الصادق المقدم

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الصادق المقدم

[1914 - 1993م]

يعد السياسي الدكتور الصادق المقدّم من رجال الحركة الوطنيّة التونسية البارزين، سخّر حياته المليئة بجلائل الأعمال للكفاح من أجل تحرير وطنه الرازح تحت نير الاستعمار، والنهوض به إلى مصافّ الدول المتقدّمة بعد الاستقلال. فقد انضمّ إلى الحزب الدستوري الجديد منذ شبابه الباكر، وناضل في صفوفه، سواء في تونس أو في فرنسا في أثناء فترة الدراسة، في سبيل استقلال تونس وحريّتها، وقاد حركة المقاومة الوطنيّة في أثناء المعركة الحاسمة من سنة 1952 إلى سنة 1954، إلى جانب الشهيد فرحات حشّاد. ولمّا استرجعت تونس سيادتها وحريّتها، أسهم الصادق المقدّم مساهمة فعّالة، سواء ضمن السلطة التنفيذيّة أو السلطة التشريعيّة، في بناء الدولة التونسيّة الحديثة وتركيز مؤسّساتها العتيدة وإرساء الجمهوريّة الفتيّة على أساس الشعار الذي اختاره لها نوّاب الأمّة: النظام والحريّة والعدالة.

التنشئة والدراسة بتونس (1914 - 1934)[عدّل]

ولد الصادق بن محمّد المقدّم بمدينة تونس يوم 24 فيفري 1914 (أي في نفس السنة التي اندلعت فيها الحرب العالميّة الأولى)، وهو ينحدر من عائلة تونسيّة عريقة أصلها من بلدة ميدون بجزيرة جربة.

وبعد حصوله على الشهادة الابتدائيّة التحق في سنة 1928 بمعهد كارنو حيث واصل دراسته الثانويّة إلى أنّ أحرز شهادة الباكالوريا. ولمّا كان نصيب اللغة العربيّة كان زهيدا في برامج التعليم بالمعهد المذكور، فقد حرص الشاب الصادق المقدّم، بإشارة من والده، على الانخراط في سلك طلبة المدرسة العليا للغة والآداب العربيّة، المعروفة عهدئذ باسم مدرسة العطارين، التي كان على رأسها المستشرق المعروف ويليام مارسي. فكان يتابع بانتظام الدروس الليلية التي كان يلقيها، حول اللّغة والآداب العربية والتاريخ، أساتذة أفذاذ أمثال المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب والصادق الزمرلي والشيخ العربي الكبادي وعثمان الكعّاك. وبفضل اجتهاده ومثابرته وقدرته على الاستيعاب، أحرز الصادق المقدّم في دورة جوان 1931، الشهادة العليا في اللغة والآداب العربيّة بامتياز.

وإلى جانب دراسته، كان يقوم بنشاط سياسي وثقافي حثيث. فقد أقبل على الانضمام إلى الحزب الدستوري الجديد منذ انبعاثه في مؤتمر قصر هلال المنعقد في 2 مارس 1934, وذلك بالانخراط في الشبيبة الدستوريّة. ومن ناحية أخرى أسهم سنة 1932 في بعث جمعيّة الشبيبة المدرسية التي كانت تابعة لجمعيّة قدماء المدرسة الصادقية، وتضمّ تلامذة معاهد التعليم الثانوية الموجودة وقتئذ في مدينة تونس، بما في ذلك جامع الزيتونة. ومن أنشطة الشبيبة المدرسية نذكر بالخصوص تنظيم محاضرات في شتى العلوم والمعارف يلقيها الأساتذة أو التلامذة أنفسهم، وإقامة معارض للفنون التشكيلية وتنظيم رحلات داخل البلاد، ومنح جوائز للتلامذة المتفوّقين في الامتحانات. وفي مستهلّ السنة الدراسية 1933 - 1934 انتخب التلميذ الصادق المقدم على رأس الهيئة المديرة للشبيبة المدرسية. ومن أعضاء هذه الهيئة نذكر مثلا: محمد بكير والرشيد إدريس والطيب العنّابي ومحمود بن المفتي...

