الحبيب بورقيبة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1901 - 2000م]

الحبيب بورڤيبة

يختلف المؤرخون في تحديد تاريخ الميلاد الصحيح للزعيم الحبيب بورقيبة. فمنهم من يؤيّد ما أوردته الترجمة الرسمية التي تؤكد أنه وُلد يوم 3 أوت 1903، ومنهم من يفترض أنه ولد سنة 1901. ومهما يكن من أمر فهو يعدّ من مواليد بداية القرن العشرين في مسقط رأسه المنستير بالساحل التونسي. كان ينحدر من عائلة متوسطة، وكان آخرَ من أنجب أبواه، علي بورقيبة وفطوّمة خفشة، وكان له 4 إخوة و3 أخوات. ويفسّر حال هذه العائلة المتوسطة بما لحقها من ضرر وتفقير إثر مصادرة أملاك الجدّ، الحاج محمد بورقيبة، أثناء الحملة القمعية التي قادها الجنرال أحمد زروق ضدّ مدن الساحل المتحالفة مع علي بن غذاهم زعيم انْتفاضة سنة 1864.

وعندما بلغ الحبيب السادسة من عمره كان إخوته محمّد ومَحمّد ومحمود يقيمون بتونس العاصمة، فوجّهه والده إلى تونس سنة 1907 ليدرس بالفرع الابتدائي للمدرسة الصادقية. وكان شقيقه محمود تلميذا داخليا بالقسم الثانوي لهذه المدرسة. فأقام عند أخيه محمّد في مسكنه بتربة الباي ثم في نهج القرشاني. وبعد أن أحرز شهادة التعليم الابتدائي سنة 1913، واصل دراسته الثانوية بمعهد الصادقية حيث حصل على شهادة "البروفي العربي" (Brevet). ثم التحق بمعهد "كارنو" سنة 1921 حيث أحرز الجزء الأول من الباكالوريا سنة 1923ثم الجزء الثاني سنة 1924 بملاحظة حسن وهو دليل على نبوغه المبكّر، وإثر ذلك تحوّل إلى فرنسا لمواصلة دراسته العليا.

وفي بداية إقامته بباريس، التحق بكلية الحقوق ولم يقتصر اهتمامه العلمي على ذلك، بل أبدى شغفا بمحاضرات المستشرق الفرنسي الشهير وليام مرسي(William Marçais) حول الثقافة العربية التي كان يلقيها في جامعة السربون ومحاضرات الأستاذ جورج دوماس (Georges Dumas) حول علم النفس ودراسة الأعراض المرضية التي تعتري العقول، وكان يُلقيها صبيحة كلّ أحد بمستشفى سانت آن (Sainte Anne). وكانت فترة دراسته بباريس غنية بالأحداث والاكتشافات، فكان الطالب الحبيب بورقيبة من قرّاء الصحيفتين اليوميتين (L'œuvre ) (الإنجاز) و(Le Populaire)) (الشعبي) ومن المُعجبين بقُدرات الزعيم الراديكالي الفرنسي إدوار هريو (Edouard Herriot)، رئيس الحكومة الفرنسية – حكومة كتلة اليسار - التي تشكّلت حين فازت قائمات حزبيهما: الحزب الراديكالي والحزب الاشتراكي في الانتخابات التشريعية الفرنسية لسنة 1924. فقد كان هريو أستاذا مبرّزا في الآداب وخطيبا مهيبا يحذق فنيات المراوغة والارتجال. وكثيرا ما كان الشابّ الحبيب بورقيبة يتردّد على قاعة الجلسات بمجلس النواب للاستمتاع بمداخلاته. وفي الوقت نفسه كان لا يُهمل وسائل الترفيه الثقافية. فكان من روّاد المسرح لمشاهدة روائع الكوميديا الفرنسية: مسرحيات كرناي (Corneille) ومسرحية (Ruy Blas) لفكتور هوغو. وفي سنتي 1925 - 1926، تحسّنت وضعية الطالب بورقيبة الذي أصبح يسكن في غرفة بالحي الجامعي وتمكّن من التسجيل في المعهد الحرّ للعلوم السياسية.

وتعرّف وقتها إلى السيدة ماتيلد لوفراس (Mathilde Lefras) - وهي من أرامل الحرب العالمية الأولى - ووجد لديها الطمأنينة والاستقرار. وفي صائفة 1926، فقد والده وكان حاضرا مع كل إخوته عند وقوع هذا المصاب الذي أثّر فيه تأثيرا بالغا. ثم عاد إلى باريس ليستكمل دراسته ويستقبل وليده الحبيب الابن يوم 9 أفريل 1927، ويحرز في السنة نفسها الإجازة في الحقوق ثمّ ديبلوم العلوم السياسية، وعندئذ قرّر العودة إلى أرض الوطن في أوت 1927.

