الحبيب ثامر

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1909 - 1949م]

الحبيب ثامر

محمد الحبيب بن بلحسن بن علالة ثامر. ولد في تونس يوم 4 أفريل 1909. زاول دراسته الابتدائيّة والثانويّة بالمدرسة الصادقية ثمّ بمعهد كارنو حيث حصل على شهادة الباكالوريا وتحوّل سنة 1929 إلى تولوز ثمّ باريس لمواصلة دراسته العليا بكليّة الطبّ وتخصّص في فنّ الطبّ الاجتماعي. يعدّ مهندس المقاومة المسلّحة ضدّ الاستعمار الفرنسي ومن دعاة بناء صرح المغرب العربي. ولعلّ نشاطه الحثيث المتواصل ضمن "جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا" في الثّلاثينات يفسّر الكثير من ملامح مسيرته.فقد كان له حضور مكثّف في أشغال مؤتمرات هذه الجمعية وكان من عناصرها المسيّرة والمشعّة. فقد انتخب على التوالي:

  • كاتبا عاما: السنة الجامعية: 1931 - 1932.
  • رئيسا مساعدا: السّنة الجامعية: 1933 - 1934.
  • رئيسا: السّنة الجامعية: 1934 - 1935.
  • رئيسا مساعدا: السّنة الجامعية: 1935 - 1936.
  • رئيسا: السّنة الجامعية: 1936 - 1937.

وقد كانت هذه الجمعية التي تأسّست سنة 1927 تهدف إلى توثيق علاقات الأخوّة والتّضامن بين طلبة المغرب العربي المزاولين دراستهم في الجامعات الفرنسية الذين سيصبحون في كلّ من المغرب الأقصى والجزائر وتونس، العمود الفقري للنّخبة الوطنية قبل الاستقلال وبعده. فقد كان لتحوّلات بلدان المغرب العربي الاجتماعية والاقتصادية والثّقافية والسّياسية (أزمة الثلاثينات) وقْعٌ عميق لدى هذه النخبة، ولم يكن عفويا انشغال الطالب الحبيب ثامر بخطر الوضع العام في تونس زمن المقيميْن العامّين: كلود منصرون Claude Manceron(1933 - 1929) ومارسال بيروطون Marcel Peyrouton(1936 - 1933). فقد كانت البلاد مهدّدة في كيانها ومستهدفة في هويتها العربية الاسلامية (تنظيم المؤتمر الافخارستي بقرطاج سنة 1930، الاحتفال بخمسينية الحماية سنة 1931، حوادث التجنيس سنة 1933.).

وكان موقف الطالب الحبيب ثامر جليّا في مداخلته حول "حالة التعليم والتربية بالمدارس الابتدائية بتونس" أثناء أشغال مؤتمر "جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين" الثاني المنعقد بالجزائر سنة 1932. فقد وصف حالة التردّي التي كان عليها تدريس اللّغة العربية والتاريخ الوطني مبيّنا إهمال السّلطة الاستعمارية شؤون الأهالي، كما أصدر ثامر مقالا مطوّلا بعنوان: زوبعة في تونس (Tempête sur la Tunisie) في مجلّة "المغرب" Maghreb الفرنسية ذات التوجّه الاشتراكي المتعاطف مع حركات التحرّر في بلدان المغرب التي كان يديرها المحامي جان روبار لونقي Jean Robert Longuet انتقد فيه بشدّة تجاوزات السّلطة الاستعمارية وانعكاساتها السلبيّة على الشّعب التّونسي. وكان ذلك إثر الحملة القمعية التي شنّها المقيم العام ضدّ الوطنيين في سبتمبر 1934 ("المغرب"، عدد 25 - 26/سبتمبر أكتوبر 1934). وأثار خطابه في افتتاح أشغال المؤتمر الخامس لجمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين المنعقد بتلمسان (سبتمبر 1935) احتجاج السّلطة الفرنسية. وفي الوقت نفسه، كان الطالب ثامر من المؤيّدين الأول لبعث شعبة طالبية دستورية بباريس سرعان ما أصبح "رئيسها وقلبها النابض وباني هيكلها" سنة 1938، إثر رجوع رفيقه الهادي نويرة إلى تونس. فقد عمل على توطيد الصّلة بالطلبة العرب المشارقة من جهة وبالحركة الوطنية السّورية من جهة أخرى.