سنوات الدراسة بفرنسا (1934 - 1940)[عدّل]

وفي مستهلّ السنة الدراسية 1934 - 1935 تحوّل الشابّ الصادق المقدّم إلى فرنسا لمزاولة دراسته العليا في الطبّ، فالتحق أوّلا بكليّة الطبّ في مدينة مونبيليي ثم بكليّة الطبّ في باريس إلى أنّ أتمّ دراسته في جوان سنة 1939. وفي الأثناء اندلعت الحرب العالميّة الثانيّة في شهر سبتمبر من نفس السنة، فتحوّل إلى جنوب فرنسا، حيث قضى فترة في التدرّب بمستشفى آكس بصفة طبيب داخلي وقتي، وذلك من 25 جانفي إلى 15 نوفمبر 1940، وقد أجبرته ظروف الحرب على العودة إلى أرض الوطن قبل الحصول على شهادة الدكتوراه في الطبّ. وسوف يحرز هذه الشهادة في سنة 1944، إثر مناقشة أطروحته بجامعة الجزائر. هذا وإنّ انشغال الشابّ الصادق المقدم بدراسته في أثناء إقامته بفرنسا من سنة 1934 إلى سنة 1940، لم يمنعه من الاهتمام بالشؤون السياسيّة ومواصلة النضال من أجل تحرير وطنه. فقد انضمّ إلى شعبة الحزب الدستوري الجديد منذ تأسيسها في سنة 1936 بقيادة الطالب في الطبّ الحبيب ثامر، وفي نفس الوقت انخرط في سلك جمعيّة طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا التي بعثت منذ سنة 1927، لتوجيه طلبة المغرب العربي بفرنسا توجيها قوميّا، عربيّا إسلاميّا. ونظرا إلى ما كان يتميّز به من خصال وقدرة على العمل انتخب رئيسا لتلك الجمعية سنة 1939. وفي أثناء إقامته في منطقة مرسيليا لقضاء فترة التدرّب كان يزور بانتظام قادة الحزب الدستوري الجديد السبعة المعتقلين في برج سان نيكولا، ومنهم قريبه الزعيم صالح بن يوسف. وهناك تعرّف عن كثب إلى الزعيم الحبيب بورقيبة، واستحكمت بينهما علاقات المودّة الصادقة والاحترام المتبادل.

نشاطه ونضاله في سبيل الاستقلال(1941 - 1955)[عدّل]

نشاطه المهني[عدّل]

إثر رجوعه إلى تونس في سنة 1941، عيّن طبيبا مساعدا في كلّ من المستشفى الصادقي (عزيزة عثمان الآن) ومستشفى الرابطة، إلى أنّ أحرز شهادة الدكتوراه في الطبّ من جامعة الجزائر في سنة 1944، فأصبح طبيبا كامل الحقوق. ثمّ عيّن رئيس قسم بالمستشفى الصادقي من 15 أكتوبر 1946 إلى 28 مارس 1949. ومنذ ذلك الحين تفرّغ لمعالجة مرضاه الكثيرين في عيادته الخاصّة التي فتحها بتونس في حيّ باب البحر (نهج الكومسيون).

نشاطه السياسي والاجتماعي والثقافي[عدّل]

لم يمنعه نشاطه المهني من المساهمة بقسط وافر في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة.فقد انتخب عضوا في هيئة الجامعة الدستورية بتونس من سنة 1947 إلى سنة 1952، تاريخ انطلاق المعركة التحريريّة الحاسمة، كما كانت له مساهمة متميّزة في المجالين الاجتماعي والثقافي. ففي مجال الطفولة انتخب رئيسا لجمعيّة المصائف والجولان التي شارك في تأسيسها في سنة 1947,، كما عيّن كاتبا عاما لجمعيّة إعانة الطفولة. وفي المجال الثقافي انتخب في سنة 1945 عضوا في هيئة الجمعيّة الخلدونيّة التي عيّن على رأسها الشيخ محمّد الفاضل بن عاشور، وألقى دروسا في حفظ الصّحة على منبر هذه الجمعيّة، كما نشر فصولا علمية في مجلّة ""المباحث" التونسية (1947 - 1944)، وساهم سنة 1949 في تحرير جريدة الحزب الدستوري الجديد الناطقة باللغة الفرنسيّة (الرسالة). وأخيرا انتخب كاتبا عامّا لجمعيّة "الهلال الأحمر التونسي" التي شارك في تأسيسها منذ سنة 1942.