ولم يكن انخراطه في سلك المحامين بالعاصمة هيّنا في البداية. فقد اشتغل أوّلا في مكتب المحامي فابيان سيريي ثم بعد شهر ونصف استقبله المحامي فليكس شمّامة وشريكه بيتْرَا. وفي تلك الأثناء زاره وفد من جماعة المواطيس (بمجاز الباب) وعرضوا عليه الدفاع عنهم في قضية رفعوها ضدّ شيخ الزاوية البكرية الذي أراد طردهم من الوقف (الحُبس). وكان هذا النوع من القضايا لا تنظر فيه المحاكم العادية. وطلب فليكس شمّامة منه التخلي عنها كما رفض الاستمرار معه في العمل. فمدّ له الأستاذ صالح فرحات الذي كان أيضا محاميا وكاتبا مساعدا للحزب الحرّ الدستوري يد المساعدة إذ فتح له باب مكتبه لاستقبال حرفائه. وبعد ثلاثة أشهر، انتقل المحامي الشاب للعمل مع مكتب المحامي برنار سيبو (Bernard Sebault) بمبلغ ستمائة فرنك شهريا. فأحسّ بشيء من السّكينة والاطمئنان جعلاه يمدّد في فترة التدرّب بسنة أخرى، فأصبحت أربعة أعوام في حين أنّها في الأصل ثلاثة أعوام. وفي جويلية 1931، انتقل إلى مكتب خاصّ به في نهج باب سويقة عدد 158. ولعلّه من المفيد أن نتساءل كيف يكون أوّل عمل سياسي يقوم به هذا المحامي الشاب المتخرّج في الجامعة الفرنسية حديثا والمتزوّج بفرنسية هو الدفاع عن "الحجاب" الذي كانت ترتديه عامّة النساء التونسيات وقتئذ؟ وكان ذلك يوم الثلاثاء 8 جانفي 1929 يوم أن دعت جمعية أدبية فرنسية اسمها (L'essor) إلى محاضرة بعنوان "الحجاب" وكان أخوه محمد عضوا في هذه الجمعية ولم يتمكّن من الحضور، فحضر نيابة عنه وشارك في الحوار. وكانت من جملة المتكلّمين السيدة المنشاري التي صبّت جام غضبها على الحجاب وأزاحته في حركة مشهودة أمام الحاضرين. ونوّه بعض الفرنسيين بذلك وكان جلّهم من أنصار الحزب الاشتراكي الفرنسي. فانبرى المحامي الحبيب بورقيبة يتصدّى للحملة على الحجاب مبيّنا: "إن الحديث عن الحجاب ليس في محلّه، وقد يخلو الحجاب من طابع اللّطافة لكنه يعدّ جزءا من الشخصية التونسية". وقال أيضا: "إن الدولة المسيطرة (يعني فرنسا) تسعى إلى محق الشخصية وتروم فرنستها.وليس أسباب القوّة اليوم بأيدينا، والسّلطة خارجة عنّا بل ضدّنا. ولذلك وجب أن نتمسّك بجميع مظاهر شخصيتنا وإن كانت غير قويمة قصد الحفاظ على كياننا وصون ذاتيتنا، فليس لنا أن نترك الحجاب لأنّه رمز شخصيتنا". وكشف كذلك عن حقيقة نوايا الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي كان يدعو إلى محق الشخصية التونسية. فاحتدّ الجدال بين بورقيبة وزعماء الحزب الاشتراكي الفرنسي وانتقل إلى الصّحافة. وكتب بورقيبة بتاريخ 1 و23 فيفري 1929 مقاليْن بجريدة "اللواء التونسي" (L'Etendard tunisien) بعنوان الاشتراكية العرجاء"، ناقش فيهما موقف الاشتراكيين في تونس من الشخصية التونسية ومقوّماتها. وقد جرى هذا الجدل إثر إعلان موريس فيولات (Maurice Violette), والي الجزائر العام، أنّ إفريقيا الشمالية جزء من فرنسا لا يمكن أن تنسحب منها أو تتنازل عن شبر واحد فيها.

ويمكن تلخيص موقف بورقيبة من مسألة تطوّر المجتمع التونسي حينذاك، بأنّها قضية موكلة إلى ردح من الزمن: "فلنكن ما نحن عليه لكي نصبح ما سنؤول إليه". لأنّ القضية المستعجلة، الراهنة، سياسية. وهكذا كانت الصّحافة المنبر الأوّل للنشاط السياسي الذي كان يقوم به المحامي الحبيب بورقيبة. وبعد توقّف جريدة "اللواء التونسي"، اتفق مديرها الشاذلي خير الله مع أحد المتجنّسين بالجنسية الفرنسية (البشير ياسين) على إصدار جريدة باسم (La voix du Tunisien ) (صوت التونسي). وقد صدرت أسبوعية ابتداء من 26 مارس 1930 قبيل انعقاد المؤتمر الإفخارستي الذي التأم في شهر ماي واعتبره المسيحيّون والاستعماريّون حملة صليبية جديدة أخذت بثأر الملك الفرنسي لويس التاسع. ثمّ أصبحت يوميّة بعد أن أصدرت هيئة تحريرها المتركّبة من محمود الماطري والشاذلي الدامرجي والطاهر صفر ومحمّد بورقيبة والحبيب بورقيبة وبدر الدين والشاذلي خير الله، العدد الأوّل يوم 16 فيفري 1931.

وكانت في طليعة المساهمات الجديدة مقالات الأستاذ الحبيب بورقيبة. وكان أوّل مقال كتبه بعنوان "تطوّر الحماية" بتاريخ 23 فيفري 1931 حلّل فيه نظام الحماية مبيّنا فيه بطلان نظرية "أبدية الحماية" التي يحرص المسؤولون الفرنسيون على ترديدها، محلّلا المراحل التي وصل إليها التسيير الاستعماري المباشر الذي يتناقض مع مدلول الحماية ومفهومها. وبيّن أنّ كلّ معاهدة تحمل في طيّاتها أسباب انقراضها من جرّاء موضوعها نفسه، ذلك أن أيّ دولة لا يمكن أن تكون في آن واحد تابعة لغيرها وصاحبة سيادة. ولا بدّ أن يطرأ تطوّر من شأنه أن يكتسي إحدى صبغتين متعارضتين ليضع حدّا لهذا التناقض وأن هذا التناقض هو حالة فقدان الشعب لحيويّته فيؤول به الأمر إلى الانهيار والذوبان أو في حالة تيقّظه وصموده فيطوي المراحل في سبيل التطوّر إلى تحرّره النهائي". ويُنهي هذا المقال بهذا التساؤل: "وستكشف لنا الأيام إن كان الشعب التونسي من الصنف الأوّل أم من الصنف الثاني".