وفي 22 نوفمبر 1938، رجع الحبيب ثامر إلى أرض الوطن بعد أن أحرز شهادة الدكتوراه في الطب وفتح عيادته في حيّ باب سويقة الشّعبي. ووجد البلاد مازالت تضمّد جراحها إثر الأحداث الدّامية التي جرت في شهر أفريل من السنة المذكورة وما تبعها من قمع رهيب. فانضمّ في الحين إلى لجنة المقاومة الوطنية الدستورية السرّية التي كانت تتولّى تسييرها مجموعة الديوان السّياسي الخامس. وكان الحزب قد كوّن لجنة المقاومة هذه للقيام بعمليات تخريب ابتداء من أواسط سنة 1939. ومن أشهر أعمال هذه اللجنة السرية إحراق إدارة البريد المركزية بقلب العاصمة، وعملية التفجير بثكنة القصبة العسكرية وقطع خطوط الهاتف في كثير من الأماكن الاستراتيجية. وكانت المقاومة تستهدف في الأساس خطوط المواصلات والمنشآت الاقتصادية وتجهيزات الموانئ. كما كانت توزّع المناشير وتحرّض المجنّدين على العصيان، من ذلك حصول تمرّد في ثكنة القيروان خلال سبتمبر 1939. ونشطت الجندرمة الاستعمارية في تطويق الحركة السريّة ومطاردة أفرادها وتمكّنت من القبض على مجموعة الديوان السّياسي الخامس (نوفمبر 1939 - جانفي 1940). فأصدرت السلطة الاستعمارية ضدّها أحكاما قاسية تتراوح بين الأشغال الشاقة والسجن مع خطايا مالية مختلفة (14 فيفري - جويلية 1940). وكان نصيب قادة لجنة المقاومة - وعددهم أحد عشر شخصا - الحكم بالاعدام الذي أبدل بالأشغال الشاقة المؤبّدة بمقتضى أمر صادر عن رئيس الدّولة الفرنسية آنذاك المارشال بيتان (Pétain) بتاريخ 9 جانفي 1941. ولم تتمكّن الحملة القمعية الشّديدة من القضاء على روح المقاومة فانتقلت إلى الديوان السياسي السادس بقيادة الدكتور الحبيب ثامر. فكان هذا المناضل الكبير مع نحافة جسمه ولطف محيّاه ودماثة أخلاقه ركنا لا تزلزله تهديدات الجنرال بلان (Blanc) قائد جيوش الاحتلال. فقد حمّله تبعة كل حادث يقع مدّة الحرب من الوطنيين مهدّدا إيّاه بالاعدام إن لم يستكن هو ورفاقه.

واشتدّت حرب المناشير في النّصف الثاني من سنة 1938 وتعدّدت المظاهرات في جهات مختلفة من البلاد. وفي يوم 12 جويلية 1940، قاد الدكتور الحبيب ثامر وفدا أمام قصر الباي للمطالبة بإطلاق سراح المساجين وتلبية المطالب الوطنية. فألقي عليه القبض مع عدد من المتظاهرين ولم يُفرج عنهم إلاّ بعد أن قضّوا 22 يوما في السّجن. وانكشف أمر الديوان السياسي السادس، فحاول الدكتور ثامر صحبة رفيقه وقريبه الطيب سليم اجتياز الحدود اللّيبية إلاّ أنهما وقعا في الأسر يوم 21 جانفي 1941، وأحيلا على المحكمة العسكرية الفرنسية التي أصدرت في شأنهما يوم 27 فيفري 1942 حكما بالسجن لمدّة عشرين سنة.

وبعد ارتقاء محمد المنصف باي العرش الحسيني يوم 19 جوان 1942، طالب الحكومة الفرنسية بإطلاق سراح المساجين السياسيين كافّة وحيثما كانوا، ولكنّ السّلطة الاستعمارية لم تستجب لرغبته. فاغتنم المعتقلون الوطنيون القابعون بالسجن المدني بتونس فرصة نزول القوّات الألمانية بالبلاد التونسية لتنظيم مظاهرة يوم 14 نوفمبر 1942 بقيادة الدكتور ثامر وحاولوا اقتحام أبواب السّجن عنوة، فاستشهد أربعة منهم.وكان الدكتور ثامر على اتصال سرّي بما يحدث خارج السجن عن طريق المناضل جلّولي فارس. فوصلته في نطاق السّرية التامّة رسالة الزعيم بورقيبة المؤرخة في 8 أوت 1942 التي دعا فيها إلى عدم اتباع المحور أو الانقياد إلى تيّاره بل على الحزب أن يتّصل بأنصار الجنرال ديغول والحلفاء.

