محمود الماطري

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
محمود الماطري

[1897 - 1972م]

ولد السياسي محمد بن المختار بن أحمد الماطري بتونس العاصمة في ربض باب الجزيرة في أواخر ديسمبر 1897، وقد عاش منذ نشأته يتيما إذ توفيت والدته حين وضعته كما توفّي والده بعد ولادته بعشرة أشهر. وقد أورد الدكتور الماطري في سيرته الذاتية أنّ جدّه الأوّل كان إنكشاريا قدم إلى تونس حوالي سنة 1680 في عهد محمّد باي الثاني المرادي وكان يحمل اسم محمد السطنبولي التركي. أمّا والدته فهي تنحدر من عائلة فارح الأندلسيّة التي احترفت صناعة الشاشية والتي استقرّت بتونس في عهد عثمان داي (بداية القرن السابع عشر). وبعد التحاقه بكتّاب الحيّ (نهج عبّه) حيث شملت دراسته مبادئ اللغة العربية وحفظ القرآن واستغرقت سنتين، زاول الماطري دراسته الابتدائية والثانويّة بالمعهد الصادقي من سنة 1905 إلى 1916، وإثر حصوله على ديبلوم الصادقية، اشتغل معلّما بضاحية المرسى طيلة سنتين وكان في الوقت ذاته يعدّ نفسه لاجتياز الجزءين الأوّل والثاني من الباكالوريا (رياضيات)575 ونجح في الامتحانين تباعا سنتي 1918 و1919.

التحق الماطري بعد إحرازه الباكالوريا بكليّة العلوم بمدينة ديجون (Dijon) الفرنسية بغية الحصول على الإجازة في العلوم. ونظرا إلى الظروف الاجتماعية الصّعبة التي كان يكابدها، باشر مهمّة قيّم بمبيت المعهد الثانوي بديجون ثم بالمدرسة التطبيقية للتجارة. وفي سنة 1923، واصل دراسته العالية بالسنة الرابعة طب بكلية باريس، ومكّنته شهادات الاجازة في العلوم التي حصل عليها من كسب رزقه بإلقاء الدّروس في المدارس الثانوية الحرّة (المدنية أو الدينية) خارج أوقات دراسته أو عمله بالمستشفى، وباشر التدريس خاصة في المعهد التجاري بفنسان (Vincennes). وفي شهر جويلية 1926 حصل الماطري على شهادة الدكتوراه في الطبّ بملاحظة "مشرّف جدّا" ورجع نهائيا إلى أرض الوطن في شهر نوفمبر من السنة نفسها. وكان الطالب الماطري في أثناء إقامته الطويلة بفرنسا التي استغرقت ثماني سنوات مواكبا للحياة السياسية والاجتماعية والتحوّلات التي طرأت في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. ولا غرابة في أن يبدي تعاطفا مع تنظيمات اليسار الفرنسي التي كانت تؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، حيث انخرط وناضل في تشكيلات رابطة حقوق الإنسان والحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي وأصدر الكثير من المقالات بأسماء مستعارة تارة (M.E.Mariet) وأخرى (Abdel Hak).

ومن أبرز الصحف التي نشرت مقالات الماطري المتعلّقة بسياسة الحماية الفرنسية بتونس نذكر بالخصوص: "نحو تطوّر ساحل الذهب" (Le Progrès de la Côte d'or) و"الدعوة الاشتراكية" (Le Rappel socialiste) و"رجل الشارع الباريسي" (Le Populaire de Paris) والأسبوعية "الوضوح" (Clarté) للكاتب الفرنسي الشهير هنري بربوس (Henri Barbusse). وكانت للطالب الماطري مراسلات عدّة مع زميله سالم الشاذلي مؤسّس جمعيّة طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا في ديسمبر 1927 وأوّل رئيس لها. وقد تزامنت عودة الماطري إلى بلاده مع نشأة جمعيّة "نجم الشمال الافريقي" "L'Etoile Nord - Africaine" بفرنسا سنة 1926، إذ أبدى اهتماما والتزاما شديدين بالعمل الجمعياتي وذلك في إطار النشاط والمساعي التي بذلها فرع "جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا" Association des Etudiants Musulmans Nord - Africains في تونس سنتي 1929 و1930.

