علي بن سالم

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1910-2001م]

علي بن سالم

ولد الرّسام علي بن سالم في 25 ديسمبر 1910، درس بمدرسة الفنون الجميلة بتونس سنة 1930 على أرمان فارجو. وقد امتاز في بداياته بتعلّقه بعادات بلاده التي تركت صدى في لوحاته الأولى. وكان أوّل معرض له في روتندا الكوليزي بتونس سنة 1934. وقد حصل على جائزة دولة "الحماية" التونسية سنة 1936 وكذلك على الجائزة الأولى في معرض منمنمات أفريقيا الشمالية. سافر إلى فرنسا وأقام بباريس وفيها تعرّف على اتجاهات الرسم الحديث وهناك أقام عدّة معارض وكذلك زار ستوكهولم عاصمة السويد. وعند عودته إلى تونس سنة 1941 اضطلع بتدريس الرسم بمعهد الفنون بصفاقس الذي أسّسه هناك سنة 1944. وفي سنة 1950 هاجر إلى السويد وفيها تزوّج بالفنانة نيلسون كريستين. وأمضى في هذا البلد قرابة الأربعين سنة. ثمّ عاد إلى تونس سنة 1970 واستقرّ بمدينة الحمّامات إلى أن توفّي في 20 فيفري 2001.


قراءة في رؤى علي بن سالم[عدّل]

يعتبر علي بن سالم من أهمّ روّاد الرسم بتونس. وقد أظهر منذ بداياته اهتماما بالغا بالمنمنمة العربية الاسلام(Miniatures)وانتبه إلى الفضاءالتشكيلي الذي يميّزها، وهو فضاء امتاز بتسطّحه وعدم اعتماده الايهام بالحجم والعمق المنظوري الأمر الذي جعلها تختلف اختلافا جوهريا في مستوى التعامل مع تمثيل الواقع الحسّي أو الخيالي، عن فنّ عصر النهضة الأوروبيّة الذي اعتمد فيه المنظور الهندسي الأقليدي الموهم بالأبعاد الثلاثة. ورغم أنّ بدايات علي بن سالم من حيث الموضوعات متّفقة مع بدايات الروّاد التونسيين والأوروبيين في محاولتهم إظهار الواقع المحلّي وما يمتاز به من مشاهد يوميّة لها علاقة بالمحيط التونسي معمارا وعادات وتقاليد فإنّ طرحه لهذه الموضوعات من حيث الشكل والتشكيل كان مختلفا إذ منذ سنة 1937 بدأ يظهر في أعماله نزوع إلى تصوير المرأة ذات الملامح الجمالية الكونية تلك التي يظهر فيها تأليف لمراجع فنّية بصرية مختلفة، مصرية وفارسية وعربية وهندية وحتى غربية، وذلك في أوضاع تذكّر بالأوضاع التي لها في المنمنمات العربية الاسلامية إذ ترتسم صورة هذه المرأة في "حيّز منمنماتي" تتخذ فيه النباتات والحيوانات أوضاعا لا علاقة لها بالواقع المرئي، إذ هي تسكن وتتحرّك في انفتاح يتجاوز الحسّ الذاكراتي الهندسي البصري ويلتحم بالحسّ الذاكراتي الروحي، فهي تتحرّك من أعلى إلى أسفل ومن اليمين إلى اليسار وتتقدّم وتتأخّر في الان نفسه وهي بذلك تنشّط كامل الفضاء عبر تأليف انتشاري تدعمه الزخارف النباتية التي تنتشر هي أيضا مذكّرة بلوحات ماتيس (Matisse)التي أنجزها بين سنتي 1910 و 1911. وإذ لا يخفي ماتيس تأثّره بالفنّ الشرقي في هذه اللوحات فإنّ علي بن سالم يظهره رسما فيرسم الأعين على الطريقة الفرعونية القديمة، عينا جانبية على وجه مواجه كما أنّه يستعمل ألوانا مائية ترابية ورمادية ستزداد بريقا في أعمال لاحقة.

