البحري قيڨة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
البحري ڤيڤة

[1904 - 1995م]

نشأته ودراسته[عدّل]

ينتمي السياسي البحري قيڨة إلى عائلة أصلها من قرية تكرونة القريبة من بلدة النفيضة. وقد ولد يوم 4 مارس 1904 في مدينة تستور حيث كان والده يباشر خطّة قابض في مركز البريد. وزاول دراسته الابتدائية في مسقط رأسه، ثم التحق بالمعهد الصادقيّ في سنة 1916 بصفة تلميذ داخلي، وواصل به دراسته إلى أنّ أحرز شهادة ختم الدروس الثانويّة بامتياز في جوان 1922. ثمّ انتقل إلى معهد كارنو ونال منه شهادة الباكالوريا بجزءيها في جوان 1923 وجوان 1924. وإثر ذلك تحوّل إلى باريس لمزاولة دراسته العليا في الحقوق، وهناك لقي من جديد زميليه في الدراسة بالصادقية الحبيب بورقيبة والطاهر صفر، كما تعرّف إلى الطالب الصادقي الأكبر منه سنّا، محمود الماطري. وفي باريس انخرط في سلك طلبة كليّة الحقوق والمدرسة الحرّة للعلوم السياسيّة حيث واصل دراسته الجامعيّة إلى أنّ أحرز في جوان 1928 الإجازة في الحقوق ودبلوم العلوم السياسيّة (شعبة الماليّة السياسيّة).

وعند ذلك رجع إلى تونس والتحق بسلك المحامين بعد أنّ قضى فترة تدرّب فيها لدى الأستاذين حسن قلاتي والاشتراكي أندري دوران أنجليفيال. وفي سنة 1930 تحوّل من جديد إلى باريس حيث ناقش أطروحة دكتوراه في الحقوق حول "تطوّر القانون الإسلامي وتطبيقه القضائي في تونس". فنجح بتفوّق في هذه الشهادة وأصبح دكتورا في العلوم القانونية والسياسية والاقتصادية. وإثر ذلك عاد إلى تونس لمباشرة المحاماة.

نضاله في الحقل الوطني[عدّل]

قام البحري بنشاط سياسي ملحوظ في باريس، إذ كان من مؤسّسي "جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا" سنة 1927، وأسهم في النشاط الثقافيّ والسياسيّ إسهاما بعيد المدى، كما كان متّصلا بالأوساط السياسيّة الفرنسيّة، لا سيما منها التابعة للأحزاب اليساريّة، وذلك للدفاع عن القضية التونسية والتعريف بالمطالب الوطنية. وما إن رجع إلى أرض الوطن حتى اجتمع بزملائه الذين عادوا من باريس قبله، بعد أنّ أتمّوا دراستهم العليا، وحاولوا تنشيط الحركة الوطنية إثر الركود الذي خيّم عليها في عهد المقيم العام لوسيان سان (1922 - 1929). فأسهم إلى جانب الحبيب بورقيبة والطاهر صفر في تحرير جريدة الشاذلي خير اللّه الناطقة بالفرنسيّة "اللّواء التونسي". ثم انضمّ إلى هيئة تحرير الجريدة الثانية "صوت التونسي" التي تحوّلت من أسبوعيّة إلى يوميّة، للقيام بحملة ضدّ التظاهرات التي اعتزمت الحكومة تنظيمها في ماي 1931 للاحتفال بخمسينيّة الحماية. وكانت هذه الهيئة تضمّ إلى جانب البحري قيڨة بورقيبة ومحمود الماطري ومحمد بورقيبة والطاهر صفر ومحمد بدرة. وقد تمكّن الحبيب بورقيبة والطاهر صفر والبحري قيڨة من حضور مؤتمر رابطة حقوق الانسان الفرنسيّة المنعقد في مدينة فيشي من 23 إلى 25 ماي 1931، بوصفهم صحافيين يمثلون جريدة "صوت التونسي". واستغلّوا تلك الفرصة للتنديد بالاستعمار والمطالبة بتحرير بلادهم.

ولكن سرعان ما شبّ خلاف بين أعضاء هيئة التحرير وصاحب الجريدة، الشاذلي خير اللّه، الذي دعاهم إلى التخفيف من حدّة لهجتهم في مقالاتهم، نزولا عند رغبة المقيم العام منصرون. فقرّروا الانفصال عن "صوت التونسي"، وأصدروا في أوّل نوفمبر 1932 جريدة خاصّة بهم ناطقة بالفرنسيّة بعنوان "العمل التونسي". وقد أحرزت الجريدة نجاحا باهرا وتهافت المثقّفون التونسيّون على قراءتها، لا سيما إثر الحملة التي شنّتها على سياسة التجنيس ودعت إلى معارضة دفن المتجنّسين بالجنسيّة الفرنسيّة في مقابر المسلمين. فتعدّدت المصادمات بين الجماهير الشعبيّة وقوّات الأمن حتى اضطرّت السلطة الاستعماريّة إلى تخصيص أماكن لدفن المتجنّسين خارج المقابر الإسلاميّة.