وإثر عودته إلى تونس في أواخر 1926 واصل الماطري نشاطه السياسي بعد أن فتح عيادة طبية بباب منارة، وانخرط لأوّل مرة في نشاط الحزب الحرّ الدستوري التونسي لمّا استدعاه بعض أعضاء اللجنة التنفيذية في مارس 1927 لحضور الاجتماع الذي ينظم كلّ سنة احتفالا بذكري التأسيس. ومنذ هذا التاريخ، اقتنع محمود الماطري بضرورة التوسيع في قواعد الحزب والخروج من حالة الرّكود. وكان من آليات تفعيل الحركة السياسية، استغلال توتر العلاقة بين السلط الاستعمارية والأهالي المحليين فانتهز فرصة منع الشرطة الفرنسية لنشاط اللجنة التي تأسّست لإعانة الطلبة التونسيين وكتب مقالا نقديا للحضور الاستعماري نشره بجريدة صوت تونس "La Voix du Tunisien" الأسبوعية التي كان يديرها الشاذلي خير اللّه وذلك بعنوان:"Est-ce une offensive contre l'instruction des Tunisiens?". "هل هي حملة ضدّ تعليم التونسيّين؟". ولقي هذا المقال صدى واسعا لدى القرّاء الذين كسب ودّهم وتعاطفهم ووجّهت الأوساط الثرية بعض التبرّعات لدعم مشروع إعانة الطلبة مزكّين بذلك أفكار الدكتور الماطري.

وقد نتج عن هذا النشاط قلق السّلطات الاستعمارية التي أرادت إيقاف حملة الاكتتاب لفائدة جمعيّة طلبة شمال إفريقيا بفرنسا واستدعت الدكتور الماطري لتحذيره لكنّه لم يعبأ بذلك وأصدر مقالا بجريدة "La Voix du Tunisien" بتاريخ 4 سبتمبر 1930 يدين فيه مماطلة الإدارة الفرنسية النظر في موضوع بعث فرع لجمعية طلبة شمال إفريقيا بتونس رغم التزامه بالقوانين التي تنصّ عليها الجمعيات الفرنسية.

وحسب ما أوردته التقارير الأمنية الفرنسية، فقد كانت مصادر تمويل هذه الجمعية تتأتى من مداخيل الحفلات التي تنظمها ومن معاليم الانخراطات التي التزم بها المشاركون فيها. وقد اضطلع الدكتور محمود الماطري بدور مهمّ في كسب تعاطف أغلب الشرائح المحلية لا سيّما الأوساط الميسورة لضمان استمرارية نشاط جمعيته، حتى تجاوزت المداخيل بحكم الجهود التي بذلها الماطري حدود حاجات الجمعية فبلغت مثلا سنة 1929 حوالي 37.000 فرنك في حين أنّ المصاريف لم تتجاوز 25.000 فرنك. وممّا يعكس صدى الجمعية الذي ما انفكّ يتزايد ردّ فعل السلطات الاستعمارية الساعية إلى تعطيل نشاطها. فقد عرض مدير الأمن العمومي يوم 20 سبتمبر 1929 على الدكتور الماطري المساوئ والأضرار الناجمة عن هذه الاحتفالات المنظّمة بالأماكن العمومية واعتبر ذلك اختراقا لقانون 8 ماي 1922 الذي يمنع نشاط كلّ المنظمات غير الحكومية، إلاّ أنّ سلط الحماية كانت ترجّح انتساب هذه الجمعية إلى حزب الدستور خاصّة أنّ نظيرتها بباريس قد أسهم في تكوينها طلبة تونسيون ينتمون إلى الحزب الدستوري. ولئن اعتبرت السلط الاستعمارية أنّ هذه الجمعية ذات نشاط وطني تضامني بحت، فقد ركّزت اهتمامها على نزعتها اليسارية المناهضة للحضور الاستعماري واستنتجت ذلك من رفض هذه الجمعية دفن المتجنّسين في المقابر الاسلامية. على أن ّ هذه المواقف المتصلبة لم تزد الماطري ورفاقه إلاّ تشبّثا بمنظّمتهم، فطالبوا يوم 21 جويلية 1930 بالاعتراف الرّسمي والنهائي بنشاط هيئتهم المديرة التي تكوّنت منذ 27 أفريل 1930 من الدكتور الماطري رئيس، وحميدة الساحلي مساعده والطاهر صفر كاتب عام ومحمّد مقدم أمين مال. هذا بالاضافة إلى مقالاته الصادرة بجريدة "اللواء التونسي" L'Etendard tunisien والتي أدان فيها الظاهرة الاستعمارية. وبعد أنّ أسّس صحبة الزعيم الحبيب بورقيبة ورفاقه جريدة العمل "L'Action tunisienne" أصبح من الأعضاء القارين في هيئة تحريرها وأخذت مقالاته طابعا "صحيّا" بحكم مهنته. فقد وجّه فيها نقدا للسّلط الاستعمارية وحمّلها المسؤولية في ظهور عدّة أمراض وأوبئة مثل مقاله الصادر ب"العمل التونسي" (L'Action tunisienne) بتاريخ 6 جانفي 1933 بعنوان "Epidémies et Colonisation" والآخر بعنوان: "M.Manceron et sa politique sur l'usure et la misère des fellahs".