وبالاضافة إلى مقالاته الصحفية، كان ضمن الوفد الذي أرسلته جريدة "صوت التونسي" إلى فرنسا ليغطي أشغال مؤتمر "رابطة حقوق الانسان والمواطن" المنعقد في مدينة فيشي بفرنسا أيّام 23 - 25 ماي 1931. وكان الوفد يضمّ صديقيه الطاهر صفر والبحري قيڨة. لكن الجناح الوطني الراديكالي المتألّف من الحبيب بورقيبة والطاهر صفر والبحري قيڨة لم يستطع التعاون طويلا مع الشاذلي خير الله وبقية العناصر الاصلاحيّة. فغادر الحبيب بورقيبة ورفاقه "صوت التونسي" ليؤسسوا في أول نوفمبر 1932 صحيفة جديدة بالفرنسية كذلك، وهي "العمل التونسي" ( L'Action tunisienne ) التي كان عنوانها يدلّ على عزم أقوى وتصميم أشدّ. وكانت قضية تجنيس الأهالي التونسيين الشغل الشاغل للسلط الاستعمارية في تونس. وقد ثبت الحزب الحرّ الدستوري التونسي أمام كل المغريات والتحديات منذ بداية العشرينات. وكان لتفجّر أحداث التجنيس من جديد سنتي 1932 و1933 تأثير بالغ في الحركة الوطنية التونسية. والواقع أن جريدة "العمل التونسي" تصدّت بقوّة لقضية التجنيس وكشفت للرأي العام أحابيلها وما تخفيه من أبعاد سياسية لاستئصال أصالة البلاد ومقوّماتها. وهو ما جعلها تتبوّأ صدارة الدفاع عن حقوق الشعب التونسي وأصالته.

وفي الأثناء انعقد مؤتمر الحزب الحرّ الدستوري التونسي يومي 12 و13 ماي 1933 في منزل كائن بنهج الجبل في تونس العاصمة. وطغى على أشغاله جوّ من الحماسة والدعوة إلى تغيير أساليب العمل وتطعيم قيادة الحزب بعناصر شابّة. وأسفر عن قرارين مهمّين: إدخال جماعة "العمل التونسي" إلى اللجنة التنفيذية والمطالبة ببعث برلمان تونسي منتخب بالاقتراع العام، وتشكيل حكومة مسؤولة أمامه. وأصدرت سلط الحماية الأمر العلي المؤرخ في 6 ماي1933 الذي قنّن الرقابة الإدارية بالإيالة على غرار قانون النظام الأهلي بالجزائر. وكانت نتيجته قمع كلّ حركة مطلبيّة أو احتجاجية وتعطيل الصحافة الوطنية. وفي 9 سبتمبر 1933، استقال الحبيب بورقيبة من اللجنة التنفيذية بعد أن وجّهت إليه لوما شديدا لمشاركته في وفد من أعيان المنستير ذهب إلى قصر الباي للاحتجاج على موقف عامل المنستير الذي رخّص بدفن أبناء المتجنّسين في مقبرة المسلمين، وتبعه رفاقه تضامنا معه. وقد أصدروا إثر انفصالهم عن اللجنة التنفيذية بيانا مطوّلا إلى الشعب الدستورية بيّنوا فيه الأسباب التي أدّت إلى استقالة الحبيب بورقيبة ورفت البحري قيڨة واستقالة كلّ من محمود الماطري والطاهر صفر ومحمّد بورقيبة، وأعلنوا فيه أن الكثير من الشعب الدستورية لم توافق اللجنة التنفيذية على تلك الأعمال. ولهذا أصبح المطلوب من الشعب الدستورية الدعوة إلى "عقد مؤتمر نظامي في أقرب مدّة لفصل هاته الخلافات الداخلية وتقرير ما يلزم تقريره، وجعل نظام داخلي يكفل حياته". واستجابت أغلب الشعب للنداء، وبعثت بالرسائل للمطالبة بعقد المؤتمر. وتشكّلت لجنة وقتية لتحضيره، وعينت الحبيب بورقيبة كاتبا لها.

وبالرغم من الاستدعاءات الموجهة إليها لحضور المؤتمر الاستعجالي، أعلنت اللجنة التنفيذية رفضها. وبعثت إلى الشعب تحذيرها من أتباع "المنشقّين". وحضر المؤتمر أكثر من ستّين نائبا بنيابات قانونية من شعبهم ما عدا خمسة نوّاب قرّر المؤتمر قبولهم بمعارضة صوتين فقط. وخطب أوّلا الطاهر صفر مستعرضا نشأة الحزب وما اعتراه من خمول بعد هجرة رئيسه الشيخ عبد العزيز الثعالبي. وكانت الكلمة الختامية بعد مداخلات عدد من النوّاب لرئيس الجلسة المسائية الأستاذ الحبيب بورقيبة. وأسفر المؤتمر عن القرارات التالية:

  • (1) قرار بحلّ اللجنة التنفيذية تقدّم به محمد الحبيب بوقطفة نائب شعبة بنزرت.
  • (2) قرار برفت أعضاء اللجنة التنفيذية من الحزب تقدّم به بلحسن بن الحاج محمد بن جراد نائب شعبة ترنجة
  • (3) انتخاب مجلس ملّي مكوّن من عشرين عضوا
  • (4) انتخاب ديوان سياسي (بدل لجنة تنفيذية) مكوّن من خمسة أعضاء ووزّعت مهامهم على النحو التالي: محمود الماطري (رئيس)، الحبيب بورقيبة (كاتب عام)، الطاهر صفر (كاتب عام مساعد) ، محمد بورقيبة (أمين مال) ، البحري قيڨة (أمين مال مساعد). وتمّ ذلك بقصر هلال يوم 2 مارس 1934. وفي يوم 3 سبتمبر 1934،, سارع المقيم العام الفرنسي مارسال بيروطون الذي خلف كلود منصرون إلى قمع قادة حزب الدستور الجديد. فأبعد الزعيم الحبيب بورقيبة ورفاقه إلى برج البوف - برج بورقيبة حاليا في أقصى الجنوب التونسي.

