صالح بن يوسف

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1907 - 1961م]

صالح بن يوسف

نشأته ودراسته (1907 - 1930م)[عدّل]

ينحدر صالح بن سليمان بن يوسف من عائلة جربيّة عريقة أصلها من بلدة قرماسة القريبة من تطاوين، نزحت في القرن السابع عشر إلى جزيرة جربة حيث ولد في حومة "مغراوة" التابعة لمعتمديّة ميدون في 11 أكتوبر 1907. ولمّا بلغ سنّ الدراسة التحق بالكتّاب وحفظ نصيبا من القرآن الكريم ومبادئ اللغة العربيّة. وقد ظهرت عليه علامات النجابة منذ الصغر، فأوفده جدّه سنة 1915 إلى مدينة تونس ليواصل بها دراسته. فانضمّ أوّلا إلى مدرسة خير الدين التي نال منها بامتياز الشهادة الابتدائية، في سنة 1922. وهو ما أهّله إلى الالتحاق بمعهد كارنو لمزاولة دراسته الثانوية. وانتقل من قسم إلى قسم بنجاح إلى أن أحرز الجزء الأول من الباكالوريا في جوان 1929 ثم الجزء الثاني (شعبة الفلسفة) في جوان 1930.

ولمّا كان حظّ اللغة العربية ضئيلا في ذلك المعهد - إن لم يكن منعدما - فقد انخرط صالح بن يوسف في سلك طلبة المدرسة العليا للغة والآداب العربية، المعروفة باسم "مدرسة العطّارين"، حيث تابع دروس اللغة العربية والترجمة والتاريخ في هذا المعهد الذي كان يدرّس به، إلى جانب مديره المستشرق ويليام مارسي، عدد من رجال الفكر والأدب التونسيّين أمثال: حسن حسني عبد الوهاب والصادق الزمرلي وعثمان الكعّاك و محمد العربي الكبادي. وواصل دراسته إلى أن أحرز دبلوم اللغة والاداب العربيّة. ولكنّه لم يكتف بمتابعة الدروس المسائية التي كانت تلقى بمدرسة العطّارين، بل كان يحضر أيضا دروس الجمعية الخلدونية. وهو ما مكّنه من اكتساب زاد وافر من الثقافة الأساسيّة العربيّة الاسلاميّة، إلى جانب ثقافته الفرنسيّة.

نشاطه السياسي[عدّل]

لكنّ انشغال صالح بن يوسف بطلب العلم لم يمنعه من الاهتمام بالشؤون السياسيّة ومتابعة الأحداث التي كانت تشهدها بلاده الرازحة تحت نير الاستعمار الفرنسي، بمطالعة الصحف الوطنية، لا سيما منها جريدة الشاذلي خير اللّه، الناطقة باللغة الفرنسيّة، "صوت التونسي". وكان أهمّ نشاط سياسي قام به في آخر سنوات الدراسة الثانويّة، إسهامه الفعّال في المظاهرات التي نظّمها تلامذة المعاهد الثانويّة للاحتجاج على المؤتمر الإفخارستي المنعقد في العاصمة من 7 إلى 11 ماي 1930، بمشاركة عدد كبير من الأساقفة والرهبان القادمين من شتّى أنحاء العالم.

وألقت السلطة الاستعماريّة القبض على مجموعة من تلامذة الصادقيّة والعلويّة ومعهد كارنو، منهم التلميذ صالح بن يوسف الذي كان يستعدّ وقتئذ لاجتياز امتحان الباكالوريا. ولم يفرج عنه وعن رفقائه إلاّ بتدخّل من بعض الأعيان التونسيين.