وفي يوم 1 ديسمبر 1942، بادر المقيم العام الأميرال بيار استفا (Pierre Esteva) بإطلاق سراح جميع المساجين السّياسيين بتونس في محاولة لسحب البساط من تحت السّلط الألمانية والمنصف باي. وكان لاحتلال قوّات المحور الشّطر الشّرقي من البلاد التونسية الأثر المباشر في إضعاف السلطة الاستعمارية. وهو ما مكّن الدكتور ثامر ورفاقه من إعادة النشاط إلى التشكيلات الحزبية. فجدّدت الشّعب وغذيّت الرّوح الوطنية. ولم يكن الدكتور ثامر بمعزل عن الضغوط التي سلّطتها القوات الألمانية لاقحام الحزب في صفّ المحور لكنه "ثبت واستمرّ طوال مدّة الاحتلال في جهاد مستميت وسهر على مصلحة الأمّة بتجرّد وإخلاص ونزاهة". وأصدر ثامر ورفاقه "إفريقيا الفتاة" الجريدة اليومية الوحيدة المرخّص لها بالصدور باللغة العربية في تلك الفترة بداية من 2 جانفي 1943. وأوضح الدكتور ثامر سياسة الحزب في بيان أصدره يوم 11 جانفي 1943 تحت الضّغط الفرنسي الألماني المزدوج: "لقد صارت "إفريقيا الفتاة" ابتداء من اليوم لسان الحزب الحرّ الدّستوري وهي إنّما تعبّر عن رغائب الشّعب التّونسي كافّة، تلك الرغائب الشرعية التي طالما أزر من أجلها زعماءه في كلّ المناسبات. ولا غرو أن كانت غايتنا الأولى لمّ شتات الأمّة وتنسيق الجهود لانقاذها من التقهقر والانحطاط حتى تأخذ بالحظّ الأوفر في الحياة. إنّ وحدة المغرب العربي واستقلاله لهما الهدف الذي ترمي إليه. غير أنّ الظروف الحالية وما أدخلته من الخلل على الحياة العامّة من النّواحي الادارية والاقتصادية والاجتماعية تملي علينا بصفة أكيدة أن نسهر بأنفسنا على مصلحة البلاد وأن نعمل بأيدينا على القيام بالادارة وتنظيم الأمور الاقتصادية وتلافي كل حدث اجتماعي ناشئ عن الأحوال العصيبة الراهنة. لكن لا غايتنا البعيدة تلك ولا غايتنا الأكيدة هذه تُحقّق إذا نحن تغافلنا عن مقاومة الأمراض الاجتماعية التي كادت أن تؤدّي بأمّتنا إلى الاضمحلال فلا بدّ لنا أن نقضي على العقلية القديمة بما فيها من خمول وجبن والابتعاد على كلّ أمر وراءه مسؤولية. وإلى ذلك كلّه فستقوم جريدتنا ببثّ فكرة التّضامن الاجتماعي وتشجيع المؤسسات التعاونية كالهلال الأحمر والجمعيات الخيرية.وللقيام بهذه المهمات، فإننا نحتاج إلى كامل جهود العناصر الحيّة في البلاد. ولن ندع جانبا شبيبة البلاد حتى تأخذ بقسطها من العمل وتشعر بواجب الوقوف في صفوف الكفاح.وهذا الشباب الذي يرتكز عليه بناء هيكل المستقبل يجب أن يكون متّحدا منظمّا مطيعا لأوامر الحزب. فهلمّوا إلى الالتفاف حول جريدتكم ورجال حزبكم التفافا يتطلّبه منكم الواجب وتحتّمه عليكم الظروف". الحبيب ثامر، رئيس الحزب الحرّ الدستوري التونسي.