ومن جهة أخرى منع بقرار مؤرّخ في غرة سبتمبر صدور جريدة الحزب "العمل" الناطقة باللغة العربية. وقد صمد الزعيم بورقيبة طيلة فترة إبعاده حتى انفجرت الأوضاع في مارس 1936 عندما أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية نقلة المقيم العام بيروطون بمثل خطّته إلى المغرب الأقصى، وتعيين أرمان غيّون مقيما عاما جديدا بتونس. وتدعّم موقف هذا المقيم العام إثر فوز قائمات "الجبهة الشعبية" اليسارية في الانتخابات التشريعية الفرنسية وتكوين حكومة ليون بلوم (Léon Blum).

وأدّى ذلك إلى إطلاق سراح المناضلين التونسيين المنفيين بالجنوب التونسي الذين واصلوا نضالهم ضدّ الاستعمار وخاصّة عملهم من أجل احترام تلك المعاهدات المبرمة بين البلدين التي أرست قواعد نظام الحماية الفرنسية بتونس. وأقبل الديوان السياسي من جديد على العمل والنضال من أجل تحقيق المطالب الوطنية، إلاّ أن تراجع الحكومة الفرنسية عن وعودها، بعد سقوط وزارة ليون بلوم، قد خيّبت آمال الدستوريين والشعب التونسي عامّة. فتوتّرت العلاقات بين الوطنيين وحكومة الحماية غداة المؤتمر الثاني للحزب الدستوري الجديد المنعقد في مدينة تونس بمقرّ الحزب الكائن في نهج التريبونال، وذلك من يوم 29 أكتوبر إلى يوم 2 نوفمبر 1937. وقد أعلن المؤتمر سحب ثقته من الحكومة الفرنسية بسبب نقضها لوعودها، ووافق على اللائحة العامة التي جاء فيها بالخصوص ما يلي:

"يصرّح الحزب بأن الغاية التي يعمل في سبيلها هي اليوم، كما كانت بالأمس، تحرير الشعب التونسي من الاستعباد السياسي والاستغلال الاقتصادي الذي ما انفكّ يكابد ويلاتهما. وهو يؤكد أن هذا التحرير الذي لا مناص منه يمكن أن يقع في كنف الهدوء والنظام والثقة المتبادلة بواسطة الشعب التونسي مع فرنسا الديمقراطية الحرّة...".

والجدير بالملاحظة أن المؤتمر قد أعاد انتخاب أعضاء الديوان السياسي الأول، ما عدا محمّد بورقيبة الذي كان قد انفصل عن الحزب بعد إطلاق سراحه من محتشد برج البوف. أما العضوان الجديدان فهما الدكتور سليمان بن سليمان والأستاذ صالح بن يوسف. وكان عدد المشاركين في المؤتمر حوالي 700 نائب.

وأمّا أعضاء المجلس الملّي، فقد صار عددهم تسعة وعشرين بعد أن كانوا عشرين عضوا. وأصبحت تشكيلة الديوان السياسي تتركّب من: محمود الماطري (رئيسا)، الحبيب بورقيبة(كاتبا عاما)، الطاهر صفر (كاتبا عاما مساعدا)، صالح بن يوسف (أمين مال)، البحري قيڨة (أمين مال مساعدا)، سليمان بن سليمان (ناظرا). وبعد مدّة أعرب الدكتور محمود الماطري عن رغبته في الاستقالة من رئاسة الحزب، ذاكرا بالخصوص حسب ما ورد في شهادة سليمان بن سليمان "أن السياسة ليست من إلهامه وأنه مارسها بحكم الصداقة التي تربطه ببورقيبة وأنه أعطى ما يمكن القيام به وخرج دون أضرار كبيرة من محنة برج البوف. وهو يريد أن يتحاشى القمع". ووافق الديوان السياسي المتركّب من بورقيبة والطاهر صفر وصالح بن يوسف وسليمان بن سليمان على هذا الطلب. وصدر نصّ الاستقالة في جريدة "العمل التونسي" يوم 13 جانفي 1938. وتأزّمت الأوضاع الداخلية وبلغت ذروتها يوم 9 أفريل 1938. ومن الغد حُلّ حزب الدستور الجديد واعتقل الزعيم الحبيب بورقيبة الذي وُجهت إليه تهمة التآمر على أمن الدولة الخارجي والداخلي وتحريض السكان على الحرب الأهلية. فزجّ به في السجن المدني ثم العسكري بباجة وتبرسق. وبعد ذلك نُقل إلى حصن سان نيكولا بفرنسا. وفي تلك الأثناء واصل رفاق الزعيم بورقيبة المقاومة بتونس في كنف السرية (الديوان السياسي الخامس ثمّ السادس...). وكان رفاق الزعيم بورقيبة المسجونون معه بحصن سان نيكولا هم: الهادي نويرة ومحمود بورقيبة وصالح بن يوسف والمنجي سليم وعلي البلهوان وسليمان بن سليمان. وفي أواخر سبتمبر 1941، قرّرت الادارة الفرنسية منحهم حقوق المساجين السياسيين. وإثر احتلال المنطقة الحرّة في فرنسا من قوّات المحور، نُقل المساجين إلى حصن (Montluc) في ليون ومن هناك نقلوا إلى قلعة فانسيا العسكرية.

وكان الفرنسيون يخشون اكتشاف الألمان للزعماء التونسيين، لا سيما أنّ لجنة الهدنة الألمانية الايطالية كانت تبحث عنهم. وكان من أهمّ ما يشغل بالهم أن تونس كانت محلّ تنافس، قبل أن تصبح تحت سيطرة المحور الفعلية ابتداء من نوفمبر 1942. فبادر الزعيم الحبيب بورقيبة إلى توجيه رسالة سريّة إلى الدكتور الحبيب ثامر الذي كان أيضا معتقلا بالسجن المدني في تونس إثر إلقاء القبض عليه من السلط الاستعمارية. وكانت هذه الرسالة المؤرّخة في 8 أوت 1942 تدعو إلى عدم اتباع المحور أو الانقياد إلى تيّاره، بل على الحزب أن يتّصل بأنصار الجنرال ديغول وممثلي الحلفاء الموجودين لا محالة بتونس.

