا: "إن التعليم في مدارسنا ينبغي أن يلقّن باللغة العربية، لأن التونسي يعتبر هذه اللغة عنصرا مكمّلا لشخصيّته التي يصرّ على عدم التفريط فيها، ووسيلة لممارسة دينه الذي يريد أن يبقى متعلّقا به، كالرباط الذي يصله سواء بماضيه الذي له من الأسباب ما يكفيه لأن يكون فخورا به، أو بالعالم الإسلامي الذي لا ينوي البتّة أن يقطع صلته به، ويعتبرها أخيرا أداة للاستمرار داخل الوسط الذي ينتمي اليه منذ ثلاثة عشر قرنا ولا يمكنه أن يفترق عنه دون المجازفة بأن يبقى منفصما وموزّعا بين المجتمعين الفرنسي والعربي: هذا يحذره وذاك يحتقره". وقد انعكست هذه المجادلات على نشاط جمعيّة قدماء الصادقية التي لم تلبث أن غيّرت اتّجاهها بتأثير علي باش حانبة وجماعته. "فضربت صفحا عن المسامرات باللغة العربيّة واستعاضت عنها بمسامرات باللغة الفرنسية، منها النافع، ومنها عديم الفائدة فتضاربت فيها الظنون وأحجم الناس عن مساعدتها" ("الصواب" 31 / 1/1908).

اتّحاد الشبيبة الزيتونية والمدرسيّة[عدّل]

وخلافا لتوقعات علي باش حانبة، نجحت تجربة المدرسة القرآنية نجاحا باهرا، وتخرّجت فيها أفواج من الأدباء والشعراء ورجال الفكر أمثال محمد الحبيب وعبد الرزاق كرباكة وأحمد المختار الوزير وأحمد توفيق المدني. وتبعا لذلك انتشرت المدارس القرآنية في جميع أنحاء البلاد ولم تعد مقصورة على العاصمة. ولمّا شاهد علي باش حانبة وجماعته إقبال الشعب التونسي على هذه المدارس، ولاحظوا من ناحية أخرى فشل سياسة المشاركة، راجعوا مواقفهم محاولين الاقتراب من العنصر الزيتوني بوساطة واحد من خريجي جامع الزيتونة معروف بأفكاره الاصلاحية، وهو الشيخ عبد العزيز الثعالبي. وحاولت جريدة "التونسي" منذ سنة 1909 أن تنفي عن نفسها تهمة مقاومة اللغة العربيّة، مؤكدة أنها لم تطالب أبدا بالتخلّي عن هذه اللغة، إنّما اقترحت برنامجا عاما لاصلاح التعليم التونسي "تحتلّ فيه اللغة العربيّة مكانة مرموقة، لأن المحافظة على لغتنا هي الشرط اللاّزم لوجودنا المعنوي كشعب متعلّق بماضيه وبعاداته وتقاليده".

وتطبيقا لهذه السياسة الجديدة، أصدر علي باش حانبة في نوفمبر 1909 نشرة عربيّة من جريدته وعهد بتحريرها إلى الشيخ عبد العزيز الثعالبي والأستاذ الصادق الزمرلي "فكان الأول ينشئ المقالات بالعربيّة رأسا، وكان الثاني يعرّب المقالات الصادرة في النشرة الفرنسية". وساندت الجريدة أول إضراب عن الدروس قام به طلبة جامع الزيتونة في 16 أفريل 1910 للمطالبة بإصلاح التعليم في معهدهم. ولما انتهى الاضراب يوم 28 أفريل نظم الطلبة اجتماعا عاما خطب فيه الصادق الزمرلي وعبد الجليل الزاوش وعبد العزيز الثعالبي، لتهنئة الطلبة بنجاح إضرابهم. وكان هذا الاجتماع حسب رأي الشيخ الفاضل بن عاشور، "إعلانا عن اتّحاد الشبيبة الزيتونية والمدرسيّة، واتّجاه الحركة الوطنيّة وجهة قوميّة إسلامية". وقد أثّر هذا الاتّجاه الجديد في نشاط جمعيّة قدماء الصادقية التي فتحت أبواب ناديها من جديد في وجه الزيتونيين، وأغنت مكتبتها بأمهات الكتب العربيّة، ونظمت دروسا عموميّة في حي باب سويقة وحي باب الجزيرة للاتّصال أكثر فأكثر بالجما هير الشعبيّة. لكن هذا النشاط بدأ يتقلّص منذ أواخر سنة 1191 إثر حوادث الزلاّج وبعد حركة مقاطعة الترامواي في مارس 1912 وإبعاد الزعماء وعلى رأسهم علي باش حانبة، ثم تعطّل نشاط الجمعية تماما إثر اندلاع الحرب العالميّة الأولى (1914 - 1918).

