دار الجلد

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

دار الجلد هي الإدارة التي كانت مكلّفة منذ نهاية القرن السادس عشر بتجميع الجلود والشمع والصّوف وتسويقها في الإيالة التونسية. وكانت هذه المواد احتكارا للدولة العثمانية بتونس وكان مركز دار الجلد بتونس حيث كانت تجمّع الجلود المتأتّية من مسالخ العاصمة والقرى المجاورة ومن المكاتب التي بداخل الإيالة. وفي مقابل هذه "اللزمة" أي احتكار تجميع الجلود وتسويقها كان على أصحاب لزمة دار الجلد - أو "تجار دار الجلد" أو "يهود دار الجلد" كما تسمّيهم السجلاّت الجبائية - أن يزوّدوا البايات وعددًا من الأعيان بأنواع من الأقمشة الفاخرة، كما كان عليهم بالخصوص الاسهام في أجور الانكشارية بدفع ما قدره 60 ألف ريال كلّ شهر لدار الباشا، وهي الإدارة المكلّفة بجراياتهم.

وفي السجلاّت الجبائيّة من رقم 2166 إلى رقم 2177 التي تضبط حساب مكاتب دار الجلد، نلاحظ في أعلى كلّ صفحة اسم البلدة واسم النائب. وكان أغلب هؤلاء النوّاب، إلى سنة 1837م، من يهود الإيالة أو من اليهود أصيلي ڤرنة الإيطالية(Livourne) وإسبانيا. أمّا داخل البلاد، فكانت هذه المكاتب تقع في أغلب قرى الوطن القبلي حتّى الصغرى منها، مثل نيانو، وتقع في بنزرت والقرى المجاورة لها، وفي باجة وماطر وتستور وتبرسق وزغوان ومجاز الباب وڤريش الواد والكاف، ثمّ في سوسة ولكن بصفة وقتية وفي فترة متأخّرة. وكانت تتعامل مع دار الجلد في هذه الفترة قبائل أولاد بوسالم وأولاد عيّار، وتوظّف الضرائب على مدن وقرى جهات معروفة بغراسة الخضر وزراعتها، أغلب سكّانها مستقرّون.

وإذا تأمّلنا الأماكن التي كانت توجد بها مكاتب دار الجلد لاحظنا أنّها توازي الأماكن التي استقرّ فيها الأندلسيون كما حدّدها "ميكال دي إبلزا" (Mikel de Epalza) في الخريطة (دراسات حول الموريسكيين الأندلسيين في تونس [بالفرنسية]. 1973، ص 29). وفيما عدا بلدة أو بلدتين، فإنّ هذه الخريطة تطابق دار الجلد إلى حدود سنة 1830م.

ومعلوم أنّ الأندلسيين حافظوا على تقاليدهم في تربية المواشي المستقرّة بمناطق إقامتهم الجديدة في الإيالة. فنحن إذن بإزاء جهات تمكّنت السلطة فيها من بسط نفوذها. ففي هذه الجهات وإثر تمركز الأندلسيين بها، أي منذ نهاية القرن 17م، تطوّرت تربية المواشي فاتسمت بالاستقرار، وهو ما سّهل تدخّل المصالح الجبائية. ثمّ إنّ وجود طائفة يهودية محليّة أو إسبانية الأصل ذات صلة بتجار تونس أو ڤرنة من اليهود ضمن سكّان هذه الجهات، كان له دور في صيغة ذلك التدخّل الجبائي، ممّا يفسّر الانتشار الجغرافي لشبكة دار الجلد.

ولقد سبق أن أبرز بعض الباحثين أو الرحالة أمثال "ميكال دي إبلزا" و"دنيز براهيمي" (Denise Brahimi)و"ج.أ. بيسونال(J.A.Peyssonel) " أنّ الأندلسيين المسلمين واليهود أعطوا دفعا كبيرا للحياة الاقتصادية في الإيالة. وكانت لهم خبرة بالتقنيات التجارية والعمليات النقدية التي جاؤوا بها من إسبانيا، فواصلوا استخدامها لمّا تصرّفوا في أملاكهم المكتسبة في الايالة. وكان منهم من عادوا برؤوس أموال ضخمة فاستثمروها بإيجار عدّة ضيعات وإدارتها. وبصفة أدقّ أصبحت الدولة في حاجة، منذ نهاية القرن 17م، إلى التّجار اليهود من أصل أندلسي الذين كانوا - بفضل ما لديهم من أموال طائلة - يقدّمون لها المبالغ اللازمة لدفع جرايات عسكر الإنكشارية بصفة منتظمة، وهو أمر أساسي لاستقرار هذه الدولة. من ذلك مثلا أنّ رمضان باي اضطرّ إلى مجاملة الإخوة شوّاط ومداراتهم لأنّه لم يكن قادرا على الاستغناء عن خدماتهم. فكان إذن من اليسير على هؤلاء التجّار أن يصبحوا في موقف قوّة وأن يهيمنوا على غيرهم من التّجار، وهو ما يفسّر حيازتهم لمواد الجلود الجمركية التي كانت عائداتها تبلغ 30 ألف ريال، والتي كانت في الواقع "لزمة" يحتكرها تجّار الجلد، إذ كان على جميع المشترين أن يتعاملوا معهم.

ولتنظيم تجميع الجلود يبدو أنّ هؤلاء التجار - الذين كانت لزمة الجلود في حوزتهم - قد ركّزوا شبكة من المكاتب في الجهات التي كان التجميع فيها أيسر، وبالخصوص في الأماكن التي يمكنهم أن يجدوا فيها أناسا تعوّدوا طرائق في العمل شبيهة بطرائقهم وسيطروا مثلهم على التقنيات المالية والتجارية. وكان من الطبيعي أن يتّجهوا إلى اليهود من أبناء دينهم المقيمين في نفس الأماكن التي استقرّ بها الأندلسيون المسلمون. فالمفروض إذن أن يكون الانتشار الجغرافي لشبكة دار الجلد موازيا للانتشار الجغرافي للأندلسيّين في الإيالة نتيجة لإدارة هذه المؤسسة الجبائية منذ نهاية القرن 17م من قبل التّجار اليهود الذين كانت حيازة لزمة دار الجلد رهانا عظيم الأهميّة لديهم. وفيما بعد، أي في النصف الثاني من القرن 19م، انتشرت شبكة دار الجلد في قبائل أخرى وجهات أخرى، وفق أشكال جديدة من التنظيم.