تبرسق

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

تقع تبرسق على الطريق الرئيسة الرابطة منذ القديم بين تونس والكاف على بعد 100 كلم عن العاصمة، وعلى سفح جبل الرحمة نسبة إلى ولي صالح يعلوه. وتبرسق اليوم هي وريثة (Thubursicumbure) حسب ما تشهد به آثارها القديمة ونقائشها المتناثرة في المعالم القديمة والحديثة. والملاحظ أنّ الرحالة الذين زاروا تبرسق لم يعثروا على ما يشفي الغليل من الآثار المساعدة على كتابة تاريخ المدينة منذ القديم، لأنه لم يعد يظهر منها غير بقايا جدران القلعة البيزنطية المخمسة وأجزاء من أسوار المدينة العتيقة، وقد لاصقتها المنازل الجديدة من الداخل والخارج حتى إنّه لا يمكن تتبّع تلك الأسوار، فيما بقي منها، إلاّ بالمشي على السطوح المجاورة. وقد وصف قوكلير (P.Gauckler) القلعة البيزنطية فقال إنّها تأسّست في نهاية ق 6 م. في عهد جوستين الثاني (Justin II) ويبلغ ارتفاع جدرانها 7 أمتار، وقد نقل النقيشة المؤرخة لها قيران (Guérin) و(Cagnat)و(Saladin) ثم (Ch.Tissot). ولم يعثر أيّ من هؤلاء الرحالة على معالم عتيقة أخرى سوى القلعة المذكورة التي احتضنت بابين عظيمين من أبواب تبرسق الرومانية أدْمجَا في أسوار القلعة مع بقايا أثرية رومانيّة وبعض التيجان العتيقة الموظفة في مبنى الجامع الكبير ومساجد المدينة. وقد أشار إلى بعضها الدكتور كارتون (Dr.Carton) مثلما ذكر قيران من قبل المقطع الحجري في عدّة نقاط من جبل سيدي رحمة حيث اقتلعت الأحجار لبناء تبرسق الرومانية.

وإذا كنّا لا نعرف كثيرا عن الحياة الاقصادية في تبرسق القديمة، فإنّ موقعها الطبيعي في أرض خصبة ذات عيون وأنهار جارية اعتمادها أساسا على الفلاحة وتربية الماشية، كما هو شأنها اليوم. وفي تبرسق عثر الملازم رافار (Ravard)، سنة 1896م، على قبر بوني به تحف جنائزية، منها أربع قطع نقدية، كما عثر في سنة 1904م على كنز، به حوالي ألف قطعة نقدية برنزية. وكشف فضلا عن ذلك في قبر محارب روماني على عدّة قطع جنائزيّة من فخار وبرنز يحمل بعضها صور الإله مركور (Mercure) وحصان بحري. وهناك مقبرة رومانية خلف معصرة كسّار (Cassar), بالاضافة إلى التّابوتين المكتشفين قرب المدينة. وتدلّ دراسة هذه الآثار المقبريّة على تداخل العناصر الحضارية الثلاثة المكوّنة لثقافة تبرسق، وهي العنصر اللوبي، والعنصر البوني، والعنصر الروماني، كما تدلّ على أنّ تبرسق القديمة لم تكن مجرّد قرية فلاحية بل كان لها نظام بلدي ومؤسسات دينية ومَدَنيّة من معابد وملعب وحمامات. وتدلّ النقائش على ارتفاعها إلى رتبة بلدية بين سنتي 209 و219م. ثمّ أصبحت مستعمرة رومانية سنة 261م، كما تدلّ المشاهد القبرية على وجود معبد للإله ساتورن (Saturne) وعلى عبادة قديمة للآلاهة تانيت (Tanit). ومعروف أنّ بعض نصب تبرسق نقلت إلى متحف باردو، وعرضت بعض القطع الأثرية اليوم في فضاء الجانب المرئي من أسوار المدينة وقلعتها البيزنطية. وإضافة إلى هذا عثر في تبرسق على مجموعة مهمّة من شواهد القبور، عندما حفرت أُسس دار الشعب سنة 1965م، في الكنيسة المهجورة التي كان شيّدها الآباء البيض في عهد الاستعمار الفرنسي بأعلى ربوة طاحونة الريح. وقد اعتنى الباحث حسين فنطر بدراستها وتصنيفها ما بين مشاهد مكتوبة باللاتينيّة وأخرى مكتوبة بالبونية الجديدة. وقد نقلت إلى المعهد الوطني للتراث. ويبدو أن الموقع الذي وجدت فيه هذه الشّواهد إنما كان يستمدّ قداسته منذ العصور القديمة لاحتضانه معبدا للإله بعل، وكانت تقدّم إليه القرابين البشرية أو ما يعوّضها على سنّة إبراهيم.وقد ذكرت في بعض الشواهد عبارة من العهد القديم، كما تدلّ تلك المشاهد بكتابتها وصورها على بداية رومنة المدينة، تشهد بذلك الأسماء الرومانية التي عوّضت أسماء الأعلام البربرية أو الفينيقيّة. لم تذكر تبرسق بهذا الاسم في الحقبة الأولى من عصر الاسلام الكلاسيكي، وذلك لابتعادها عن الطّرق الكبرى الموصلة إلى مدينة القيروان. ونظرا إلى وقوعها على طول المسلك الرّابط بين تونس والأربس، حظيت باهتمام متزايد. فذُكرت في أثناء أحداث سنة 795هـ/1392م الحاصلة بين تبرسق وبونة.

واستقرّت بها جالية مغربية في العصر الموحّدي. وتعزّز حضورها في العهد الحفصي، بأن أضحت مركزا مهمّا، عيّن على رأسه عامل وقاض. ولم يقتصر تعميرها على الحصن البيزنطي الذي يمسح 1.76 هكتارًا. إنّما امتدّت من جهة الشّمال، في العصر الموحّدي والحفصي، ونشأت قرية ملاصقة للحصن.