نضاله أثناء المعركة الحاسمة (1952 - 1954)[عدّل]

إثر إلقاء القبض على الزعيم الحبيب بورقيبة وقادة الحزب الدستوري الجديد في 18 جانفي 1952، تكوّن ديوان سياسي سرّي لقيادة حركة المقاومة يضمّ قادة الحزب الذين لا يزالون في حالة سراح، والكتّاب العامّين للمنظمات القوميّة وفي مقدّمتهم الشهيد فرحات حشّاد. وكلّف الدكتور الصادق المقدّم برئاسة الديوان السياسي بالتعاون بينه وبين فرحات حشّاد، قبل اغتياله يوم 5 ديسمبر 1952. فكان يقود حركة المقاومة الوطنيّة في كنف السريّة، انطلاقا من مقرّ عيادته الكائن بنهج الكومسيون، وكان ينسّق بين أعمال المقاومين، بالتعاون مع أعضاء الديوان السياسي. وقام الصادق المقدّم بنشاط حثيث لما عيّن عضوا ممثّلا للحزب الدستوري الجديد في مجلس الأربعين الذي ألّفه محمد الأمين باي في غرّة أوت 1952 للنظر في الاصلاحات التي عرضها عليه المقيم العام دي هوتكلوك. وانتخب عضوا في اللجنة المضيّقة المنبثقة عن مجلس الأربعين والمكلّفة بتحرير التقرير الذي رفض تلك الاصلاحات بالاجماع، جملة وتفصيلا. وإثر اغتيال فرحات حشّاد ألقي القبض يوم 6 ديسمبر 1952 على الصادق المقدم صحبة مجموعة من الدستوريّين والنقابيين وأبعد إلى محتشد تطاوين، ولم يطلق سراحه إلاّ يوم 30 ديسمبر 1953 مع عدد من قادة الحزب، أمثال الهادي نويرة والمنجي سليم والطيّب المهيري.

فاستأنف الحزب نشاطه الذي تركّز بالخصوص على مقاومة إصلاحات المقيم العام الجديد فوازار بعد أن وافقه الباي على تطبيقها وعلى تشكيل وزارة صوريّة برئاسة محمّد صالح مزالي.وعندئذ احتدّت المقاومة وتحوّل الكفاح إلى حرب عصابات في الجبال وأعمال تخريب في المدن والقرى، إلى أنّ اضطرّت فرنسا إلى الاعتراف باستقلال تونس الداخلي على لسان رئيس حكومتها منداس فرانس في الخطاب الذي ألقاه أمام الباي محمّد الأمين يوم 31 جويلية 1954 في قصر قرطاج. وفي أوت 1954 عيّن الدكتور الصادق المقدم وزيرا للعدل في حكومة الطاهر بن عمّار الأولى التي كّلفتت بالتفاوض لتحويل مبدإ الاستقلال الداخلي إلى حيّز الواقع.كما عيّن رئيسا للحكومة التونسيّة بالنيابة إثر تحوّل الوزير الأكبر إلى باريس لرئاسة الوفد الوزاري المكلّف بالمشاركة في المفاوضات التونسيّة الفرنسيّة.