نشاطه في باريس(1930 - 1934م)[عدّل]

بعد حصوله على الباكالوريا تحوّل إلى باريس في أكتوبر 1930 لمزاولة دراسته العليا في كليّة الحقوق. لكن التحاقه بالجامعة لم يشغله عن مواصلة الاهتمام بالشؤون السياسيّة والتفكير في الوسائل الكفيلة بتحرير وطنه من ربقة الاستعمار. فمنذ وصوله إلى العاصمة الفرنسيّة انضمّ إلى "جمعيّة طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا" التي تأسّست في سنة 1927 وانتهجت منذ سنة 1930 سياسة وطنية واضحة. ونظرا إلى ما كان يتميّز به الشابّ صالح بن يوسف من حماس وحيويّة، قد انتخبه زملاؤه عضوا في الهيئة المديرة. وبهذه الصفة شارك في المؤتمر الأوّل الذي عقدته الجمعيّة في تونس من 20 إلى 22 أوت 1931 وانتخب عضوا في لجنة التعليم العربي. وقبل انضمامه إلى الحزب الدستوري الجديد، ناضل صالح بن يوسف إلى جانب أتباع الحزب الحرّ الدستوري التونسي المقيمين في باريس أمثال عبد الرحمان اليعلاوي والحبيب جاء وحده وأحمد بن ميلاد. ولمّا بلغه انبعاث الحزب الدستوري الجديد في 2 مارس 1934 إثر انعقاد مؤتمر قصر هلال، لم يتردّد في الانخراط فيه صحبة رفيقيه الهادي نويرة و سليمان بن سليمان. أمّا بقيّة الطلبة وبالخصوص المنجي سليم والحبيب ثامر وعلي البلهوان فإنهم لم يتّخذوا موقفا واضحا، في انتظار عودتهم إلى تونس في العطلة الصيفية.

عودته الى تونس و نضاله السياسي في بداية الثلاثينات(1934-1936م)[عدّل]

عاد صالح بن يوسف إلى تونس في صائفة سنة 1934 بعد حصوله على الاجازة في الحقوق، فبادر إلى قضاء فترة التدريب القانونية قبل الانخراط في سلك المحامين. وإلى جانب ذلك قام بنشاط مكثّف في صفوف الحزب الدستوري الجديد، تجسّد في حضور الاجتماعات العامة التي ينظمها الحزب والمشاركة في الجولات التي يقوم بها أعضاء الديوان السياسي داخل البلاد. وفي الأثناء توتّرت العلاقات بين قادة الحزب والمقيم العام بيروطون، إلى أن أفضى الأمر إلى القبض على ثلاثة أعضاء من الديوان السياسي، وهم الدكتور محمود الماطري والأخوين الحبيب ومحمد بورقيبة وإبعادهم إلى الجنوب التونسي مع مجموعة من المناضلين في 3 سبتمبر 1934، ثم نقلهم في 2 أكتوبر إلى محتشد برج البوف في الصحراء. وما إن أبعد قادة الحزب الثلاثة إلى الجنوب حتى تألّف ديوان سياسي ثان يضمّ: الطاهر صفر والبحري قيڨة (عضوا الديوان السياسي الأوّل) وعضو جديد هو المحامي الشابّ صالح بن يوسف. ولا يستبعد بعض الباحثين أنّ إلحاق العضو الجديد بالديوان السياسي كان بإيعاز من الزعيم الحبيب بورقيبة ذاته، لما لعائلة ابن يوسف من تأثير في الأوساط التجاريّة بتونس.

وبمناسبة حضور أحمد باي موكب ختم الحديث الشريف بجامع الزيتونة ليلة 27 رمضان 1352هـ (أوّل جانفي 1935م) نظّم الديوان السياسي مظاهرة في رحاب الجامع للمطالبة بالافراج عن المبعدين. فغضب بيروطون وأمر بإيقاف أعضاء الديوان السياسي الثاني: الطاهر صفر والبحري قيڨة وصالح بن يوسف، وإبعادهم إلى برج البوف. ورغم ذلك، تواصلت الاضطرابات والمظاهرات إلى أن اضطرّت الحكومة الفرنسيّة في مارس 1936 إلى إعفاء بيروطون من مهامّه وتعويضه بمقيم عامّ جديد معروف بأفكاره التحرّريّة النّسبيّة، أرمان قيون الذي أمر بإطلاق سراح قادة الحزب وأجرى اتصالات بهم.