ونظرا إلى خصوصيّة مقالاته، إضافة إلى كفايته العلمية وقدرته الفائقة على التحليل المنطقي والسياسي قد أصبح الدكتور محمود الماطري المدير المسؤول عن إدارة "L'Action tunisienne". وبعد أن كانت جريدة أسبوعية أصبحت يوميّة تغطّي جميع الميادين السّياسية والاقتصادية والاجتماعيّة. وانطلاقا من مواقفه المعادية للتجنيس، قاد محمود الماطري المظاهرات التي انتظمت لهذا الغرض (1931). وقد خُصّص العدد الأوّل من "L'Action tunisienne" الصّادر في نوفمبر 1932 لهذه القضيّة مندّدا بالأعمال الإجرامية لسلط "الحماية". وانتخب الماطري عضوا باللجنة التنفيذية للحزب الحرّ الدستوري في شهر ماي 1933 على إثر انعقاد مؤتمر نهج الجبل وتضاعف نشاطه السياسي وأصبح من العناصر التي تتفاوض مع السلطات الاستعمارية لعرض المسائل الوطنية. فقد استقبله المقيم العام بيروطون يوم 8 أوت 1933 عندما عوض مانصرون، وقدم إليه محمود الماطري عرضا بيّن فيه تدهور أوضاع الأهالي من جرّاء الأزمة الاقتصادية العالمية (1929) وتجاوزات السياسة الاستعمارية. وعلى إثر الخلاف الذي حصل في صلب اللجنة التنفيذية كان محمود الماطري من أنصار الزعيم الحبيب بورقيبة والطاهر صفر، إذ دعوا إلى انعقاد مؤتمر قصر هلال في 2 مارس 1934 لحسم هذا الخلاف. وقرر هذا المؤتمر تعويض اللجنة التنفيذية بهيئة أخرى أطلق عليها اسم "الديوان السياسي" برئاسة محمود الماطري. ورغم أنّه عرف بمواقفه المعتدلة ونبذه لكلّ مظاهر التطرف التي تفضي إلى الانشقاق وإضعاف نشاط الحزب، فقد كان دائما مساندا لما يقرّره الديوان السياسي من ذلك مشاركته في مظاهرة مارس 1934 ردّا على مظاهرة نظمها الغُلاة من المستوطنين وكبار الموظفين الفرنسيين احتجاجا على فكرة "الاستقلال" التي كانت تخامر أذهان الزعماء الوطنيين.

وواصل الدكتور محمود الماطري نقده "للحماية" ورموزها. فقد انتقد سياسة المقيم العام بيروطون بنشره مقالا في "L'Action tunisienne" بعنوان "ما أشبه اليوم بالبارحة"، وكان ردّ فعل المقيم العام نفي محمود الماطري إلى الجنوب التونسي (مدنين، بن قردان، برج لبوف) حيث قضى حوالي 3 سنوات مبعدا وحيث التقى بالأخوين محمّد والحبيب بورقيبة ثم انضمّ إليهم يوسف الرويسي. ونتيجة لموجة من الاعتقالات، تتالت المظاهرات الاحتجاجية كتلك التي قادها بعض ممثلي اللجنة التنفيذية وانضمّ إليهم كلّ من الطاهر صفر والبحري قيڨة وقد أخذا الكلمة أمام قصر الباي بالمرسى متحدثين عن اعتقال زملائهم وتعسّف سلطة "الحماية"، وكذلك المظاهرة التي نظمّ ها كلّ من صالح بن يوسف والطاهر صفر داخل جامع الزيتونة في غرّة جانفي 1935، وقد أدّت إلى اعتقال الطاهر صفر الذي نُقل إلى جرجيس والبحري قيڨة إلى مدنين وكلّ من علي بوكرداغة ومحمد الحبيب بوقطفة إلى بن قردان حيث التقيا بالدكتور الماطري.