وتواصلت مبادرات الدكتور ثامر عبر افتتاحيات الجريدة ناشدة حفز الهمم وساعية إلى ترسيخ فكرة حقّ الشعوب في تقرير مصيرها: "أنرضى أن يكون مستقبلنا تلعب به أيدي الصّدف من غير أن نسعى في توجيهه نحو السبيل التي نبتغي؟ أنستكين ونرضى بالقيود والناس تشتري الحياة بأرواحهم؟". وبذل الدكتور ثامر قصارى جهده حتى لا يزيغ الحزب عن تعليمات الزعيم بورقيبة الواردة في الرسالة المؤرّخة "بسان نيكولا" في 8 أوت 1942. ولم تكن المهمّة هيّنة فقد تمكّن الدكتور ثامر من الحفاظ على خطّ الحياد الذي رسمه للجريدة مع الأطراف المتصارعة (المحور/الحلفاء). وتعتبر افتتاحيته المحرّرة بمناسبة ذكرى أحداث 9 أفريل 1938 من أروع ما كتب عن هذا الحدث التاريخي. وما فتئت جهوده متواصلة بدعم من المنصف باي للمطالبة بإطلاق سراح الزعماء الوطنيين وعودتهم حتّى ظفر بذلك. وعاد المبعدون إلى أرض الوطن على دفعتين يومي: 26 فيفري و7 أفريل 1943. واستغلّ الدكتور ثامر ظرف "حملة تونس" لاقامة معسكرات لتدريب الشباب التونسي على استعمال السلاح وحرب العصابات. فقد أكّد رفيقه يوسف الرويسي أنّ بعضا من الضبّاط السّوريين الذين أوفدهم الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين إلى رجال الحركة الوطنية في تونس (فيفري - مارس 1943) كانوا من ضمن المدرّبين، كما مكّن بعض التونسيين من الحصول على كميات من الأسلحة والذخيرة عند انسحاب جيوش المحور من الجنوب التونسي. فجُمعت وأُخفيت تحت الأرض بعد أخذ الاحتياطات واستعمال الوسائل اللازمة لصيانتها. وكان الحبيب ثامر قلقا على مصير المكلّفين بشؤون الأسلحة متخوّفا من افتضاح أمرهم.

ومع اقتراب جيوش الحلفاء من مدينة تونس، أصبح النّشاط الحثيث الذي جعل الحزب يسترجع قوّته وإشعاعه في أثناء فترة الاحتلال الألماني - الايطالي خطرا على المناضل ثامر ورفاقه. فقرّر الديوان السياسي باتّفاق مع هؤلاء (الدكتور ثامر، الطيب سليم، الرشيد إدريس، يوسف الرويسي، محمد الحبيب بوقطفة، حسين التريكي والهادي السعيدي) السّماح لهم بمغادرة البلاد مع جلاء قوات المحور (6 ماي 1943). فتوجّه الدكتور الحبيب ثامر ويوسف الرويسي، إلى إيطاليا واستشهد محمد الحبيب بوقطفة في أثناء قصف الباخرة التي كانت تقلّه من تونس إلى صقلية، وتحوّل الآخرون إلى برلين حيث أنشؤوا في أوائل جويلية 1943 مكتب المغرب العربي الذي أصدر عددين من جريدة "المغرب العربي": 26 فيفري و14 مارس 1945. وفي شهر نوفمبر 1943، التحق الدكتور ثامر ورفاقه جميعا بباريس حيث قاموا بنشاط حثيث للاحاطة بمواطنيهم الموجودين آنذاك في فرنسا والمفصولين عن وطنهم بسبب ظروف الحرب، ثمّ للدّفاع عن قضية بلادهم التي سقطت من جديد في قبضة القوات الفرنسية الاستعمارية. وعقدوا عدّة اجتماعات عامّة بباريس ضمّت عددا كثيرا من العملة وأفراد الجالية المغاربية المهاجرة.