تصعيد الحزب الدستوري الجديد النضال ضد الاستعمار (1938 - 1943م)[عدّل]

استأنف الحزب الدستوري الجديد نشاطه إثر الافراج عن قادته، وكان صالح بن يوسف من أنشط مناضليه. فقد شارك في مؤتمر نهج التريبونال بالعاصمة من 30 أكتوبر إلى 2 نوفمبر 1937 وساند الشقّ المتصلّب في الديوان السياسي الذي يمثّله الحبيب بورقيبة، على حساب الشقّ المعتدل المتألف من الدكتور الماطري (رئيس الحزب) والطاهر صفر والبحري قيڨة. وختم المؤتمر أشغاله بالمصادقة على قرار سحب "توسّم الخير" من الحكومة الفرنسيّة، وانتخاب صالح بن يوسف وسليمان بن سليمان في الديوان السياسي الجديد، وبذلك تغلّب الشقّ المتصلّب على الشقّ المعتدل. وبعد عدّة محاولات فاشلة قرّر الدكتور الماطري الاستقالة من رئاسة الحزب في جانفي 1938. وفي الأثناء تصلّب موقف السلطة الفرنسيّة بتأثير زعماء الجالية الفرنسيّة. ففُصل علي البلهوان عن التدريس بالمدرسة الصادقيّة إثر المحاضرة التي ألقاها بعنوان "نصيب الشبيبة من الكفاح"، ومنع الاجتماعات الاحتجاجيّة التي قرّر الحزب تنظيمها في كامل أنحاء البلاد برئاسة أعضاء الديوان السياسي والمجلس الملّي. ثم ألقي القبض على الدكتور سليمان بن سليمان ويوسف الرويسي يوم 4 أفريل 1938 وصالح بن يوسف والهادي نويرة ومحمود بورقيبة يوم 6 أفريل. فقرّر الديوان السياسي تنظيم مظاهرات في كامل أنحاء البلاد للمطالبة بإطلاق سراح قادة الحزب الموقوفين والاستجابة لرغبة الشعب التونسي في الحريّة والانعتاق.

وفي العاصمة انتظمت مظاهرة صاخبة يوم 8 أفريل أمام الاقامة العامّة، ألقى أثناءها علي البلهوان خطابا حماسيّا دعا فيه الجماهير الشعبيّة إلى الكفاح في سبيل برلمان تونسي وحكومة وطنيّة. ومن الغد 9 أفريل استدعى قاضي التحقيق علي البلهوان إلى المحكمة الفرنسيّة لاستنطاقه. فتجمّع المتظاهرون أمام قصر العدالة، مطالبين بالافراج عن زعيم الشباب. وعندئذ أطلقت عليهم قوّات الشرطة والجيش الرصاص. وأسفرت المواجهة عن عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين.

وفي فجر يوم 10 أفريل ألقي القبض على الزعيم الحبيب بورقيبة وأودع السجن العسكري صحبة عدد من الزعماء منهم صالح بن يوسف، بتهمة التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي. ثم نقلوا إلى السجن المدني بتونس ومنه إلى السجن العسكري بتبرسق. وإثر إعلان الحرب العالميّة الثانية، نقل المعتقلون إلى مدينة مرسيليا بفرنسا حيث زجّ بهم في سجن حصن سان نيكولا. وبعد هزيمة فرنسا في جوان 1940 واكتساح أراضيها من القوّات النازيّة، نقل المعتقلون إلى بلدة تريتس القريبة من مرسيليا ووضعوا تحت الاقامة الجبريّة، في حين أبقت حكومة المارشال بيتان في حصن سان نيكولا 7 من قادة الحزب الدستوري اعتبرتهم على غاية من الخطر وهم: الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف و سليمان بن سليمان وعلي البلهوان والمنجي سليم والهادي نويرة ومحمد بورقيبة. وفي شهر ديسمبر 1942 أمرت سلطة الاحتلال الألمانية بإطلاق سراح الزعماء الدستوريّين وترحيلهم إلى روما، ومن هناك رجعوا إلى أرض الوطن في أوائل سنة 1943.