الديوان السياسي الجديد للحزب الدستوري

وإثر هذا النجاح قرّر المؤتمر الذي عقده الحزب الدستوري في نهج الجبل بتونس يومي 12 و13 ماي 1933، أن يلحق أعضاء هيئة التحرير ل"العمل التونسي" باللجنة التنفيذية للحزب، وهم: الحبيب بورقيبة ومحمود الماطري والطاهر صفر ومحمد بورقيبة والبحري قيڨة وعلي بوحاجب. ولكنّ لم يدم الوئام طويلا بين الشبّان النشيطين والشيوخ المحافظين، إذ سرعان ما احتدّ الخلاف بين الشّقين حول طرق العمل، إلى أنّ أفضى إلى طرد البحري قيڨة من اللجنة التنفيذيّة بتهمة "إفشاء أسرار الحزب" ثمّ استقالة كلّ من الحبيب بورقيبة والدكتور الماطري والطاهر صفر ومحمّد بورقيبة الذين طالبوا بعقد مؤتمر خارق للعادة للحزب لحسم الخلاف. ورغم معارضة اللجنة التنفيذية فقد انعقد هذا المؤتمر يوم 2 مارس 1934 بمدينة قصر هلال بحضور الممثلين لأغلب الشّعب الدستوريّة. وقرّر المؤتمر في خاتمة أشغاله فصل أعضاء اللجنة التنفيذيّة عن الحزب، وتعويض هذه اللجنة بهيئة جديدة تسمّى "الديوان السياسي" وتتركّب من: الدكتور محمود الماطري (رئيسا)، الحبيب بورقيبة (كاتبا عاما)، الطاهر صفر (كاتبا عاما مساعدا).

نشاط البحري قيڨة في الديوان السياسي[عدّل]

قام أعضاء الديوان السياسي بنشاط حثيث في العاصمة وفي داخل البلاد للاتصال المباشر بالشعب وتوعيته وإعداده للكفاح التحريري. وسرعان ما أدرك المقيم العام الجديد مارسال بيروطون (1933 - 1936) ما يجسّمه الحزب الدستوري الجديد من خطر على الحضور الفرنسي في تونس، فأقرّ العزم على القضاء عليه وهو في المهد. وتحقيقا لهذه الرغبة أمر بإلقاء القبض على أعضاء الديوان السياسي الثلاثة: الحبيب بورقيبة ومحمود الماطري ومحمّد بورقيبة وإبعادهم إلى الجنوب يوم 3 سبتمبر 1934، واعتقال مجموعة كبيرة من المناضلين النشيطين. وما إنّ انتشر خبر هذه الاجراءات التعسّفيّة حتى عمّت الاضطرابات والمظاهرات الاحتجاجيّة كامل البلاد، واستشهد عدد من المتظاهرين في المكنين يوم 5 سبتمبر 1934. وتكوّن ديوان سياسي جديد لقيادة حركة المقاومة يتركّب من الطاهر صفر والبحري قيڨة اللذين بقيا في حالة سراح وصالح بن يوسف. فاتّصل بهم بيروطون ووعدهم بإطلاق سراح الزعماء المبعدين إذا توقّفت الاضطرابات. وتلبية لهذه الدعوة قام أعضاء الديوان السياسي بجولة داخل البلاد لدعوة المواطنين "إلى الهدوء والسكينة"، حتى يُفرج عن الموقوفين. لكنّ المقيم العام لم يبرّ بوعده فاستأنفت المظاهرات الاحتجاجية، ومنها المظاهرة التي جرت بجامع الزيتونة في جانفي 1935، بمناسبة زيارة أحمد باي للجامع ليلة 27 رمضان المعظم. فأمر بيروطون بنقلة الزعماء المبعدين إلى محتشد برج البوف في أقصى الجنوب، وألحق بهم أعضاء الديوان السياسي الثاني: الطاهر صفر والبحري قيڨة وصالح بن يوسف. ورغم ذلك فقد استمرّت الاضطرابات طيلة سنتين متتاليتين إلى أنّ اضطرّت حكومة باريس في مارس 1936 إلى إعفاء بيروطون من مهامّه وتعويضه بمقيم جديد معروف بأفكاره التحرريّة، وهو أرمان غيون الذي بادر منذ التحاقه بمنصبه بنقل المبعدين من برج البوف إلى بعض مدن الجنوب حيث أجرى اتّصالات بهم قبل أنّ يأمر بإطلاق سراحهم وعودتهم إلى تونس. أمّا البحري قيڨة فقد نقل من برج البوف إلى قابس حيث بقي في الإقامة الجبريّة إلى أنّ أفرج عنه مع رفقائه في شهر أفريل 1936. فعاد مع بقية الزعماء إلى تونس، واستأنف نشاطه داخل الديوان السياسي.