وبقدوم المقيم العام الجديد أرمان غيون (Armand Guillon) في مارس 1936 - وقد عرف بأفكاره التحررية - أُفرج عن دفعة أولى من المعتقلين ثمّ من بعدهم أعضاء الديوان السياسي وعلى رأسهم محمود الماطري (ماي 1936) الذي استقبله المقيم العام بمقرّه في السّجن وتحدّث معه عن الأوضاع العامة بالبلاد وهو ما مكّنه من ربط علاقة وطيدة بأرمان غيون الذي نال إعجابه وأصبح منذ ذلك الحين ممثل الديوان السياسي في التفاوض معه حول القضايا الوطنية. وليس من الغريب أن يعقد المجلس الملّي (10 جوان 1936) بمنزل محمود الماطري. وقد تزامن ذلك مع تكوّن حكومة الجبهة الشعبية بفرنسا وتولّي الزعيم الاشتراكي ليون بلوم (Léon Blum) رئاستها.

والملاحظ أنّ الدكتور الماطري قد استفاد من صعود الاشتراكيين إلى الحكم إذ كانت له مع بعض العناصر الاشتراكية علاقات وطيدة منذ فترة دراسته كما بيّنا. ولا شك في أنّ هذا الظرف الذي تميّز بالانفراج النسبي مكّن الدكتور الماطري من بعث عدّة شعب دستورية بكلّ من الوسط والجنوب. وممّا دلّ على تزايد مكانة الدكتور الماطري ونشاطه الحظوة التي لقيها في كثير من الأوساط السياسية الفرنسية. من ذلك مثلا أنّ كاتب الدولة لدى وزير الخارجية الفرنسي حلّ في 20 فيفري 1937 بتونس وطلب مقابلة الماطري الذي أقنعه بضرورة منح الحريات العامة للتونسيين وإشراك هؤلاء فعليّا في تصريف الشؤون العمومية، وهو ما أثار ردود فعل "الغلاة" الذين ندّدوا ببيار فينو (Pierre Viénot) كاتب الدولة لوزارة الخارجية الفرنسية وبالمقيم العام غيون الذي اعتبروه متعاطفا مع الوطنيين.

وعلى عكس رفاقه من الديوان السياسي، فقد كان الدكتور محمود الماطري مؤيّدا الشيخ عبد العزيز الثعالبي لمّا عاد إلى تونس في جويلية 1937 ومنتقدا الانشقاق الحاصل في صلب الحزب الحرّ الدستوري وملحّا على ضرورة الوفاق لضمان وحدة الصف داخل الحركة الوطنية. وبعد أن سافر الماطري إلى فرنسا يوم 12 جويلية 1937 قابل "أرمان غيون" وأطلعه على الأوضاع بتونس، عاد في سبتمبر 1937 في مرحلة بلغ فيها الصّراع أوجه بين اللجنة التنفيذية والديوان السياسي. وقد اغتنم حضوره في مؤتمر نهج "التريبونال" أيام 30 أكتوبر - 2 نوفمبر 1937 ليلقي خطابا ركّز فيه على وحدة الحركة السياسية حتى يكون لها تأثير لدى الأوساط الاستعمارية لا سيّما المتطرفين منهم، كما أصرّ على ضرورة الاعتدال في المطالب الوطنية، إذ لم يكن موافقا على ذكر مصطلح "الاستقلال" باللائحة السياسية التي صدرت عن المؤتمرين. ويبدو أنّه منذ ذلك التاريخ بدأت تتّسع الهوّة بين الشقّ المعتدل الذي يمثّله الماطري والشقّ الراديكالي الذي يمثّله الزعيمان بورقيبة وصالح بن يوسف.