الزعيم صالح بن يوسف على رأس الحزب الحر الدستوري الجديد(1945 - 1949)[عدّل]

ولمّا وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها تحوّل الزعيم الحبيب بورقيبة خلسة إلى القاهرة يوم 26 مارس 1945 للاتصال بجامعة الدّول العربية والتعريف بالقضية التونسية لدى الرأي العام العربي والعالمي. وفي تونس بادر الحزب الدستوري الجديد إلى تجديد هياكله واستئناف نشاطه بقيادة الزعيم صالح بن يوسف الذي تولّى الأمانة العامّة للحزب بالنيابة وألحق بالديوان السياسي كلاّ من المنجي سليم، وعلي البلهوان والهادي نويرة، وأضيف إليهم فيما بعد الباهي الأدغم، كما شجّع على التقارب مع القصر الملكي وعلى بعث منظّمات نقابيّة وطنية تربط بين المطالب الاجتماعيّة والمطالب السياسيّة وتعمل بالتعاون مع الحزب.

فتأسّس الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 20 جانفي 1946 بقيادة الزعيم النقابي فرحات حشّاد، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة برئاسة الفرجاني بن الحاج عمّار، والاتّحاد العام للفلاحة التونسيّة بقيادة الحبيب المولّهي وإبراهيم عبد اللّه. وفي الوقت نفسه تألّفت جبهة وطنيّة تضمّ الحزب الدستوري بشقّيه القديم والجديد، والحركة المنصفيّة والحركة الزيتونيّة وأعضاء المجلس الكبير والمنظمات الوطنية النقابيّة والمهنيّة. وفي ليلة 27 رمضان 1365هـ (ليلة القدر) الموافقة ليوم 23 أوت 1946 نظّمت الجبهة الوطنية مؤتمرا قوميّا بالعاصمة برئاسة القاضي العروسي الحدّاد، صادق في أثنائه بالاجماع على لائحة تطالب فيها بالخصوص بالاستقلال وإرجاع المنصف باي إلى عرشه.

فاقتحمت الشرطة محلّ الاجتماع واعتقلت 46 شخصا من الحاضرين في مقدّمتهم صالح بن يوسف الأمين العام للحزب الدستوري الجديد وصالح فرحات الكاتب العام للحزب الدستوري القديم. فأعلن الشعب الاضراب العام واضطرّت السلطة في آخر الأمر إلى إطلاق سراح المعتقلين بعد شهر من إيقافهم. وفي أكتوبر 1948 انعقد مؤتمر الحزب الثالث في دار سليم بتونس وانتخب الزعيم الحبيب بورقيبة رئيسا للحزب وصالح بن يوسف كاتبا عامّا.

مشاركة صالح بن يوسف في وزارة التفاوض الأولى(1950 - 1952)[عدّل]

في 8 سبتمبر 1949 عاد الزعيم الحبيب بورقيبة إلى تونس بعد أن تبيّن له أن جامعة الدول العربية مركزة اهتمامها لا على القضيّة التونسيّة وإنّما على القضيّة الفلسطينيّة. فاستأنف اتّصاله بالحكومة الفرنسية التي وافقت على إجراء مفاوضات مع حكومة تونسيّة يعيّنها الباي لمنح تونس الحكم الذاتي. وإثر ذلك تشكّلت في 17 أوت 1950 وزارة جديدة برئاسة محمّد شنيق وبمشاركة ممثّل الحزب الدستوري الجديد صالح بن يوسف الذي عيّن وزيرا للعدل. فشرعت الوزارة في إجراء مفاوضات مع المقيم العامّ في تونس، أسفرت في 8 فيفري 1951 عن إصلاحات هزيلة خيّبت آمال الوطنيّين.