وفي المؤتمر الثاني الذي عقده الحزب في 31 أكتوبر و1 - 2 نوفمبر 1937 في مقرّه بنهج التريبونال بالعاصمة، أعيد انتخاب أعضاء الديوان السياسي الأوّل: الحبيب بورقيبة ومحمود الماطري والطاهر صفر والبحري قيڨة، وعضو الديوان السياسي الثاني صالح بن يوسف، وأضيف اليهم عضو جديد، وهو الدكتور سليمان بن سليمان. وقد أسفر المؤتمر عن تفوّق شقّ الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وسليمان بن سليمان على شقّ محمود الماطري والطاهر صفر والبحري قيڨة، وعن سحب الثقة من الحكومة الفرنسيّة، رغم معارضة رئيس الحزب والمؤتمر. واحتدّ الخلاف بين الشقيّن إثر اعتماد الحزب سياسة التصعيد، فاستقال الدكتور الماطري من رئاسة الحزب. وتوجّه البحري قيڨة إلى باريس لربط الصلة من جديد بالحكومة الفرنسيّة. لكن الروح النضالية ازدادت قوّة في تونس منذ شهر مارس 1938 واشتدّ التوتّر بين السلطة الفرنسيّة وقادة الحزب، وعلى رأسهم الكاتب العام الحبيب بورقيبة، حتى أفضى الأمر إلى اندلاع حوادث 9 أفريل 1938 وإلقاء القبض على زعماء الحزب الدستوري الجديد وأبرز مناضليه، وإعلان حالة الحصار. وإثر ذلك قدّم البحري قيڨة استقالته من الديوان السياسي والحزب في 14 أفريل 1938. ورغم ذلك فقد ألقي عليه القبض إثر رجوعه من باريس وأودع السجن مدّة من الزمن إلى أن قرّر حاكم التحقيق الافراج عنه. فغادر السجن واعتزل الحياة السياسيّة من أفريل 1938 إلى جوان 1942.

نشاطه بعد استقالته من الحزب الدستوري الجديد[عدّل]

استأنف البحري قيڨة نشاطه إثر اعتلاء الملك الوطني المنصف باي العرش في 19 جوان 1942. ولقد ذكر الشاذلي الخلاّدي "أنّ محمّد شنيق رئيس الحجرة التجاريّة التونسية ومحمد بدرة مديرها، كثيرا ما كانا يجتمعان في تلك الفترة بالسيد محمد العزيز الجلولي والأستاذ البحري قيڨة بوصفهما مستشارين شبه رسميّين". فلمّا عيّن محمد شنيق يوم أوّل جانفي 1943، في عهد المنصف باي، وزيرا أكبر، كلّف البحري قيڨة بمهامّ متفقّد عام للعمّال (الولاة). ثم أعفي من تلك المهام إثر خلع المنصف باي في 14 ماي 1943. فتفرّغ منذ ذلك التاريخ للمحاماة.

وبعد أن وضعت الحرب العالميّة الثانية أوزارها في سنة 1945 استأنف نشاطه السياسي بوصفه وطنيّا مستقلاّ. فكان يشارك بالخصوص في نشاط أعضاء الجبهة الوطنية التي كانت تضمّ وقتئذ الحزب الدستوري بشقّيه القديم والجديد، والحركة المنصفيّة وشيوخ جامع الزيتونة وأرباب المهن الحرّة من أطباء وصيادلة ومحامين وغيرهم. وإثر اندلاع المعركة التحريريّة الحاسمة ألقت السلطة الاستعماريّة القبض على البحري قيڨة واعتقلته في محتشد تبرسق بأمر من المقيم العام دي هوتكلوك. وغداة الاستقلال عيّنه الرئيس الحبيب بورقيبة في شهر فيفري 1959 محافظا للملكيّة العقاريّة. ولما انتهت مهمّته، اعتزل الحياة السياسيّة من جديد، وتفرّغ لعمله المهني في سلك المحاماة، إلى أنّ توفّي في سنة 1995عن سنّ تناهز التسعين.