مصطفى رضوان

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1829 - 1904م]

مصطفى بن علي رضوان، ولد في 1244هـ/1829م بسوسة. كان أبوه صانع أسلحة، ينحدر من سلائل العثمانيّين. ويبدو أنّه كان مالكا عقاريّا كبيرا. تزوّج من بنت زين العابدين وهو مالك عقاري. أنجب ابنين وبنتا واحدة وهم: محمّد (بعد الدّراسة بالزّيتونة أصبح مدرّسا حنفيّا من الطبقة الثانية سنة 1894، ارتقى إلى المرتبة الأولى سنة 1896، وعمل بالخزينة العامة كما عمل لفترة مديرا للتّرجمة، ويبدو أنّه كان يحسن ثلاث لغات على الأقلّ، وبعد الحرب العالميّة الأولى عيّن على التّوالي: قاضيا فمفتيا، ووُلد له الطيّب الذي عمل بعد الدّراسة بالزّيتونة، عدلا وموظّفا، وتزوّج من بنت محمّد الأصرم وأمينة التي تزوّجت فيما بعد عمر الزّبيدي. وقد انتقل إلى تونس سنة 1260هـ/1845م.

وفي أثناء دراسته بجامع الزّيتونة، عاش مصطفى رضوان، في أوّل حياته، بتونس حياة الفاقة وضيق العيش: كان ينسخ المخطوطات النّادرة "ينال من جزائها ما يدفع عنه غوائل الاحتياج ويصل بينه وبين الطلب طلب العلم الذي كان صبابته فيه" حتّى تولاّه الوزير محمد خزنه دار وهو، وقتئذ، أمير لواء وعامل سوسة، وكان "سبب ذلك أنّه امتدحه بقصيدة نمّق تخطيطها بقلمه الجميل فاسترعت نظره [...] فاستنجبه وقرّبه واستكتبه في دائرته سنة 1262هـ/1846م مع تمكينه من حريّة أوقاته للاستمرار على مزاولة دروسه". وكان ما وهب هذا الشّيخ الذي وصفه محمّد الفاضل بن عاشور ب: "العبقري" "من رأي سديد، وسير رشيد، وذكاء وخبرة، وحسن استعداد مع ما اكتسب من أدب راق، وقدم راسخة في التّحرير، وباع طويل في الحسابيّات، نشأ عن شغفه الفطري بالعلوم الرّياضيّة، ممكنا له عند القائد محمّد خزنه دار منزلة العمدة المختار في عامة شؤونه الرّسميّة والخصوصيّة" [انظر: محمد الفاضل بن عاشور: المجلّة الزّيتونيّة، المجلد 11، الجزء , (1955) 5 ص ص: 285 - 288].

كلّ هذا لم يقطع الشّيخ مصطفى رضوان عن حياة الطلب والطموح إلى الرّفعة العلميّة، فانقطع سنة 1280/1863 للانكباب على العمل العلمي حتّى سمّي مدرّسا حنفيّا من الطبقة الثّانية سنة 1285هـ/1869م. وفي سنة 1286هـ/1870م، حصل شغور في مدرسي الطبقة الأولى وكان قانون جامع الزّيتونة يقتضي أنّ تسديد الشغور يكون بتعيين من النّظارة العلميّة إلاّ إذا اعترض أحد المترشحين على التّعيين وطلب المناظرة فإنّه يجاب إليها. فعيّن الشيخ محمود بن مصطفى بيرم للمنصب الشاغر. ولم يسلم مصطفى بن رضوان بهذا التعيين فجعل اعتراضه عليه ومطالبته في تلك الصّبغة الأدبيّة الحارّة الّتي توجّه بها إلى شيخ الاسلام محمّد معاوية قائلا (طويل) :

أيا شيخَ إسلام وقُدوةَ أمّةٍ
مقامُك أعْلَى من مديحي وأكْرَمُ

فأجريت المناظرة وكان له الفوز فيها، وأصبح من ثمّة، سنة 1286هـ/1869م في مرتبة الطبقة الثّانية، وهو في سنّ الأربعين.

وعندما أمر أحمد باي، سنة 1270هـ/1853م بإرسال وحدة عسكريّة تونسيّة للاشتراك مع الجيوش العثمانيّة في حرب القرم انتدب الجنرال محمّد خزنه دار للسّفر إلى الاستانة لتهيئة الوسائل اللازّ مة لنقلة العساكر وتموينهم. فسافر الشيخ مصطفى معه كاتبا له في تلك المأموريّة وأقام بإستانبول من شوّال سنة 1270هـ/جويلية 1854م إلى ربيع الأوّل سنة 1271هـ/ديسمبر 1854م. وسرعان ما عاد أمير اللواء محمّد خزنه دار إلى إستانبول في مأموريّة أخرى، وهي السفارة عن السفارة عن محمّد بن حسين باي (1855 - 1859م) في طلب أمر الولاية، فسافر معه الشّيخ مصطفى رضوان في شوّال سنة 1272هـ/جوان 1856م وفاز، في هذه المرّة بتقلّد النّيشان المجيدي. وبالرجوع من تلك السفارة، سمّي محمّد خزنه دار أمير أمراء وزاد حظوة وقربا: ففي شهر محرّم سنة 1273هـ/سبتمبر 1856م عيّن أميرا على الأعراض وقائدا عاما للمحلّة التي جهّزت لمقاومة الثّورة التي قادها غومة المحمودي، بعد فراره من معتقله بالبلاد التّركيّة. فكان مصطفى رضوان رئيس كتبة المحلّة ومتولّي مركزيّتها الإداريّة.