واكتشفت السلط الألمانية المحتلة لجنوب فرنسا سجن الزعماء التونسيين وعجّلت بتخليصهم من قبضة الفرنسيين، فنقلوا إلى (Chalon-sur-Saone)، وفي جانفي 1943 إلى بلدة نيس ومن الغد إلى مدينة روما حيث بدأت الحكومة الايطالية تجسّ النبض وتجري المباحثات في شأن العلاقات بين تونس وإيطاليا وتأكيد التعاون بين الطرفين. ولكن موقف الزعيم بورقيبة في نهاية الحرب لم يتزعزع قيد أنملة. وظلّت إيطاليا تراوغ وتماطل في موعد عودته إلى تونس بمختلف التعلاّت في حين كان الشعب التونسي وملكه الوطني محمد المنصف باي يلحّون في المطالبة بعودة المغتربين. وهو ما جعل الحكومة الايطالية ترضخ في النهاية دون أن تنال من الزعيم بورقيبة مرغوبها. وكان ذلك بعد أن انكسرت واجهة المحور في خطّ مارث (1943) واتضح أنه لم يعد لقوات المحور طويل مقام بتونس. وتحدّد موعد العودة ليوم 7 أفريل 1943. وقبل ذلك بيوم، توجّه الزعيم بورقيبة بخطاب من إذاعة باري ضمخص بايطاليا إلى الشعب التونسي، ولم يشر فيه إلى دور المحور إلا بكلمة شكر ومجاملة على إطلاق سراح المعتقلين، وختم خطابه بإشارة واضحة إلى ما سيلاقيه الشعب من محن حتى يحقق عزّته وكرامته، قائلا: "كلمتي الأخيرة إلى الشعب أن لا يجرّه تيّار الفرح من أجل رفع كابوس الضغط ورجوع المجاهدين من أبنائه سالمين، إلى الظنّ بأن عهد الكفاح انتهى. بل الساعة تحتّم علينا شحذ العزائم والاستعداد لمجابهة عاصفة هوجاء يتضاءل أمامها كل ما مرّ بنا من خطوب ومحن. لكن النصر سيكون حليفنا في النهاية، ما دمنا واثقين من أن الله معنا، إن الله مع الصابرين". وعاد المبعدون يوم 6 أفريل، في حين وصل الزعيم الحبيب بورقيبة يوم 8 أفريل 1943. وكانت واجهة المحور تتأزّم من يوم إلى آخر.

وحاولت السلط الألمانية إقناع بورقيبة بضرورة التحوّل إلى روما أو برلين خشية انتقام الفرنسيين، ولكن دون جدوى. وقبل دخول الحلفاء مدينة تونس، اختفى الزعيم بورقيبة، ومن مخبئه في حيّ ترنجة بالعاصمة بادر بتوضيح موقفه وموقف الحزب من فرنسا والحلفاء. وفي 9 ماي 1943، أصدر بيانا أعرب فيه عن الابتهاج بانتصار الحلفاء وأكّد أن الحزب يدافع دوما عن الحرية والديمقراطية. ثم أصدر بيانا ثانيا بعنوان "في سبيل تكوين كتلة فرنسية تونسية"، لكن الجنرال جوان (المقيم العام بالنيابة) حال دون نشر البيانين في جريدة (Le Petit Matin)، لأن الساسة الفرنسيّين كانوا يريدون الانتقام من الحزب والقضاء عليه نهائيا. لكن القنصل الأمريكي هوكر دوليتل كان على علم بموقف الحبيب بورقيبة من المحور ومن الحلفاء وتدخّل لدى الجنرال جوان لتصحيح الوضع. وأذن له بمقابلة عدد من المسؤولين السياسيين الفرنسيين في الإقامة العامة. وقد أفضت تلك الاتصالات إلى طرح قضية ملف بورقيبة والسماح له بالظهور وكان ذلك يوم 7 جوان 1943. وفي الشهر نفسه، عيّن مقيم عام جديد هو الجنرال ماست (Mast) الذي امتاز عهده بالنفوذ المطلق الذي أصبح عليه الكاتب العام للحكومة بمقتضى الأمرين المؤرّخين في 21 جوان 1943 و17 مارس 1944.

وفي 28 مارس 1944، قدّم الزعيم بورقيبة الإقامة العامة مقترحات أولية لتخليص السيادة التونسية من شوائب الازدواجية، وذلك في رسالة وجهها إلى رئيس ديوان المقيم العام الجنرال ماست ذكّر فيها بالاجتماعين اللذين التأما بمنزله يومي 4 و20 مارس 1944 وشرح فيها القضية الوطنية وتطوّرها، ومواقف الحزب مدّة الحرب العالمية الثانية.

وتحرّكت القوى الوطنية مطالبة برجوع المنصف باي، وأقام الحزب تكتّلا وطنيا عُرف بلجنة الستين. وهو التكتّل الذي تولّدت عنه عدّةاجتماعات شارك فيها الحزبان الدستوريان الجديد والقديم والهيئات التونسية المنتخبة وهيئات التعليم والطلبة من زيتونيين ومدرسيّين. وانتهى الأمر بتصريح 30 أكتوبر 1944 الذي أعلن ضرورة الاعتراف بالاستقلال الداخلي للبلاد. ثمّ وقّعت عليه لجنة الستين في 22 فيفري 1945 وأصبح هذا التصريح يعتبر وثيقة أساسية لمطامح الشعب التونسي. وأسفر عن اتفاق جماعي يحدّد المطالب في الحكم الذاتي على أسس ديمقراطية على أن يضبط شكله مجلس تشريعي منبثق عن دستور تونسي.