لقد نظّم علي بن سالم لوحاته في هذه الفترة على مستوى البنية تنظيما كلاسيكيا متوازنا لكنّه على مستوى التأليف تجاوز هذه البنية ووزّع عناصره التشكيلية من كائنات إنسانية وحيوانية ونباتية توزيعا حرّا لا يلتزم فيه بمقتضيات الفضاء الكلاسيكي وما تحتّمه خطوط ونقاط الهروب فيه، بل جعل هذه العناصر مساحية مسطّحة تتقدّم وترتسم تقريبا في نفس المستوى، وهذا أمر يدعو إلى التأمّل وكأنّنا بالرّسام على علم لا فقط بمنظومة التأليف في المنمنمة الشرقية بل أيضا في الرسم الحداثي الذي مثّله الوحوشيون وماتيس بوجه عام.

ويتعزّز هذا الاتّجاه في لوحته الثلاثية التي أنجزها سنة 1941 وهي لوحة رغم اعتمادها على مستوى الموضوعات على المشاهد المحليّة التي تذكّر بالمظاهر الفلكلورية الشعبية (المرأة الحاملة للجرّة الجمل الشيخ العازف على آلة الناي) باعتبارها مظاهر تتواتر في رسم النصف الأول من القرن العشرين في تونس سواء لدى جماعة مدرسة تونس أو عند الفنّانين الأوروبيين بوجه عام، ورغم أنّ ملامح النساء والرجال تذكّرنا أيضا بملامح الوجوه التي نجدها في رسوم الزّبير التركي فقد نظّم علي بن سالم هذه المشاهد "المحلّية النمطية" تنظيما تصاعديا حيث تظهر المستويات الأولى في أسفل اللوحة وتظهر الأخيرة في أعلاها. وهذا تذكير واضح بالمنظور التصاعدي الذي اعتمد في المنمنمات الشرقية العربيّة والفارسيّة والتركيّة وكذلك في رسوم القرون الوسطى بأوروبا. ولا يعتمد الرّسام علي بن سالم على هذا المنظور من جهة التذكير بهذه المنمنمات بل معاملة عناصر الواقع الذي يظهر الوعي بها في الرسم مختلفا عنها في الواقع، كظهور الأسماك السابحة في الماء على نحو مواجه للعناصر الموجودة على اليابسة والمنعكسة في هذا الماء ومندمج فيها.

يحيل هذا التصوّر على أسلوب مدرسة بغداد في القرن الثالث عشر ميلادي إضافة إلى إظهار النّباتات التي تنبت في كل مكان على أنّها نمطية لا هويّة لها توجد ممثّلة بكثرة في منمنمات الواسطي وفي المنمنمات الشرقية عامّة. إذن على الرغم من كبر حجم اللوحة المؤرّخة في عام 1941 فقد التزم فيها علي بن سالم بالتأليف "المنمنمي" على مستوى البنية والتوزيع ولم يختلف عنها إلاّ في مستوى الألوان التي كانت رمادية متقاربة الدّرجة وعجينيّة المادّة وكذلك في مستوى العناصر المشهدية التي وإن كانت مسطّحة ولا يعتمد في تصويرها الايهام بالحجم فقد كانت ألوانها مندمجة ولا يظهر متباينا فيها إلاّ الأبيض. وكأنّ الرسّام تتحاور في ذاكرته عدّة رؤى، رؤى محليّة تجد صدى الفنّانين المعاصرين له فيها ورؤى شرقية مسيطرة ولكنّها مختلطة برؤى غربية استلهمها، إذ يوجد في الوقت نفسه الرّسامون التونسيون زبير التركي و صفية فرحات و عبد العزيز القرجي مندمجين في فضاء "واسطي" يعاملونه بأسلوب "ماتيس" واضح.