وقد تجلّى هذا الخلاف بكلّ وضوح لمّا طالب الشقّ الراديكالي تنظيم إضراب يوم 20 نوفمبر 1937 تضامنا مع الشعبين المغربي والجزائري إثر اعتقال الزعماء الوطنيين، ورفض الدكتور محمود الماطري فكرة الاضراب العام معارضا أطروحة تصعيد النضال لاجبار سلط "الحماية" على تقديم تنازلات كان الزعيم بورقيبة ينشدها ولم تقنعه إستراتيجية العمل التي اقترحها الماطري، بلغ الأمر أقصاه ففضل محمود الماطري الاستقالة بتعلّة المرض، منقطعا بذلك عن كلّ نشاط سياسي (وردت في رسالتين: الاستقالة الأولى أواخر ديسمبر 1937 ورسالة الاستقالة الثانية في 13 جانفي 1938)، إلاّ أنّ هذه الاستقالة لم تمنع الدكتور محمود الماطري من الحضور إلى جانب الفئات الشعبية لمّا اندلعت مظاهرة 8 أفريل 1938 التي انطلقت من رحبة الغنم (معقل الزعيم) لتمر من باب جديد، لكنّه كان دائما مصرّا على مبادئه الهادفة إلى عدم المواجهة تجنبا لإراقة الدماء، وذلك بحكم اختلاف موازين القوى بين الشعب الأعزل والقوات الاستعمارية. وقد خطب محمود الماطري أمام الجماهير المتظاهرة محاولا تهدئة الأوضاع، إلى حدّ أنّ اعتبره البعض "المنظّم الروحي" للجماهير وربّما لقيت هذه النزعة المعتدلة قبولا لدى بعض الشخصيات الدستورية مثل الطاهر صفر الذي أبدى في اليوم الموالي تأييده لما نادى به محمود الماطري، وكذلك الشأن بالنسبة للأوساط الاستعمارية، فقد استقبله المقيم العام "غيون" وكلّفه بالاتصال ببورقيبة والعمل على إقناعه بالتراجع عن تنظيم مظاهرة يوم 9 أفريل 1938. لكن ّ بورقيبة امتنع مصرّا على رأيه، وقد جرت أحداث دامية جرح وتوفّي خلالها عديد المناضلين الذين زارهم الماطري بالمستشفى الصادقي مقدّما لعائلاتهم بعض الاعانات. ولمّا عوّض إيريك لابون (Eric Labonne) المقيم العام "غيون" في 24 أكتوبر 1938 تمّ استقبال الدكتور محمود الماطري في فيفري 1939. فاغتنم الفرصة للتفاوض معه حول مسألة إطلاق سراح المعتقلين ورغم زيارته له عديد المرّات فإنّه لم يتمكّن من إقناعه. وكان أيضا من العناصر التي استدعاها الأميرال استيفا (Estiva) عند قدومه إلى تونس معوّضا (E.Labonne) في خضمّ الحرب العالمية الثانية (جويلية 1940) واستفسر محمود الماطري عن أوضاع المعتقلين ومكان إبعادهم (مرسيليا).

ولقد شكّل اعتلاء المنصف باي العرش الحسيني في جوان 1942 حدثا بارزا في حياة محمود الماطري الذي جمعته به معرفة خاصة عندما كان الماطري معلّما بالمرسى يعطي دروسا خصوصية لأحد أبناء المنصف باي. وقد استدعاه الباي في اليوم الثاني من تنصيبه وعيّنه رئيس أطبّائه. وطلب منه أنّ يعدّ رفقة محمد سعد اللّه والصادق الزمرلي مشروع مذكّرة تلخّص الاصلاحات التي سيتمّ عرضها على حكومة الماريشال "بيتان". ولعلّ هذه الأبعاد الوطنية التي ميّزت محمود الماطري هي التي شجّعت المنصف باي لمّا شكّل حكومة جديدة (ديسمبر 1942) على تعيينه وزيرا للداخلية، وكان محمد شنيق وزيرا أكبر وصالح فرحات وزيرا للعدل. وبعد خلع المنصف باي، نشط محمود الماطري ضمن ما يسمّى "الحركة المنصفية" مطالبا بإرجاعه موجّها صحبة رفاقه برقية احتجاج إلى كلّ من رئيس الجمهورية الفرنسية Vincent Auriol ورئيس الوزراء Paul Ramadier ووزير الخارجية Georges Bidault.

وكان محمود الماطري من المشاركين في مؤتمر ليلة القدر (23 أوت 1946) والمساهمين في إنجاحه، فتمّ رفع شعار "الاستقلال" لأوّل مرّة، رغم اقتحام قوات الأمن لمقرّ الاجتماع حيث تمّ اعتقال كلّ من محمد شنيق ومحمود الماطري ثمّ أطلق سراحهما. وعلى إثر اعتلاء الأمين الباي العرش تشكّلت حكومة شنيق الثانية بعد فشل حكومة الكعاك (1950) فعيّن محمود الماطري وزيرا للداخلية وأصبحت هذه الحكومة تسمّى ب "التفاوضية" وحرص وزيرها الأكبر محمد شنيق على أن تكون امتدادا لحكومته الأولى فكانت بذلك حكومة جبهة وطنية إذ ضمّت عناصر دستورية جديدة مثل صالح بن يوسف الذي عيّن وزيرا للعدل.