واستأنفت إثر ذلك المفاوضات في باريس في 30 أكتوبر 1951 بين الحكومة الفرنسيّة ووفد وزاري تونسي برئاسة الوزير الأكبر محمد شنيق يضمّ كلاّ من وزير العدل صالح بن يوسف والوزيرين محمد بدرة ومحمد سعد اللّه. وفي 15 ديسمبر 1951 تسلّم الوزير الأكبر مذكّرة الحكومة الفرنسيّة التي أكّد فيها وزير الخارجيّة روبار شومان تمسّك حكومته بمبدإ "السيادة المزدوجة". واستنتج الزعيم الحبيب بورقيبة من ذلك الردّ فشل الحوار المباشر بين تونس وفرنسا ودعا إلى عرض القضيّة التونسيّة على منظمة الأمم المتّحدة.

المعركة التحريريّة الحاسمة(1952 - 1954)[عدّل]

بدأت المواجهة بين الوطنيين التونسيين والسلطة الاستعمارية لما تحوّل إلى باريس الوزيران التونسيّان صالح بن يوسف ومحمد بدرة يوم 13 جانفي، دون علم المقيم العام الجديد دي هوتكلوك الذي قدم إلى تونس في اليوم نفسه، وذلك لتقديم شكوى إلى المنظمة الأمميّة التي كانت جمعيّتها العامة ملتئمة وقتئذ في العاصمة الفرنسية. فأمر المقيم العام بإلقاء القبض على الزعيم بورقيبة يوم 18 جانفي 1952 وإبعاده إلى طبرقة واعتقال عدد كبير من المناضلين ومنع مؤتمر الحزب الذي كان مقرّرا عقده في ذلك اليوم نفسه. فأعلنت المنظّمات الوطنيّة الاضراب العامّ وانتظمت المظاهرات في جميع أنحاء البلاد، وانعقد مؤتمر الحزب في تونس كما كان مقرّرا من قبل برئاسة الزعيم الهادي شاكر، وطالبت بإلغاء معاهدة الحماية واستقلال تونس استقلالا تاما. فثارت ثائرة دي هوتكلوك الذي قرّر تكثيف عمليّات القمع والاضطهاد. ورغم ذلك تواصلت المقاومة واتّخذت أشكالا متنوّعة. فأمر المقيم العام في 26 مارس 1952 بإقالة الوزراء التونسيين الموجودين بتونس وإبعادهم إلى قبلّي ونقل الزعيم الحبيب بورقيبة من طبرقة إلى رمادة. ولما انتشر الخبر في فرنسا تمكّن الوزيران صالح بن يوسف ومحمد بدرة من مغادرة التراب الفرنسي خفية والالتحاق بالقاهرة حيث استقرّ صالح بن يوسف باعتباره ممثّلا للحكومة التونسيّة الشرعيّة والحزب الدستوري الجديد.