قبل ظهور هذا العالم الذي تبدو بداياته في نهاية ثلاثينات القرن العشرين كان علي بن سالم يعمل بأسلوب مغاير تماما ففي سنة 1934 ظهرت لوحاته التي عالج فيها موضوعات المهن غير مختلفة كثيرا عن لوحات زميله يحيى التركي. فقراءة تشكيلية للوحاته في هذه الفترة تبرز رغبة الرسّام في نقل الواقع الحسّي على نحو يراوح فيها بين المنظور الخطّي الكلاسيكي المحدّد للفضاء المفتوح عبر احترام واضح لتتابع المستويات أفقيا وفق خطوط الهروب ونقاطه واعتماد منظومة هندسية ترتسم فيها العناصر لتبدو موهمة بالحجوم. وهنا يبدو التزام واضح للرسّام باتّباع القواعد العامّة للتّمثيل الكلاسيكي وإلى جانب هذا الالتزام يتحرّر الرسّام من الدقة المتناهية ويعالج عناصره المكوّنة للمشهد لونيّا ونسيجيّا ببساطة تبدو فيها العفوية ظاهرة. وربّما يكون من التعسّف المقارنة بين معاملة علي بن سالم اللّونيّة والنّسيجية في علاقتها بالخطّي ومعاملة الفنّانين المحدثين في الغرب الأوروبي من أمثال سيزان وماتيس اللّذين أعطيا للخطّ المحيط بالأشكال أهميّة وجعلاه يتظهّر بوضوح وحضور لافت للانتباه، كما أوليا أيضا أهمية لعدم اكتمال الشّكل في علاقته باللون في هذه العناصر نفسها، إلى جانب تنويعهما لنسيجيّة المادّة اللّونية التي بدت مسطّحة حينا وعجينيّة حينا آخر، مائعة ومشبعة في بعض الأحيان. فهل كان الرسّام علي بن سالم متّبعا لهذه الطريقة عن وعي بالاشكالية المعرفية التي طرحتها الحداثه الفنيّة أم هل كان رسمه مباشراتيا صادرا عن حسّ شخصي لا علاقة له بإشكالية الأسلوب الحداثي للرسم في بداية القرن، الأمر الذي يمكن أن يقال عن معاملة يحيى التركي للمسألة ذاتها؟.

سؤال من الصعب الاجابة عنه رغم وجود الكثير من العناصر التي تدفع إلى المقارنة كوجود السّلحفاة والمزهرية والزربية في وضعها الزخرفي إلى جانب الجدار المزيّن بمربّعات الخزف كما نجد عند ماتيس. لاشكّ في أنّ علي بن سالم قد انصهر في منظومة الرسم الذي أراده أن يكون "تونسيا" كغيره من الرسّامين المعاصرين له في هذه الفترة وقد كان "تونسيا" حسب المعايير والمقاييس التي أرادها له النقّاد والفنّانون سواء كانوا تونسيين أو أوروبيين يعيشون في تونس قبل الاستقلال، وذلك نوع من المواجهة لرسم يتطوّر في أوروبا ويسعى للتخلّص من معوّقاته الايبستيمولوجية ليصبح بحثا في المطلق، بحثا معرفيا في إمكانات الابصار. وقد تدعّم هذا الانصهار في منظومة الرسم "التونسي" بالاهتمام الذي كان له بالتراث عندما عمل في بداية السّنوات الثلاثين من القرن العشرين في متحف الفنون المحلية (بدار المستيري) دارسا وجامعا ومحافظا على تقنيات الفنون التقليدية القديمة التي كلّف بإعادة تحقيقها وإنجازها فكان لذلك تأثير في مسيرته الأولى في فنّ الرسم وأنجز عدّة رسوم توجد الآن بـمتحف الديوان الوطني للصناعات التقليدية.