وقد كان محمود الماطري راضيا عن إصلاحات 8 فيفري 1951 التي سنّها المقيم العام لوي بيريي Louis Périllier. وأمام تصلّب الحكومة الفرنسية أدان الماطري مذكرة 15 ديسمبر 1951 مثله مثل الزعيم بورقيبة واعتبرها إيذانا باندلاع مرحلة جديدة في الكفاح الوطني. وقد تزامن ذلك مع تعيين المقيم العام الجديد جان دي هوتكلوك Jean de Hautecloque الذي حلّ بتونس يوم 13 جانفي 1952 وقد عرف بغروره وتعسّفه وهو ما ساعد على اندلاع المقاومة المسلّحة بعد خطاب الزعيم بورقيبة ببنزرت (13 جانفي 1952).

وكان من نتائح ذلك أن أمر المقيم العام باستقالة الوزير الأكبر. واعتقل يوم 26 مارس 1952 الوزير الأكبر محمد شنيق ووزارءه ومنهم محمود الماطري ونقلهم إلى الجنوب التونسي (قبلي، جبل "فيلبار") ثمّ إلى جزيرة جربة في 11 أفريل 1952 ولم يطلق سراحهم إلاّ يوم 14 ماي 1952 واشترط عليهم ملازمة بيوتهم. إلاّ أن ذلك لم يمنعهم من مواصلة النضال السياسي الوطني في صلب الحزب الدستوري الجديد، وقد كان من مؤيّدي سياسة المراحل الهادفة إلى تطوير العلاقة بين فرنسا وتونس والتدرّج إلى الاستقلال التامّ.

وإثر خطاب منداس فرنس (31 جويلية 1954) تشكّلت وزارة تفاوضية برئاسة الطاهر بن عمار وقد كان الماطري من أنصار الحوار. وممّا يعكس موافقته على اتّفاقيات الاستقلال الداخلي -التي شرع الاعداد لها منذ هذه الفترة - انتخابه رئيسا للجنة العمل الفرنسي التونسي من أجل الصداقة والتعاون يوم 5 أفريل 1955. ونشر الدكتور محمود الماطري مقالا بجريدة "لومند" Le Monde بتاريخ 6 جويلية 1955 بعنوان "ننتمي كلنا، تونسيّون وفرنسيّون، إلى العالم المتوسطي" مبرزا بذلك النوايا الايجابية للطرف التّونسي الراغب في تحقيق استقلاله في إطار التعاون مع فرنسا. وفي تصريح بجريدة "L'Action" حول الاتفاقيات قال الدكتور محمود الماطري: "اعتبر أنّ هذه الاتّفاقيات تفتح إمكانات واسعة، إنّها تمثل خطوة نحو التحرير". وهو ما دعّم مواقف الزعيم بورقيبة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الماطري كان من بين العناصر الفعّالة إثر تكوّن الجبهة الوطنية في انتخابات المجلس القومي التأسيسي (أفريل 1956) ضمن قائمة تونس المدينة التي ضمّت تسعة مرشّحين، وقد أهّله هذا الدّور إلى الاسهام في تحرير نصّ الدستور التونسي. وكانت له مواقف مناصرة للمرأة إذ طالب بحقّها في الانتخاب على إثر تشكيل حكومة الاستقلال في أفريل 1956، وقد كلّف فيها بوزراة الصحّة وحاول الموازنة بين الجهات في إنشاء المؤسسات الصحيّة. وتميّز الدكتور الماطري باستقلالية مواقفه إلى أن انسحب من الوزارة في 29 جويلية 1957 حيث قرّر بنفسه وضع حدّ لكلّ نشاط سياسي. وتوفّي يوم 13 ديسمبر 1972 ودفن بمقبرة الزلاّج بالعاصمة مخلّفا رصيدا نضاليا وطنيا، بدءًا بالعمل الصحفي (قرابة مائة مقالة) ثمّ الجمعياتي فالحزبي فالحكومي.