وواصل جهوده الرامية إلى عرض القضية التونسيّة على المنظمة الدوليّة، متنقّلا بين القاهرة ونيويورك وعواصم الدول العربيّة والأوروبيّة، كما حرص على تركيز مكاتب للحزب في كلّ من بغداد (علي البلهوان) وكراتشي (الرشيد إدريس) ونيودلهي (الطيب سليم) وجاكرتا (الطاهر عميرة) ونيويورك (الباهي الأدغم). وبفضل ذلك تمكّن الحزب من تعزيز مواقعه في الخارج والحصول على مساندة أغلبيّة الدول الأعضاء في منظمّة الأمم المتّحدة. وكان الوفد التونسي في نيويورك يتركّب، أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، من صالح بن يوسف ومحمد بدرة والباهي الأدغم. وقد سهّل مهمّة الوفد المناضل العابد بوحافة المقيم عهدئذ في الولايات المتّحدة الأمريكية بوصفه صحافيا معتمدا لدى المنظمة الأمميّة، إلا أنّ علاقته بالوفد التونسي، ولا سيما برئيسه، توتّرت في فترة ما. ذلك أن جريدة "الفيغارو" الباريسيّة نشرت في عددها المؤرّخ في 82 ماي 1952 نصّ الرسالة التي وجهّها بورقيبة إلى العابد بوحافة يحرّض فيها الشعب التونسي على إعلان الثورة المسلّحة. فاتّهم صالح بن يوسف بوحافة بأنه هو الذي سلّم تلك الرسالة إلى المخابرات الفرنسية، والحال أن المعني بالأمر لم يتسلّم تلك الرسالة قطّ. ولذلك قدّم دعوى إلى المحكمة الابتدائية الفرنسية بباريس، فحكمت ببطلان التهمة ثم أيّدت محكمة الاستئناف هذا الحكم.

ومع ذلك قد حزّت هذه التهمة في نفس العابد بوحافة الذي بادر إثر اعتراف فرنسا باستقلال تونس الداخلي إلى توجيه رسالة في 7 أوت 1954 إلى بورقيبة الذي نقل إلى فرنسا ووضع تحت الاقامة الجبريّة، هنّأه فيها بهذا الحدث الجليل واشتكى من تصرّفات رفيقه صالح بن يوسف. فأجابه برسالة مؤرّخة في أول سبتمبر 1954, جاء فيها بالخصوص ما يلي: "إنّ ما وجدته من متعة في قراءة رسالتك بعد أربع سنوات من الانقطاع أفسدته أحكامك الشائنة على صالح بن يوسف رفيق الكفاح طيلة عشرين سنة. وهو رجل أزعم أنّي أعرفه أكثر منك وأعتبر أنّه كان دوما في مستوى المسؤوليّات الجسام التي يتحمّلها منذ 17 سنة على رأس الحزب... ولا مراء في أن سي صالح له عيوبه كسائر الناس، فهو حادّ الطبع، عنيد أحيانا، بل قاس إزاء بعض الرفاق في الديوان السياسي. ولكن لم يغضب أيّ أحد إلى درجة اعتباره عدوّا شخصيّا.....". ونستنتج من هذه الرسالة ما كانت تربط بين الزعيمين من علاقات احترام وتقدير، قبل الخلاف الذي نشأ بينهما فيما بعد حول الاستقلال الداخلي.

كفاح صالح بن يوسف في سبيل الاستقلال[عدّل]