ولا شكّ في أنّ شواغله السياسيّة قد طغت على شواغله الدّينيّة. قال عنه محمّد الفاضل بن عاشور أنه كان "مثالا غريبا فريدا" جامعا بين العلم والادارة إذ "برز مضطلعا بالتوجّهين على نسب متساوية، فكان جامعيّا إداريّا يصطخب صرير أقلامه في الإدارة مع طنين دروسه في الجامع، ويمتزج تفكيره في شؤون الدّولة والسياسة ببحثه العلمي ونظره الحكمي". وقد تعلّم الشّيخ رضوان الفرنسيّة والانڤليزيّة في مرحلة لاحقة لتيسير المفاوضات مع الأوروبيّين التي اقتضتها وظائفه الإداريّة. ومن المحتمل أنّه سمع برفقة الجنرال محمد خزنه دار في إستانبول عن الجهود التي كان يبذلها مصلحون من أمثال رشيد باشا لصياغة التّنظيمات.

ويبدو أنّ خير الدين كان حريصا عند تولّيه الوزارة الكبرى على جلب علماء جامع الزّيتونة للعمل معه قدر الامكان. وعلى الرغم من إعراض أغلب العلماء عن دعوته فإنّ مجموعة صغيرة ومنها مصطفى رضوان قامت بدور مهمّ في عدّة مشروعات بعثها فقد شارك مصطفى رضوان في تأسيس المدرسة الصّادقية وتنظيم التّعليم بجامع الزّيتونة الأعظم. انتهى عهد الاصلاحات تقريبا في سنة 1878م بسقوط حكومة خير الدّين وهجرته إلى إستانبول حيث ولّى لفترة وجيزة الصدارة العظمى. ويبدو أنّ بعض أتباعه بتونس ومنهم الشّيخان مصطفى رضوان ومحمّد بيرم الخامس قد حاولوا مواصلة الحركة الاصلاحيّة. وكان مصطفى رضوان عضوا في لجنة النّظر في منح امتياز الخطّ الحديدي بين تونس والحدود الجزائريّة، في عام 1877م.

وعندما تأزّمت العلاقات الدبلوماسيّة بين فرنسا وتونس في عام 1878م، إثر قضيّة دعوى "الكونت سانسي" على الدّولة التّونسيّة في هنشير سيدي ثابت، كان الشيخان مصطفى رضوان ومحمّد بيرم الخامس عضوين في اللّجنة المختلطة الفرنسيّة - التّونسيّة التي توصّلت إلى صياغة تسوية وإلى إعادة العلاقات. وفي سنة 1296هـ/1879م بلغ الشيخ مصطفى رضوان رتبة عضو في مجلس الباي الخاص أو مجلس الشورى.

وعندما احتلّ الفرنسيّون تونس سنة 1881م كان أغلب أتباع خير الدّين قد غادروا البلاد، وكانت بذلك الحركة الاصلاحيّة قد وصلت إلى نهايتها. أمّا مصطفى رضوان فكان ممّن شارك في المفاوضات التي أفضت إلى اتّفاقيّة باردو.

ويبدو أنّه كان من الذين ذهبوا إلى القول بأنّ المقاومة غير مجدية، في حين كان العربي زرّوق رئيس مجلس بلديّة تونس، ومدير الصّادقيّة الرجل الوحيد، من بين مستشاري الصّادق باي (1859 - 1882م) ، الذي نصح بالمقاومة أو على الأقل برفض توقيع اتّفاقيّة باردو. وفي هذا الصّدد ذكر ألكسندر برودلي في وصف "المستشارين المذعورين" أنّهم "وافقوا الواحد تلو الاخر على توقيع الاتفاقيّة [أي اتّفاقية باردو] باستثناء رئيس المجلس البلدي الذي قال إنّ الموت أهون عليه من قبول هذا العار".

وخلاصة القول إنّ الشيخ مصطفى رضوان من العلماء القلائل الذين كانوا أكثر استعدادا للتعاون مع أيّ سلطة مهما كانت. فزيادة على مهامه الإداريّة التي وصفناها كان كاتبا بالخزينة العموميّة، ومن المساندين لقانون 1885م العقاري. وقد توفّي في سنة 1904م.