و إثر نزول الحلفاء في نورمانديا (6 جوان 1944)، فكّر الحبيب ثامر ورفاقه - باستثناء يوسف الرويسي الذي بقي في برلين - في الالتجاء إلى إسبانيا. فسمحت لهم السلط الألمانية بذلك، ما عدا الدكتور ثامر الذي فرضت عليه الاقامة بباريس، في انتظار عودته إلى برلين. لكنّه استطاع في نهاية جويلية 1944 اجتياز الحدود الفرنسية الاسبانية على نحو غير قانونيّ. ومكثت الجماعة في إسبانيا إلى أن سمحت لهم الحكومة المصرية في شهر جوان 1946 بالالتحاق ببورقيبة في القاهرة، وذلك بفضل مساعي تحسين العسكري الوزير المفوّض للحكومة العراقية بالقاهرة الذي مكّنهم من الحصول على جوازات سفر. والتأم شمل الوطنيين التونسيين في القاهرة يوم 9 جوان 1946 فبادروا بتأسيس مكتب الحزب الدستوري التونسي الكائن بشارع ضريح سعد عدد 10. وكان الاتّصال مكثّفا مع الحركات الوطنية المغربية والجزائرية لتوحيد جهودها ضمن مكتب منسّق. فتأسس مكتب المغرب العربي في 22 فيفري 1947 ما إن انتهت أشغال مؤتمر المغرب العربي المنعقد بالقاهرة (من 15 إلى 22 فيفري 1947). وعمل المكتب الجديد على توسيع نطاق الدّعاية لقضية المغرب العربي بكلّ الوسائل الممكنة، وفي مقدّمتها إصدار نشريّة إخبارية دورية موحّدة لتزويد الصحافة وشركات الأنباء والأخبار بالمعلومات الصحيحة عن حقيقة الوضع في بلاد المغرب. وأصدر مكتب المغرب العربي كتابا عنوانه "هذه تونس" للدكتور الحبيب ثامر وكتابا آخر بعنوان "هذه مراكش" للأستاذ عبد المجيد بن جلّون وكتابا ثالثا عنوانه "مركز الأجانب في مرّاكش" للمناضل محمد بن عبّود.

ونظّم المكتب فضلا عن ذلك ندوات صحفية ومحاضرات واجتماعات في مناسبات عدّة واعتنى بشؤون الطلبة المغاربة في أثناء حرب فلسطين (1948). وكان المكتب عبارة عن لجنة سياسية تضمّ أعضاء من المغرب وتونس والجزائر، منهم الأعضاء الدائمون ومنهم الزائرون. وقد شغل الدكتور ثامر منصب مدير المكتب في سنة 1947. ومن أهمّ مبادرات المكتب المشاركة في العملية التي أدّت إلى لجوء المجاهد عبد الكريم الخطابي إلى مصر. وتؤكّد شهادات ثلّة من المناضلين الذين زاروا القاهرة سنتي 1947 و1948 أو راسلوا الدكتور ثامر في مسائل وطنية (نذكر بالخصوص الدكتور سليمان بن سليمان وعز الدين عزّوز وأبو القاسم محمد كرّو أنّ مُراسلهم كان منشغلا بمسألة التحاق الطلبة المغاربة بالمعاهد العربية العليا وخاصة منها العسكرية. فقد كان الدكتور الحبيب ثامر أقرب في خطته التحريرية للأمير عبد الكريم الخطّابي منه إلى الزعيم الحبيب بورقيبة.

وفي المؤتمر الثالث الذي عقده الديوان السياسي للحزب الدستوري الجديد في العاصمة التونسية بدار سليم يوم 17 أكتوبر 1948 انتخب الدكتور الحبيب ثامر رئيسا مساعدا للحزب. وفي شهر أكتوبر 1948، أسهم في مؤتمر اليونسكو المنعقد في بيروت كلّ من الحبيب ثامر ويوسف الرويسي اللذين قدّما لأعضاء المؤتمر مذكّرة عن حالة التعليم والثقافة بتونس والجزائر ومرّاكش في ظلّ الحكم الفرنسي. ومن بيروت قصد ثامر دمشق حيث كان يقيم الرويسي ويدير مكتب المغرب العربي بها. وفي أوائل شهر جانفي 1949، تحوّلا إلى بغداد حيث اطّلعا على أحوال الطلاّب المغاربة الموزّعين بين الكلّية العسكرية ودار المعلّمين العليا. وفي 22 نوفمبر من السنة نفسها عيّن الديوان السياسي الدكتور الحبيب ثامر لتمثيل تونس في المؤتمر الاقتصادي الاسلامي المنعقد بكراتشي عاصمة الباكستان آنذاك. وإثر انتهاء أشغال المؤتمر، عقد الدكتور ثامر ندوة صحفية يوم 29 نوفمبر 1949 حضرها مندوبو وكالات الأنباء وبعض صحف الهند ولاهور ووزّع تصريحات مطبوعة باللّغة الانڨليزية حول القضية التونسية. وأهدى الدكتور ثامر لوزير المعارف الباكستاني نسخة من كتاب هذه تونس.