بفضل الجهود المتواصلة التي بذلها صالح بن يوسف، بالتعاون مع رفيقه الباهي الأدغم، وبتأييد من ممثلي الدول الاسيويّة والافريقيّة وفي مقدّمتهم الدكتور فاضل الجمالي وزير خارجية العراق وظفر الله خان وزير خارجية باكستان، أدرجت القضيّة التونسيّة في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي صادقت في 17 ديسمبر 1952 على لائحة تدعو الحكومة الفرنسيّة إلى إجراء مفاوضات مع التونسيّين "لتمكينهم من ممارسة حقوقهم وتسيير شؤونهم بأنفسهم، وفقا لمبادئ الأمم المتّحدة". فبفضل هذه المساندة الخارجيّة، بالاضافة إلى المقاومة الوطنيّة في الداخل، جنحت فرنسا إلى السلم واعترفت بحقّ تونس في الاستقلال الداخلي، على لسان رئيس حكومتها منداس فرانس الذي تحوّل إلى تونس وألقى خطابه التاريخي في قصر قرطاج يوم 31 جويلية 1954. ولقد وافق الزعيمان الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف على الاستقلال الداخلي باعتباره مرحلة في الطريق المؤدّية حتما إلى الاستقلال التام. وتشكّلت وزارة تونسيّة برئاسة الطاهر بن عمار وبمشاركة 4 ممثلين عن الحزب الدستوري الجديد للتفاوض مع الحكومة الفرنسيّة. واستمرّت المفاوضات إلى أن أفضت إلى اتّفاقيات الاستقلال الداخلي المبرمة في 3 جوان 1955. ورغم متابعة صالح بن يوسف بنفسه للمفاوضات وتحوّله من حين إلى آخر إلى جينيف للاتّصال بالمنجي سليم، لم يكن راضيا عن تلك الاتّفاقيّات، لا سيما بعد مشاركته في المؤتمر الاسيوي الافريقي المنعقد من 8 إلى 14 أفريل 1955 في باندونغ بأندونيسيا، ذلك الذي صادق في خاتمة أشغاله على لائحة حول المغرب العربي تنصّ على ما يلي: "نظرا إلى استمرار مشكلة شمال إفريقيا، بسبب حرمان شعوبها من حقّها في تقرير مصيرها، يعلن المؤتمر الاسيوي الافريقي تأييده لكلّ من الجزائر ومراكش وتونس في تقرير المصير والاستقلال ويدعو الحكومة الفرنسيّة إلى حلّ القضيّة حلاّ سلميّا".

معارضته لاتّفاقيّات الاستقلال الداخلي[عدّل]

ما إن عاد صالح بن يوسف إلى تونس يوم 13 سبتمبر 1955 حتى أعلن معارضته التامّة لاتّفاقيات 3 جوان 1955التي اعتبرها "خطوة إلى الوراء" داعيا الشعب التونسي إلى استئناف الكفاح المسلّح إلى أن تستقلّ أقطار المغرب العربي استقلالا تامّا، دون قيد ولا شرط. ورغم موافقة مؤتمر الحزب المنعقد في صفاقس في 15 نوفمبر 1955 على السياسة الواقعيّة التي انتهجها الزعيم الحبيب بورقيبة، فإن صالح بن يوسف الذي فُصل عن الحزب منذ يوم 8 أكتوبر 1955, ثم عوّضه في مهامّ الأمين العام للحزب الباهي الأدغم، استمرّ في معارضة اتفاقيات الاستقلال الداخلي باسم "الأمانة العامّة"، قائلا في أحد خطبه: "نعتقد أن حريّة إفريقيا الشماليّة العربيّة المسلمة لا تتجزّأ... فلا نستطيع أن نطمح إلى الاستقلال إلاّ إذا كان تامّا كاملا".

ونشبت معارك حامية الوطيس بين الديوان السياسي والأمانة العامّة، وأسفرت عن مقتل عدد من الأعضاء من الجانبين، وكادت المواجهة بين الشقّين تتحوّل إلى حرب أهليّة. فقرّرت الحكومة التونسيّة في 28 جانفي 1956 إلقاء القبض على صالح بن يوسف وبعض أتباع حركته، لكنّه تمكّن من اجتياز الحدود التونسيّة الليبيّة خفية والالتجاء إلى مصر حيث استمرّ في معارضة الاتفاقيّات التونسيّة الفرنسيّة ومناهضة الديوان السياسي، وواصل أتباع الحركة اليوسفيّة أعمال الشغب في تونس، رغم إجراءات الردع المتّخذة ضدّهم. ولم يكفّوا عن معارضة النظام القائم، حتى بعد إبرام بروتوكول 20 مارس 1956 الذي نصّ على إلغاء معاهدة الحماية وتمتّع تونس باستقلالها التامّ. وقد فشلت جميع محاولات المصالحة بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف، وكانت المحاولة الأخيرة مقابلة جرت بين الرجلين في جينيف قبل بضعة أسابيع من اغتيال صالح بن يوسف في مدينة فرنكفورت بألمانيا يوم 12 أوت 1961.