استئناف جمعية قدماء الصادقية نشاطها إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى[عدّل]

بعد انتهاء الحرب نهضت جمعية القدماء من سبا تها، وانتخبت الجلسة العامة المنعقدة في 13 جوان 1919 هيئة جديدة برئاسة المؤرّخ حسن حسني عبد الوهاب، كما أصدرت الجمعية في أفريل 1920 مجلة ثقافية "المجلّة الصادقيّة" وأسندت إدارتها ورئاسة تحريرها إلى الشاعر محمد سعيد الخلصي، فلم يصدر منها سوى 3 أعداد، أحدها مزدوج، ثم توقّفت عن الصدور.ونظمت الجمعية عدة محاضرات، منها المحاضرة التي ألقاها أمير الشعراء محمد الشاذلي خزنه دار، بعنوان: "حياة الشعر وأطواره"، ومحاضرة شيخ الأدباء محمد العربي الكبادي حول المعتمد بن عبّاد. وفي جانفي 1924 انتخبت هيئة جديد ة برئاسة الأستاذ مصطفى الكعّاك الذي ظلّ على رأس الجمعية حتى سنة 1931. وتميّز نشاط الجمعية في تلك الفترة بالكثافة والتنوّع وإقبال المثقفين على النادي الجديد الكائن بنهج السيدة عجولة عدد 37، ثم انتقلت الجمعية في سنة 1926 إلى المقرّ الذي وضعته إدارة التعليم العمومي على ذمّتها الكائن بنهج دار الجلد عدد 13. ولعلّ أهمّ نشاط قامت به الهيئة هو إنشاء النادي الأدبي الذي أصبح يتردّد عليه الأدباء والشعراء ورجال الفكر لتبادل وجهات النظر حول أهمّ القضايا الأدبية والفكرية والفلسفيّة. ومن أشهر أعضاء النادي الأدبي عثمان الكعاك وأحمد العتكي وزين العابدين السنوسي ومحمد بن حسين ومصطفى آغة وأبو القاسم الشابي ومحمد الصالح المهيدي وبلحسن بن شعبان.

ومن أبرز المحاضرات التي ألقيت في تلك الفترة على منبر النادي الأدبي:

وكثيرا ما كانت تثير هذه المحاضرات جدلا بين المثقّفين والأدباء المحافظين والمجدّدين داخل النادي الأدبي وخارجه.

نشاط الجمعية من 1931 إلى 1934[عدّل]

لقد تداول على رئاسة جمعية قدماء المدرسة الصادقية من سنة 1931 إلى سنة 1934، ثلاثة رؤساء وهم:

واتّسم نشاط الجمعيّة في هذه الفترة بطابع سياسي وطني واضح، رغم أن القانون الأساسي للجمعية يمنع تعاطي النشاط السياسي، كما احتضنت جمعية القدماء منذ سنة 1932 جمعية الشبيبة المدرسية التي لم تسمح السلطة الاستعمارية بإنشائها فأصبحت فرعا تابعا لها، وتمكّنت من القيام بنشاط ثقافي مكثّف تجسّد في إلقاء محاضرات وتنظيم دروس تكميلية لفائدة تلامذة المعاهد الثانوية وإقامة معارض فنية وتكوين مكتبة عمومية وتنظيم رحلات داخل البلاد. وقد تداول على إدارة الشبيبة المدرسيّة الحبيب مبارك والباهي الأدغم وعمّار الدخلاوي والصادق المقدّم. ومن أعضائها البارزين الطيب سليم ومحمود المسعدي وعبد الوهاب بكير والطيب العنابي و محمد بكير.

نشاط الجمعية من 1934 إلى 1954[عدّل]

ولمّا انتخب المهند س الأستاذ محمد علي العنابي على رأس جمعية قدماء الصادقية في سنة 4391، أضاف إلى نشاطها العادي - وهو في إلقاء المحاضرات وتنظيم دروس التدارك لفائدة تلامذة المدرسة الصادقية - النشاط الذي تقوم به نوادي الاختصاص، وقد ارتفع عد دها من واحدإلى أربعة وهي:

1 - النادي الأدبي الذي واصل نشاطه السابق برئاسة عثمان الكعّاك.

2 - نادي البحوث الفلسفية برئاسة محمد علي العنابي

3 - نادي البحوث الاقتصادية برئاسة الطاهر صفر

4 - نادي البحوث التشريعية والقانونية برئاسة الهاشمي السبعي.

وبذلت هيئة الجمعية قصارى جهدها لاعانة الطلبة التونسيين بالخارج، إذ نظمت نصف شهر الطالب في سنة 1946 ويوم العلم سنة 1947، لجمع التبرّعات لفائدة الشبان التونسيين المغتربين خارج أرض الوطن لطلب العلم. ولما انتهت مهمّة الرئيس محمد علي العنابي سنة 1954، عوّضه الأستاذ الطيب السحباني الذي بقي على رأس الجمعية حتى سنة 1956 تاريخ استقلال البلاد. واعتبارا من ذلك التاريخ بدأ نشاط الجمعية يتقلّص ولم يبرز للعيان إلاّ في مناسبتين اثنتين: الاحتفال بمرور 50 سنة على تأسيس الجمعية، وذلك يوم 26 جانفي 1957 بإشراف الرئيس الحبيب بورقيبة، والمحاضرة التي ألقاها على منبر الجمعية عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في شهر جوان 1957 بعنوان "رحلة فنيّة". وإثر ذلك تعطّل نشاط الجمعية منذ مطلع الستّينات. ولم تستأنف الجمعية نشاطها إلاّ في غضون شهر أفريل 1987, بفضل جهود نخبة من قدماء أبناء المدرسة الصادقية الذين عقدوا العزم على بعث جمعيّتهم العريقة من مرقدها وتمكينها من مواصلة رسالتها السامية وتحقيق ما رسمه لها مؤسسوها من أهداف نبيلة.