وقرّر الديوان السياسي الموسّع للحزب الدستوري الجديد إيفاد الزعيم بورقيبة إلى المشرق العربي للتعريف بالقضية التونسية وكسب الأنصار لها، وخطط لتنفيذ العملية بكل سرية. وجازت الحيلة على الإقامة العامة التي شدّدت مراقبتها على تحرّكات الزعيم بورقيبة، لكنّه تمكّن رغم ذلك، صحبة المناضل خليفة حواص، من اجتياز كل العقبات والوصول إلى القاهرة بسلام عبر الحدود الليبية. ومن أهمّ المناشط التي قام بها بورقيبة إثر وصوله إلى القاهرة واستقراره بها، زيارته لأغلب أقطار المشرق العربي في فترات مختلفة مدّة إقامته هناك (1945 - 1949). فزار المملكة العربية السعودية والعراق والأردن وفلسطين وسوريا ولبنان، واتصل بقياداتها ورجالاتها معرّفا بالقضية التونسية. وبالإضافة إلى المكتب الخاص بالحزب الحرّ الدستوري وبالتعاون مع الوطنيين المغاربة والجزائريين، أنْشئَ أيضا مكتب المغرب العربي المشترك (فيفري 1947)، كما تعاون الزعيم بورقيبة مع الزعيم علاّل الفاسي إلى أن أنزل الأمير عبد الكريم الخطّابي لاجئا سياسيا بمصر أثناء عبوره قناة السويس من منفاه إلى فرنسا (ماي 1947). وتدخّل كذلك لدى الجامعة العربية ولدى تحسين العسكري الوزير المفوّض العراقي بالقاهرة، لتسليم جوازات سفر عربية إلى المناضلين الدستوريين الذين غادروا تونس قبيل انهزام المحور وهم: الدكتور الحبيب ثامر والطيب سليم والرشيد إدريس والهادي السعيدي وحسين التريكي، وقد كانوا مستقرّين بإسبانيا، والتأم الشمل في القاهرة منذ سنة 1946.

وفي ديسمبر 1946 تحوّل الزعيم بورقيبة إلى نيويورك للتعريف بالقضية التونسية في منظمة الامم المتحدة. وبفضل مساعدة هوكر دوليتل الذي أصبح قنصلا للولايات المتحدة الأمريكية في الاسكندرية، أمكن للزعيم بورقيبة الحصول على تأشيرة دخول. وساعده في محادثاته عند إقامته بالولايات المتحدة صلاح الدين بن عثمان (وهو تونسي مهاجر مستقرّ بنيويورك) وسيسيل حوراني مدير الوكالة العربية في واشنطن. وتعرف بالخصوص إلى مساعد وزير الخارجية الأمريكية دين اتشسن ولويس هندرسن، رئيس قسم الشرق الأدنى والشمال الإفريقي. وفي 22 جانفي 1947 ألقى محاضرة عن شمال إفريقيا بنادي الشرق في مدينة واشنطن حضرتها عدّة شخصيات عربية وأمريكية وموفدين من الصحف العالميّة صحافيين عالميين. وفي 8 سبتمبر 1949، رجع الزعيم بورقيبة إلى تونس. وبعد سلسلة من الاجتماعات الحزبية في مختلف الجهات بالبلاد (من النصف الثاني من سبتمبر 1949 إلى نهاية مارس 1950) تحوّل إلى فرنسا يوم 12 أفريل 1950 لكسب الأنصار داخل اليسار الفرنسي ولزيادة التعريف بالحركة الوطنية لدى الرأي العام الفرنسي. وعرض بالخصوص مشروع إصلاحات ذات سبع نقاط يرمي مجموعها إلى الحكم الذاتي. وهذه النقاط هي:

1 - بعث السلطة التنفيذية التونسية المؤتمنة على السيادة التونسية.

2 - تشكيل حكومة تونسية وطنية مسؤولة عن الأمن العام يرأسها وزير أكبر يعيّنه الباي ويتولى رئاسة مجلس الوزراء على نحو فعليّ.

3 - إلغاء خطة الكاتب العام للحكومة.

4 - إلغاء خطة المراقبين المدنيّين.

5 - إلغاء الجندرمة الفرنسية.

6 - إحداث بلديات منتخبة تمثل فيها المصالح الفرنسية حيث توجد أقليات من الفرنسيين.

7 - بعث مجلس وطني منتخب بالاقتراع العام تكون أولى مهامه إعداد دستور ديمقراطي يضبط العلاقات بين تونس وفرنسا على أساس احترام السيادة التونسية ومصالح فرنسا المشروعة.

وقد وجدت هذه المطالب صدى طيّبا في أوساط الحزب الاشتراكي الفرنسي والحركة الجمهورية الشعبية (P.R.M). وصرّح وزير الخارجية الفرنسي روبار شومان بمناسبة تعيين لويس برييي (Louis Périllier) مقيما عاما بتونس خلفا لجون مونص (Jean Mons) : "إن مهمة المقيم العام الجديد في تونس هي السير بالبلاد التونسية إلى الاستقلال". ولكن سرعان ما تراجع موضّحا أن المقصود بالاستقلال هو الحكم الذاتي. وفي 4 أوت 1950، صادق المجلس الملّي للحزب الدستوري الجديد على لائحة تخوّل للديوان السياسي "اختيار الحلول الواقعية التي تقتضيها الظروف، على أن تؤول في أمد معقول إلى إقرار الشكل الحكومي في البلاد على قاعدة سلطة تونسية قومية محرّرة من قيود كلّ تعقب أجنبي لأعمالها". وساند الزعيم بورقيبة مشاركة صالح بن يوسف في تكوين حكومة تفاوضية برئاسة محمد شنيق. وعُيّن الأمين العام للحزب وزيرا للعدل. ولتعزيز هذه المفاوضات، قام الزعيم بورقيبة بجولة في عدد من البلدان الاسيوية مجدّدا الاتصالات السابقة لدعم القضية التونسية، ثم اتجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن استمرّت مماطلة الحكومة الفرنسية وتباعدها عن التفاوض بتزايد ضغط كتلة "التفوّق" والأحزاب اليمينية الاستعمارية بإشراف زعيمهم أنطوان كولونا (Antoine Colonna). وفي 15 ديسمبر 1951 أعلنت الحكومة الفرنسية في مذكّرة تراجعها عن جميع تعهّداتها وأكدت "الصبغة النهائية للعلاقة التي تربط فرنسا بتونس". فسحب الزعيم بورقيبة ثقته من فرنسا وأعدّ البلاد للكفاح المسلّح وسعى إلى تدويل القضية التونسية بعرضها على منظمة الأمم المتحدة. وبلغت الأزمة التونسية الفرنسية ذروتها لمّا دعا الشعب التونسي إلى الصمود والكفاح والاستشهاد لكسب معركة التحرير.

