محمد المرزوقي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
محمد المرزوقي

[1916 - 1981م]

ولد الأديب محمّد المرزوقي في 22 سبتمبر 1916 بقرية العوينة بدوز، (ولاية قبلّي حالي)، حيث تقيم قبيلة المرازيق، وهي إحدى القبائل العربيّة المنحدرة من بني سليم في الجنوب التّونسي. والحياة هناك يغلب عليها الطّابع البدوي. وقد اشتهر أفراد تلك القبيلة بالشّجاعة والاخلاص للحركة الوطنية التونسية، خاصة أنّ المنطقة التي تقع فيها هذه البلدة كانت ترزح تحت أعباء الحكم العسكري الفرنسي، وبالرّغم من ذلك اشتدّت مقاومة أهلها لذلك الحكم. والبيئة البدويّة يدور فيها الشّعر العربي على ألسنة أفراد القبائل، يتوارثونه أبا عن جدّ رواية وحفظا، كما أنّ هذه القبيلة برز منها كثير من شعراء الملحون أي الشّعر الشّعبي.

وتلك بيئة - ولا شكّ - صالحة لصقل مواهب محمّد المرزوقي. فقد عاش صدر حياته هناك، وسمع من أفراد قبيلته الكثير من الشّعر، ثمّ حفظ القرآن الكريم بكتّاب القرية، ورحل إلى تونس العاصمة، فدخل المدرسة الابتدائية بنهج الكنز سنة 1927، ولكنّه غادرها في عام 1930 دون أن يحصل على الشّهادة الابتدائية. ثمّ التحق بجامع الزّيتونة، وتابع دروس المدرسة الخلدونيّة فأحرز منها دبلوم العلوم العملية عام 1933، ثم أحرز من جامع الزّيتونة شهادة الأهلية في عام 1935، وشهادة التّحصيل في العلوم في عام 1944 بعد أن انقطع عن الدّراسة مدّة خمس سنوات قضاها بين السّجن والمنفى بسبب نشاطه الوطني.

واشتغل محمد المرزوقي منذ نشأته بالصّحافة، فكان - وهو لا يزال طالبا - يكتب المقالات والأشعار والقصص، في غالب المجلاّت والصّحف التونسيّة، مثل: "الهلال"، و"الزّهرة"، و"البوق"، و"العمل"، و"تونس الفتاة"، و"الوزير"، و"الثّريّا"، و"الأسبوع"، و"الأخبار"، و"البيان"، و"الزّيتونة"، و"الحرّيّة"، و"النّهضة"، و"الصّباح"، و"العالم الأدبي"، و"الأفكار"، و"تونس المصوّرة"، و"الحياة الثقافيّة"، و"الفكر"، وغيرها... ثمّ تفرّغ للعمل في الصّحافة رسميّا من عام 1944 إلى عام 1953 فتولّى رئاسة تحرير جريدة "النهضة" اليوميّة، واشترك في البرامج الإذاعية بإلقاء المحاضرات، وكتابة القصص، والمسرحيّات من عام 1945 إلى قبيل وفاته. وفي عام 1956، دعي إلى التّدريس بمعهد ابن شرف الثّانوي فقام بتلك المهمّة في ذلك العام الدّراسي، ثمّ اعتذر عن التّدريس لالتحاقه بالمعهد القومي للآثار والفنون عام 1957 بطلب من رئيس المعهد المؤرّخ حسن حسني عبد الوهاب. وفي ديسمبر 1961، انتقل إلى وزارة الشّؤون الثّقافية حيث كلّف برئاسة قسم الأدب الشّعبي الذي تولّى تأسيسه، وقد جمع آلاف المقطوعات الشّعريّة، والأساطير، والألغاز، وأغاني الأطفال، وقضّى الأعوام الطّوال، وتحمّل المشاقّ، متنقّلا في سائر ولايات الجمهوريّة، حاملا معه آلة التّسجيل، عاملا بجدّ واجتهاد على حفظ هذا التّراث الشّفوي من التّلاشي والاندثار.

أسهم المرزوقي أيضا في تأسيس عدّة جمعيات، منها: جمعيّة حقوق المؤلّفين والملحّنين، ونادي القلم، واتّحاد الكتّاب التّونسيّين، واتّحاد الشّعراء التّونسيّين الشّعبيّين، ونادي أبو القاسم الشّابي، وغيرها.وأسهم في نشاط الشّبيبة المدرسيّة، والكوكب التمثيلي، والمعهد الرشيدي، وغيرها... وقد ظلّ طيلة حياته منكبّا على التّأليف والتّحقيق والبحث، وأنتج ما يقارب خمسين تأليفا في الأدب الشّعبي، وتاريخ الكفاح الوطني، وحياة البدو في الجنوب التونسي وأسهم في تحقيق التّراث صحبة ثلّة من الباحثين والدّارسين من أصدقائه وأحبّائه.

وقد أحرز محمّد المرزوقي شهرة واسعة داخل البلاد التّونسيّة وخارجها، وترجمت بعض قصصه ودراساته خاصّة في الأدب الشّعبي إلى بعض اللّغات الأجنبيّة، ومنها الفرنسيّة والانڨليزيّة والرّوسيّة، كما أسهم في الرّفع من مستوى الأغاني التونسيّة بنظم مجموعة من الأغاني الرّاقية، وضع لها أشهر الفنّانين ألحانا نالت شهرة واسعة، كما اهتمّ بالنّشاط المسرحي مؤلّفا وممثّلا وملقّنا، وانتخب عضوا في الهيئة المديرة لبعض الجمعيات المسرحيّة مثل "الكوكب التّمثيلي". وكان من المثقّفين التّونسيّين المتميّزين الأوفياء لبيئته وشعبه. قال عنه أحد النقّاد الرّوس: "... كان محمّد المرزوقي كاتبا فلكلوريا خبيرًا بحياة البدو وأغانيهم القديمة، وأساطيرهم وقوانينهم القبليّة، وعاداتهم التي ظهرت انعكاساتها في إبداعه الفنّي. فهو يصوّر في حبّ وتعاطف طبيعة الصّحراء بأوديتها وأبعادها المترامية الأطراف، ورمالها الصّفراء، وصخورها الصّلدة. وقد وفّق الكاتب في أنّ يبعث في القارئ شعورا غير عادي بالطّمأنينة والاجلال إزاء الطّبيعة المحيطة بالانسان عند التّأمّل في هذه المراتع الفسيحة الأرجاء".

وتوفّي محمّد المرزوقي في 14 نوفمبر 1981 وقد توفّرت في شخصه الحميّة الوطنيّة، والغيرة على الأصالة العربيّة الإسلاميّة، والشغف بالعادات والتّقاليد البدويّة. وكان يمتاز بخصائص الفنّان الأصيل وكان طيّب النّفس، دمث الأخلاق، متواضعا أشدّ التّواضع، واسع الثّقافة والاطّلاع، وفيّا لأصدقائه ومحبّيه، ذا حساسيّة مرهفة.