وقد حدّد الدكتور ثامر موقفه من مسألة الاستعمار الفرنسي والحلف الأطلسي واصفا الاستعمار الفرنسي بكونه الاستعمار الأكثر "وحشيّة" ومؤكّدا أنّ فرنسا تستغلّ الشعب التونسي وتضطهده دون رحمة، كما أشار في تلك الندوة إلى أنّ مصالح الولايات المتحدة الأمريكية تلتقي مع مصالح فرنسا التي تتلقّى منها الدعم الكامل. وفي طريق عودته من لاهور إلى كراتشي ليلة الثلاثاء 13 ديسمبر 1949، اصطدمت الطائرة التي كانت تقلّه مع رفاقه بقمّة جبل، فلقي جميع ركّاب الطائرة حتفهم، ومنهم الدكتور الحبيب ثامر ممثل تونس، والمناضل علي الحمّامي ممثل الجزائر، والمناضل محمد بن عبّود ممثل المغرب الأقصى.

كتابه "هذه تونس"[عدّل]

يتألف كتاب هذه تونس من ثلاثة أقسام رئيسية

  • يستعرض القسم الأول أهم مراحل تاريخ البلاد التونسية من أقدم العصور إلى انتصاب الحماية الفرنسية في سنة 1881.
  • يتناول القسم الثاني مختلف الأوضاع السائدة بالبلاد التونسية منذ فرض الحماية الفرنسية عليها، معتمدا على الأرقام الواردة في الاحصائيات الرسمية ومستشهدا بالقوانين والتراتيب الصادرة عن السلط الفرنسية بتونس طوال عهد الحماية.
  • أما القسم الثالث فهو يحتوي على نبذة عن تاريخ الحركة الوطنية التونسية منذ فرض معاهدة الحماية يوم 12 ماي 1881 إلى تاريخ صدور الكتاب في سنة 1948.