ويظهر من خلال أعماله منذ الأربعينات أنّ علي بن سالم رغم أنّه لم يفارق هذا العالم المشهدي فإنّه قد حوّل وجهته نحو معاملته في حيّز تشكيلي امتاز بالتجاوز ذي المنحى الخيالي والرمزي، الذي استقرّ في أسلوب أصبح يعرف به إلى حين وفاته. وهو الأسلوب الأكثر دلالة على توجّه الرسّام التشكيلي والجمالي. لقد أثّث هذا الأسلوب الأخير بما يشتمل عليه من موضوعات وتعامل تشكيلي لوحات علي بن سالم وفسيفسياته ومنسوجاته التي أنجزتها زوجته كريستين وهو أسلوب اختصّ به ابن سالم دون غيره ويجد إرهاصات مرجعياته الأولى في أعماله المنتمية إلى نهاية الثلاثنيات وبداية الأربعينيات. ويمكن أن يطلق على فضاءاته الحاملة لرؤاه في هذه الفترة المتّصلة حلقاتها على مدى حوالي النصف قرن بالفضاء "الفردوسي"، إذ حافظ فيه الرسّام على أشكاله النّمطية وهي نسائه الجميلات وغزلانه وطيوره ونباتاته وزهوره محافظة غريبة يبدو فيها مكرّرا في تنوّع لافت للانتباه وكأنّ الناظر إلى أعماله في هذه الفترة الطويلة التي قضّى أغلبها في عاصمة السويد يدرك عالما فسيحا من الأشكال الواحدة التي تتنوّع وتختلف وتتحرّك وتثبت في الان نفسه، أشكال تتوزّع بانتظام هيئات تلتحم بالتصوير الحرّ إذ تلتزم بمراكز اهتمام لا بمراكز ثقل ولا بأبعاد منظوريّة محدّدة بل تتحكّم فيها هندسة اللون المندمج بالخطّ تارة والمحدّد به تارة أخرى. وقد اعتمد الرسّام في هذه الهندسة اللونية على القيم المتباينة في هدوء حينا وفي صخب حينا أخر. هي ألوان وردية ولازوردية، بنفسجية وبرتقالية مائية شفافة ومسطّحة كامدة، هادئة وساطعة ويبدو أنّ هذه الألوان وهذه المعالجات النسيجيّة قد طغت على كائناته الفردوسية التي أصبحت نمطية تيبولوجية وغدت من ثمّة مولّدة لها ومحدّدة، وكأنّ الرسّام يرسم المرأة نفسها والأزهار نفسها والغزلان نفسها والطيور نفسها، لذلك فقدت صفة الهويّة الخاصة والخصوصية وعانقت الهويّة المطلقة، وأصبحت موضوعات للرسم مطلقة تنتمي إلى عالم الجواهر لا إلى عالم المحسوسات. لذلك، عندما تتحوّل إلى عالم الفسيفساء تتحوّل ألوانها إلى ترابية ورمادية وتلتزم بألوان الكاماي التي تفرضها الأحجار الطبيعية وعندما تنتقل إلى عالم المنسوجة تتغيّر طبيعتها بحكم طبيعة الصّوف التي تبحث زوجته كريستين في ألوانه. وفي بعض الأحيان يتخلّى الرسّام عن اللون تماما ويقدّم شخوصه على فضاءات منشّطة بالخطّ الأسود، الذي يصبح لديه ذا حسية ذبذبية بحكم تنوّعه وطبيعة الشخوص المتحرّكة والمتذبذبة التي يظهرها تصويرا ورسما. وأخيرا يظهر من خلال هذه المسيرة الأخيرة أنّ علي بن سالم أصبح في رسمه يصلّي صلاة يوميّة الخشوع نفسه لكنّ ذكره يتغيّر رغم محافظته على الكلم ذاته.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • Ayoub Abderrahmen,les feuilles du temps,Aly Ben Salem ,éd L’Or du temps,Tunis,1997
  • Ben Naceur Bady,Aly Ben Salem mémoire d’Epoques,Ed L’Or du temps,Tunis,1997
  • Ben Salem Aly, un pionnier de la peinture en tunisie, L’Emotion de l’Oeil et la passion de vivre,Ouvrage collectif, présentation et préface :Abdel Wahab Bouhdiba et Khélil Gouiâ,Ed L’Académie des Sciences,des lettres et des arts Biet El Hikma,Carthage,Tunis,2011