الحبيب بورقيبة في منفاه بجزيرة جالطة

وما إن رجع بورقيبة من الخارج حتى ألقي عليه القبض يوم 18 جانفي 1952 مع مجموعة من المناضلين. وقد أُبعد في أول الأمر إلى طبرقة ومنها إلى الجنوب ثم إلى جزيرة جالطة التي قضّى بها عامين في عزلة تامة، لكن دون أن تنقطع صلته بالمناضلين الوطنيين الذين كان يدعوهم دوما إلى مواصلة الكفاح والصمود أمام المستعمر. واعتمد المقيم العام دي هوتكلوك سياسة القبضة الحديدية ضدّ المناضلين الوطنيين التونسيين، فاستشهد يوم 5 ديسمبر 1952 الزعيم النقابي فرحات حشاد، وقد اغتالته عصابة اليد الحمراء الارهابية التي اغتالت أيضا عدّة مناضلين دستوريين وفي مقدمتهم الزعيم الهادي شاكر الذي استشهد يوم 13 سبتمبر 1953. ونُقل الزعيم بورقيبة إلى جزيرة Groix الفرنسية بالمحيط الأطلسي (4 مارس 1954) وذلك إثر إصلاحات المقيم العام بيار فوزار (Pierre Voizard) وظلّ الزعيم بورقيبة يتابع تطوّر الحركة التحريرية من منفاه.

وعندما أصبح الراديكالي المتحرّر منداس فرانس رئيسا للحكومة الفرنسية في 18 جوان 1954، أخذ بآراء بورقيبة. وبعد أن سوّى قضية الفيتنام في مؤتمر جنيف، قدم إلى تونس وأعلن بقرطاج أمام الأمين الباي اعتراف حكومة باريس باستقلال تونس الداخلي (خطاب 31 جويلية 1954). وفي اليوم نفسه، صرّح الزعيم بورقيبة لوكالة الأنباء الفرنسية مبيّنا بالخصوص: إن هذه الاقتراحات تعتبر مهمّة وحاسمة في الطريق المؤدية إلى إرجاع السيادة التونسية كاملة غير منقوصة. ويبقى الاستقلال المثل الأعلى للشعب التونسي إلاّ أنّ السير نحو هذا الاستقلال لن يكتسي في المستقبل صبغة الكفاح بين الشعب التونسي وفرنسا، بل سيتمّ بواسطة اتفاقيات وتعديلات بين الحكومة التونسية والحكومة الفرنسية، تنجز في جوّ من الثقة المتبادلة والصداقة. وفي 15 أوت 1954، أصدر المجلس الملّي المتسع لائحة جاء فيه ما يلي: "إن المجلس يبعث بتحياته الخالصة إلى رئيسه الجليل الأستاذ الحبيب بورقيبة زارع الروح الوطنية في الشعب، ومُحيي فيه روح التضحية في سبيل عزّة الوطن وسعادة الشعب، ويعبّر له عن تعلّق الحزب بشخصه، وبالمبادئ السياسية التي غرسها في الأمة التونسية، ويؤكّد عزمه على مواصلة الكفاح قُدُما تحت قيادته في سبيل المرامي القومية للشعب التونسي". وكانت الحكومة التفاوضية قد تشكّلت يوم 8 أوت برئاسة الوزير الأكبر الطاهر بن عمّار وضمّت أربعة وزراء من الحزب الحرّ الدستوري الجديد: المنجي سليم ومحمد المصمودي والصادق المقدّم والهادي نويرة.

وكان دور الزعيم بورقيبة حاسما في إقناع المسلحين التونسيين للخروج من معاقلهم وتسليم سلاحهم (من 1 إلى 10 ديسمبر 1954) مقابل حصولهم على "وثيقة أمان" من المقيم العام Boyer de la tour . وفي الأثناء، اندلعت الثورة المسلّحة التحريرية بالجزائر (أول نوفمبر 1954).

عودة الحبيب بورقيبة إلى تونس غرة جوان 1955

وهو ما أسهم بقسط وافر في سقوط حكومة منداس فرانس يوم 5 فيفري 1955. ولكن المفاوضات التونسية الفرنسية تواصلت بعد تكوين حكومة إدغار فور Edgar Faure. وكان رئيس الحكومة الفرنسية الجديد مطّلعا على خفايا القضية التونسية. فاستقبل الحبيب بورقيبة رسميّا في قصر ماتينيون يوم 21 أفريل 1955 ثم استقبله مرّة ثانية قبل عودته إلى أرض الوطن يوم غرّة جوان 1955. وكان الاتفاق على أن لا تتجاوز المفاوضات التونسية الفرنسية حول الاستقلال الداخلي يوم 30 ماي. وبالفعل وُقع على الاتفاقيات بالأحرف الأولى يوم 29 ماي ثم وُقع عليها رسميا يوم 3 جوان 1955 في باريس. وصادق عليها الباي يوم 27 أوت 1955، ونُشرت في الرائد الرسمي التونسي. وفي غرّة جوان 1955 رجع الزعيم الحبيب بورقيبة إلى تونس، فاستقبلته الجماهير الشعبية الغفيرة استقبال الأبطال المظفرين. وفي 13 سبتمبر 1955، رجع الزعيم صالح بن يوسف الأمين العام للحزب الدستوري الجديد من القاهرة، وخُصّ هو أيضا باستقبال شعبي، إلاّ أن خلافا حادّا نشب بين الزعيمين. ففي نظر صالح بن يوسف يعتبر الاستقلال الداخلي خطوة إلى الوراء، في حين يرى بورقيبة أن استقلالا منقوصا خير من استعباد كامل وأن ذلك الاستقلال الدّاخلي سيؤدّي حتما إلى الاستقلال التّام. وقد حُسم الخلاف لفائدة بورقيبة في مؤتمر الحزب الدستوري الجديد المنعقد بصفاقس في 15 نوفمبر 1955.