من الاستقلال الداخلي إلى الاستقلال التام[عدّل]

وإثر رجوع الزعيم الحبيب بورقيبة إلى أرض الوطن يوم غرّة جوان 1955 والتوقيع على اتّفاقيات الاستقلال الداخلي بعد ذلك بيومين تكوّنت حكومة جديدة برئاسة الطّاهر بن عمار من جديد، وعيّن فيها الدكتور الصادق المقدم وزيرا للصّحة العموميّة. وفي 15 نوفمبر 1955 انعقد مؤتمر الحزب الدستوري الجديد في صفاقس فوافق على اتفاقيات الاستقلال الداخلي باعتبارها مرحلة نحو الاستقلال التامّ، وانتخب الدكتور الصادق المقدم عضوا في الديوان السياسي. وإثر ذلك أخذت الأحداث تتسارع إلى أنّ أفضت إلى إجراء مفاوضات جديدة في باريس بين الحكومة التونسيّة والحكومة الفرنسيّة التي كان يرأسها الزعيم الاشتراكي غي مولي. وأسفرت عن إبرام بروتوكول 20 مارس 1956 الذي تضمّن اعتراف الحكومة الفرنسية باستقلال تونس التام. وكان من نصيب الدكتور الصادق المقدّم، بوصفه رئيس الحكومة التونسيّة بالنيابة، أن يعلن حصول تونس على الاستقلال في خطاب تاريخي توجّه به إلى الشعب التونسي يوم 20 مارس على أمواج الأثير.

المهام التي تقلّدها الصادق المقدم بعد الاستقلال[عدّل]

على الصعيد الحزبي

جدّد انتخاب الدكتور الصادق المقدّم عضوا في الديوان السياسي في أثناء مؤتمر سوسة المنعقد في سنة 1959 ومؤتمر بنزرت المنعقد في 1964. وعيّن عضوا إثر ذلك في اللّجنة العليا للحزب الاشتراكي الدستوري، التي عهد إليها الرئيس بورقيبة في سنة 1970 بإعادة النظر في سياسة الحزب خلال العشريّة الموالية، إثر التخلّي عن سياسة دولنة الاقتصاد المعروفة بالتعاضد.

على الصعيد الحكومي والنّيابي

اضطلع الدكتور الصادق المقدّم منذ الاستقلال بالمهام الدبلوماسية والحكومية التالية:

  • سفير تونس في القاهرة (جوان 1956 - جوان 1957).
  • وزير للشؤون الخارجيّة (جويلية 1957 - أوت 1962).
  • سفير تونس في باريس (أوت 1962 - نوفمبر 1964).

وانتخب عضوا في المجلس التأسيسي (مارس 1956) ثمّ رئيسا لمجلس الأمّة من 1964 إلى 1969. وقد كانت له مداخلات قيّمة في أثناء مناقشة الدستور. وأعيد انتخابه مرّة ثانية (1969 - 1974) ومرّة ثالثة (1974 - 1979) ومرّة رابعة (1981 - 1979)، وقد انتهت تلك المدّة النيابيّة قبل أوانها، لفتح المجال أمام تنظيم انتخابات تشريعيّة جديدة. وخلال مدّة رئاسته للمجلس النيابي التي دامت مدّة لا تقلّ عن 17 سنة، أشرف الدكتور الصادق المقدّم بكفاءة فائقة على مداولات المجلس خلال دورات عديدة، وأسّس تقاليد نيابيّة قائمة على الاحترام المتبادل بين الرئيس والنواب والتفاهم التام بين السلطتين التشريعيّة والتنفيذية، وقد تجاوز نشاطه وتأثيره في المحيط الوطني ليشمل المجال العربي. إذ أسندت إليه في سنة 1979 رئاسة الاتحاد البرلماني العربي، وهي منظّمة عربية مازالت قائمة الذات تخدم القضايا العربيّة المشتركة وتسعى إلى تحقيق مزيد من التعارف بين البرلمانيّين في الوطن العربي.

وقد اعتزل الدكتور الصادق المقدّم منذ سنة 1981 الحياة العامّة، مقتصرا على المطالعة والقيام ببعض الأنشطة المحدودة، مثل رئاسة الجمعيّة التونسيّة للأمم المتّحدة، ورئاسة جمعيّة الهلال الأحمر من سنة 1982 إلى سنة 1990. أمّا أغلب وقته فكان يقضيه في الاهتمام بشؤون أسرته إلى أن توفّي يوم 16 سبتمبر 1993.