جماعة تحت السور

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
لوحة مجموعة من المثقفين في مقهى تحت السور

في خضم الأحداث التي شهدتها البلاد التونسية منذ أواخر العشرينات ومطلع الثلاثينات من القرن العشرين، برز جيل جديد من الأدباء والمفكرين أثروا تأثيرا بالغا في الفكر والأدب. ومن هؤلاء: أبو القاسم الشابي والطاهر صفر وزين العابدين السنوسي والهادي العبيدي والطاهر الحدّاد ومحمد الصالح المهيدي...

إنّ أحداث هذا العصر ماثلة في آثار هؤلاء الروّاد الذين نَجَحُوا في تصوير الواقع التونسي تصويرا صادقا، فكان بعضهم يدعو إلى تعليم المرأة ويلحّ على منحها حقوقها، وبعضهم الآخر يدافع عن الشخصية التونسية العربية الإسلامية المهدّدة بالذوبان، وهناك من آزر الزّعيم النقابي محمد علي الحامّي مؤسّس "جامعة عموم العملة التونسية" في محنته، ومنهم من شهّر بسياسة التجنيس، مثل الطاهر الحدّاد الذي خاطب الشعب قائلا (طويل) : أفق أيها الشعب المهان، فقد أتوا إليك بتجنيس لعلّك تخدع وأيّد لهم بالحسّ أنك ماجد وإن كنت في بؤس فجنسك أرفع إنّ مواكبة الأدباء لهذه الأحداث لفتت الأنظار ووحّدت مسؤولية النخبة ودورها في تصعيد المقاومة، كما عالجت مواضيع جديدة أملتها الظروف السياسية آنذاك، كالدفاع عن الهويّة العربية الاسلامية خاصّة.

المجالس الأدبية في المقاهي[عدّل]

شهدت مدينة تونس منذ الثلاثينات من القرن العشرين ظهور عدد من المجالس الأدبية في بعض المقاهي بالأحياء الشعبيّة، مثل مجلس الشيخ محمد العربي الكبادي، بمقهى البانكة العريانة بحيّ باب المنارة وكانت تحضرُه نخبة من الأدباء أمثال البشير الفورتي والهادي العبيدي ومحمّد المرزوقي، ومقهى تحت السور بباب سويقة الذي كان أشهر المقاهي في هذا المجال، وقد عرف أيضا باسم "مقهى سيدانه" أو "مقهي خالي علي"، وهو يقع في الزاوية المحصورة بين بداية نهج حمام الرميمي وبداية نهج علي البلهوان الحالي. فقد اكتسب هذا المقهى شهرة واسعة فيما بين سنتي 1929 و1943، لأنّه كانت تؤمّه مجموعة منعب الأدباء والصحفيين والرسّامين والفنّانين من أبرزهم: علي الدوعاجي وعبد الرزاق كرباكة والهادي العبيدي ومصطفى خريّف ومحمد العريبي ومحمود بيرم التونسي وعبد العزيز العروي وعلي الجندوبي ومحمد بن فضيلة.وكان بالنسبة إليهم بمنزلة النادي الأدبي، فيه تجري المطارحات والمناقشات والأسمار الأدبيّة.

وأشار عزّ الدين المدني في مقدّمة كتابه "تحت السور" إلى روّاد هذا المقهى بقوله:"لم يكن في وسع هؤلاء الروّاد، أيّام شبابهم، أن يواصلوا تعلّمهم في المدرسة الصادقية لقلّة ذات اليد، فانكبّوا يثقّفون أنفسهم بصورة عصاميّة، بالمطالعة، بالتأمّل، بالاحتكاك الاجتماعي المستمرّ، بالتتلمذ لأدباء سبقوهم في الميدان، بالدخول في صلب الحركة الوطنيّة التحريريّة، والذود عنها على أعمدة الصحف أو على أركاح المسارح... إلاّ أنّ آفاقهم كانت مسدودة أو يرونها مسدودة مغلقة، وكان وضعهم بائسا، خاسرا، منحدرا، ومطامحهم معطّلة، معرقلة، مشلولة.كانوا يتمعّشون ولا يعيشون، يتسكّعون ولا يصيرون، يحوّرون ولا يهدفون. كانت السياسة الاستعماريّة تعمل عملها فيهم، بقطع آمالهم وتقويض رجائهم، بتفريقهم وعزلهم، وبثّ البوليس والخائن والمُخبر في صفوفهم، واصطناع بعضهم وإرشاء بعضهم الاخر...". ويصف علي الدوعاجي "تحت السور" في "الأسبوع" (الأعداد 25 و26 و28 جوان1946) فيقول: "كان خادم المقهى يرشّ أرض الشارع بالماء وهو يغنّي أغنية "ياوابور رايح على فين"، على لحن "يا للّي لهبت نيراني"، ولا أدري كيف وفّقه الله لذلك. وكان يرتدي بلوزة أطول ممّا يجب، وينتعل حذاء من جلد لامع ممّا يلبس في حفلات الأغنياء، وخلفه وأمام مشرب المقهى وقف وكيل المقهى يراقب عمل الخادم ويستمع إلى غنائه، ولا يمكن أن تفهم من تقلّص أعصاب فمه أن امتعاضه كان من نشاز أنغام الخادم أو من شيء آخر لا يعلمه إلاّ هو". ذلك هو الواقع الذي عاش فيه أدباء "تحت السور" وهو واقع مليء بالمتناقضات، حتى إنهم نعتوا أنفسهم بالهامشيّين (البوهيمييّن) وكان الكثير منهم يتعاطون المخدرات ويحبون جلسات اللّهو والخمر، ووصفهم مصطفى خريّف "بجماعة منسجمة تشابهت في الفلس وحبّ الفنّ والشيخات". ونعتهم آخرون "بجماعة البطالة والتسكّع"، وهم البوهيميّون الذين لا ترجى منهم فائدة. ولم يكتف علي الدوعاجي الذي يُعتبر من ألمع وجوه هذه المجموعة، بهذه الأوصاف، بل عرّفنا بفضل معايشته لهم بأمزجتهم، وكان يكنّيهم ب"العيون"، إذ أغلبهم تبتدئ أسماؤهم أو ألقابهم بحرف العين.

فنانو "تحت السور"[عدّل]

كانت مجموعة "تحت السور" على صلة بنخبة من الموسيقيين والمطربين والمطربات أمثال الهادي الجويني والصادق ثريّا وصالح الخميسي وحسيبة رشدي وفتحيّة خيري. وكانت لهم علاقات بعدد من رجال المسرح والتمثيل، منهم صالح الزواوي ومحمد عبد العزيز العقربي وأحمد بوليمان وشافية رشدي. وكان على صلة بهم أيضا من الرسّامين علي بن سالم وحاتم المكّي وعمر الغرايري الكاريكاتوري. مثلت "جماعة تحت السور" من أدباء وصحفيين وفنّانين ورسّامين، أسرة أدبية تشابهت في المشاعر والأحاسيس، وكانت لأكثرهم ميول إلى الحياة الهامشية. وبالرغم من ذلك فقد كانت لجميعهم مواقف تقدّمية رائدة من القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية التي شغلت بال الرأي العام التونسي طيلة الثلاثينات والأربعينات.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • Chatelain Yves,La vie littéraire et intellectuelle en Tunisie de 1900 à 1937,Libraire orientaliste Paul geuthner,Paris,1973