وحصلت اصطدامات دموية بين أنصار الطرفين، استشهد فيها عدد من الوطنيين المخلصين. وبعد بضعة أشهر، ساعد مجرى التاريخ الحكومة التونسية (المعارضة اليوسفية وثورة الجزائر ومنح الاستقلال للمغرب الأقصى)على المطالبة بالاستقلال التام. فقد باشرت حكومة الطاهر بن عمّار الثانية (17 سبتمبر 1955) المفاوضات التي انتهت بإبرام بروتوكول 20 مارس 1956. وفي 25 مارس، انتخب التونسيون المجلس القومي التأسيسي برئاسة الزعيم الحبيب بورقيبة. وفي 14 أفريل كلّف الباي رئيس المجلس التأسيسي بتكوين أوّل حكومة في عهد تونس المستقلة. وفي 25 جويلية 1957، أعلن المجلس قيام الجمهورية وإلغاء الملكيّة وعيّن الزعيم الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية.

ومنذ ذلك التاريخ، أنجز الرئيس بورقيبة إصلاحات عدّة لارساء دولة عصرية واستكمال السيادة الوطنية (تحقيق الجلاء العسكري 15 أكتوبر 1961، وتأميم الأراضي الزراعية في 12 ماي 1964) وتحديث المجتمع: إصلاح التعليم وإصدار مجلة الأحوال الشخصية التي منعت تعدّد الزوجات وأقرّت المساواة بين الرجل والمرأة والزواج المبني على موافقة الزوجين والطلاق عن طريق القضاء إلخ... وقد حاول بورقيبة تحديث المجتمع التونسي رغم ما أثاره ذلك من ردود فعل مختلفة، مستعينا في ذلك بنفوذه الأدبي المستمدّ من دوره التاريخي. ومن أهمّ الاصلاحات مضاعفة عدد التلامذة 10 مرّات في ظرف 10 سنوات بفضل سياسة تعميم التعليم الفريدة من نوعها في العالم الثالث، وكذلك التحكم في السياسة الانجابيّة وإدماج المرأة في المجتمع وتمكينها من حقّ الانتخابات منذ سنة 1957.

وفي مؤتمر الحزب المنعقد في بنزرت سنة 1964، تقرّر اعتماد ثلاثة قطاعات في الميدان الاقتصادي: القطاع العمومي والقطاع الخاص والقطاع التعاضدي. ولكن السياسة الاقتصادية الكليانية (التّعاضد الفلاحي والتجاري بالخصوص) التي شملت جميع القطاعات فشلت في آخر الأمر. وهو ما حدا بالرئيس بورقيبة إلى إقالة أحمد بن صالح، وزير التخطيط والمالية والاقتصاد، وإحالته على القضاء، باعتباره المسؤول الأوّل عن فشل تلك السياسة، حسب رأي الرئيس وأعضاده. وإثر وقفة التأمّل التي دامت من سنة 1969 إلى أواخر 1970، عيّن الهادي نويرة (محافظ البنك المركزي، عهدئذ، والعضو في الديوان السياسي للحزب) وزيرا أوّل خلفا للسيد الباهي الأدغم الذي اضطلع بمهام كاتب دولة للرئاسة منذ تكوين أول حكومة في عهد الاستقلال. وفي 11 أكتوبر 1971 تبنت أغلبية القواعد في مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري المنعقد بالمنستير توجهات ليبرالية ديمقراطيّة لم يقبلها بورقيبة الذي قرّر عقد مؤتمر جديد للحزب في المنستير (مؤتمر الوضوح) يوم 15 سبتمبر 1974. واقترح المؤتمر تحوير الدستور لتمكين بورقيبة من رئاسة الجمهورية مدى الحياة، فوافق مجلس الأمة على هذا الاقتراح. ولئن مكنت السياسة الاقتصادية الليبرالية التي اعتمدتها حكومة السيد الهادي نويرة من تحقيق نهضة اقتصادية ملحوظة فإنّها لم تحم البلاد من بعض الهزّات السياسية والاجتماعية المحدودة الاتّساع.

وإثر تخلّي الهادي نويرة عن مهامه لأسباب صحية، عُوّض بمحمد مزالي. غير أن الوضع بدأ يتدهور في القصر الرئاسي: إذ انفصل الرئيس بورقيبة عن زوجته وسيلة ذات النفوذ الكبير وأبعد ابنه وكاتبه الخاص ثم أقال وزيره الأوّل وعوّضه بالسيّد رشيد صفر ابن المناضل الطاهر صفر، كما أدخل تحويرات متتابعة على الحكومة. وانتهى به الأمر إلى إعفاء الوزير الأول رشيد صفر من مهامه، وتعويضه بزين العابدين بن علي الذي كان آنذاك وزيرا للداخلية. وفي 7 نوفمبر 1987، قرّر الوزير الأول زين العابدين بن علي إقالة رئيس الجمهورية والحلول محلّه على رأس الدولة.

توفي الحبيب بورقيبة يوم 6 أفريل سنة 2000، وهبّت الجماهير بكل تلقائيّة لتشييع جنازة رجل تعتبره - رغم بعض أخطائه - علامة مضيئة في تاريخ تونس على مرّ العصور.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • الصياح محمد، الحبيب بورقيبة يؤسس الدولة الجديدة، تعريب علي الشنوفي، دار العمل، تونس،1986.
  • Bessis Habib et Belhassen S, Bourguiba,Paris,Jeune Afrique,1977
  • Kraiem Mustapha, Etat et Société dans la Tunisie Bourguibienne,Tunis,2011