ويعد كتاب هذه تونس الذي صدر عن مكتب المغرب العربي بالقاهرة في شهر أفريل 1948، المرجع الثاني في تاريخ تطور الحركة الوطنية التونسية بعد كتاب تونس الشهيدة الذي صدر بباريس في جانفي 1920 وقبل كتاب تونس الثائرة الذي ألّفته لجنة تحرير المغرب العربي وصدر بالقاهرة في ربيع 1954. والقاسم المشترك الذي يجمع بينها أنها ألفت بطلب من عناصر النخبة المؤسسة للحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920 وأعضاء الديوان السياسي المسير للحزب الحر الدستوري الجديد إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية. ولئن صدر كتاب تونس الشهيدة باللغة الفرنسية ودون إمضاء ثم عُرّب سنة 1984 وأقرّ حمادي الساحلي بعد التحقيق نسبته إلى الشيخ عبد العزيز الثعالبي (بيروت، دار الغرب الاسلامي)، فإن المرجعين التاليين حملا تباعا إمضاء المؤلفين، الدكتور الحبيب ثامر والأستاذ علي البلهوان. ومهما يكن من أمر فإن طبيعة هذه المؤلفات الثلاثة وكيفية إنجازها يفرضان عملا جماعيا من حيث التشاور والتوثيق. وهو ما أكّده المناضل الرشيد إدريس، رفيق الدكتور الحبيب ثامر "بمكتب المغرب العربي" بالقاهرة ذاكرا بالخصوص: "أن "هذه تونس" هو نتيجة عمل جماعي من حيث جمع المعلومات" ومضيفا "أن الكتاب جاء يعكس عقلية مؤلفه الدكتور الحبيب ثامر المتثبت الرصين الواضح التفكير. فكان كتابه عملا علميا دقيقا في وصف جغرافية البلاد وتاريخها والحماية الفرنسية (1881) وظروفها وأثرها في السياسة الاقتصادية والمالية التونسية وكذلك في سياسة التعليم والنظام الإداري الذي أصبح في عهد الحماية أداة لحكم مباشر فرنسي، كما تناول وضع القضاء وسياسة التجنيس والفرنسة وأفرد للحركة الوطنية فصلا ثريا أثبت فيه أصول الحركة وتطورها، معترفا لكل من أسهم في الحركة بنصيبه، مترّفعا عن الحزبية الضيقة، معترفا لكل ذي حق بحقه، مستبشرا بالوفاق الوطني الذي تحقق في مؤتمر ليلة القدر (23 أوت 1946) الذي ضمّ النخبة التونسية من ممثلي الحركة الوطنية سياسية كانت أو نقابية وأعلن بوضوح أن نظام الحماية الفرنسية نظام سياسي واقتصادي لا يتفق مطلقا مع سيادة الشعب التونسي وأنه نظام استعماري قضى على نفسه أمام العالم بالاخفاق، بعد تجربة خمس وستين سنة، وأعلن عزم الشعب التونسي الثابت على استرجاع استقلاله التام والانضمام إلى جامعة الدول العربية و هيئة الأمم المتحدة..." وتشير الرسائل المتبادلة بين الدكتور الحبيب ثامر مدير "مكتب المغرب العربي" بالقاهرة (1947) والمنجي سليم مدير الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد بتونس عن طريق الأستاذ جلولي فارس، ممثل الحزب في باريس (1949 - 1946) (حرص الدكتور الحبيب ثامر على تزويد مكتبة "مكتب المغرب العربي" بكلّ المراجع المتعلقة بتاريخ تونس والجزائر ومراكش) أي المغرب الأقصى وجغرافيتها): رسالة من الدكتور الحبيب ثامر (القاهرة) إلى المناضل الأستاذ جلولي فارس (باريس) مؤرخة في 10 مارس 1947 "... وصل الارسال الثاني من الكتب، وكلها قيمة جازاك الله خيرا، إلا القليل النادر منها، وإذا طلبت منك في الرسالة السابقة إيقاف الارسال فذلك لسبب واحد وهو أن الجامعة العربية أصبحت ترفض بعضها و تقبل البعض الآخر فنرا (هكذا) أن نأخذها كلها إلى المكتب المغربي الجديد. إنما يجب أن أتفاهم مع الإخوان الجزائريين والمراكشيين حتى يرفعوا قسطهم من نفقات تأسيس المكتبة، ولهذا أشرت عليك مؤقتا بتوقيف إرسال الكتب حتى لا تكلفكم المسألة نفقات كبيرة. والمطلوب أن ترسل إلي قائمات الشراء و نفقات البريد...أعود إلى مسألة "الكتب" فأقول لك إنّها صالحة ماعدا القليل منها. وقد كنا في حاجة كبيرة إليها. فلتكن مطمئن البال. وإني قبل الأيام الأخيرة لم أجد وقتا لمراجعتها والاطلاع عليها وهناك كتب توفيق المدني كلها. وسأكاتبه على طريقكم لأطلبها منه ويكون في هذا ربط الصلة به...".

وتفيد الرسالة الموجهة من الأمين العام للحزب الحر الدستوري الجديد الأستاذ صالح بن يوسف (تونس) أيضا إلى المناضل الأستاذ جلولي فارس (باريس) والمؤرخة في 16 نوفمبر 1948 أنّ نسخة من "التقريرين المتعلقين بالشغل والتعليم" وُجّهت إلى الدكتور الحبيب ثامر الذي وظفهما لاعداد مذكرة عن حالة التعليم و الثقافة بتونس والجزائر ومراكش قدّمها صحبة رفيقه يوسف الرويسي في أشغال مؤتمر اليونسكو الذي انعقد ببيروت في شهر أكتوبر 1948: "... أذكرك توجيه نسخة من التقرير الواصل لك صحبة هذا وهو تقرير جمعية الأمم المتحدة لنشره بعد أن يقع تقديمه لأننا لم نأخذ منه نسخة هنا، كما توجه منه نسخة إلى مصر مع نسختين من التقريرين اللذين يتعلقان بالشغل والتعليم كي يتمكن الدكتور ثامر من تأليف الجزء الأول.."