عبد العزيز القرجي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1928 - 2008م]

عبد العزيز القرجي رسّام وخزّاف تونسي وُلد بمدينة تونس سنة 1928 وتُوفّي بها سنة 2008. وهو يُعتبر من روّاد حركة الفنّ التشكيلي بتونس وأحد أعلام جماعة مدرسة تونس لفنّ الرّسم التي تأسّست سنة 1948 على يد الرسّام الفرنسي المولود بتونس بيار بوشارل. وبعد بوشارل ثمّ الرسّام التونسي يحيى التركي، رأس القرجي هذه الجماعة من سنة 1968 إلى حين وفاته.

كان قد شرع في عرض أعماله منذ 1949 بعد تخرّجه في مدرسة الفنون الجميلة بتونس واستقراره بباريس، حيث كان يمارس تقنية الرّسم القلمي وتقنية الألوان المائيّة. وقد رافقت هاتان التقنيتان الرسّامَ حتّى آخر حياته. وفضلا عن ذلك، كان الرّجل قد مارس عدّة تقنيّات أخرى مثل فنّ الخزف في ورشته بمدرسة الفنون الجميلة أو في بعض جداريّات خزفيّة أنجزها في بعض المؤسسات العموميّة، أو مثل فنّ الفسيفساء وهو الذي كان قد تولّى تدريسه أيضا بمدرسة الفنون الجميلة بتونس في سنوات الستين والسبعين. أو مثل تقنية الحديد المُطرّق، التي استخدمها في بعض الجداريّات الناتئة بالسّاحات العموميّة وواجهات بعض البناءات العموميّة مثل مؤسّسات البريد التونسي. وكان قد عاد إلى هذه التقنية سنة 2001 لإقامة معرضه الشخصي الذي انتظم برواق القرجي بالعاصمة في السنة نفسها دون أن نغفل عن كون الرجل كان قد أعاد إنجاز الكثير من رسومه القلميّة والمائيّة بتقنية فنّ النسيج. وهو ما بدا جليّا في المعرض التّكريميّ الذي خصّته به وزارة الثقافة، بدار الفنون بالبلفيدير في ربيع سنة 2001.

وهكذا قد تنوّعت الخامات والتقنيات التي استعملها هذا الفنّان في نشاطه الفنّي الغزير، ما بين ألوان صمغيّة ومائيّة وأكريليك وخزف وفسيفساء ومنسوجات حائطيّة بخامة الصّوف، إلاّ أنّ تقنية الرّسم القلمي تبقى القاعدة الأصليّة لكلّ أعماله. إن الرّسم الخطّي هو أصل اللوحة. وهو أساس الفعل التشكيلي لدى هذا الفنّان مثلما هو الشّأن لدى غيره من جماعة مدرسة تونس مثل زبير التركي وعمّار فرحات وعلي بالاغا وإبراهيم الضحّاك. فطبيعة الخطوط وتحوّلاتها هي مرآة المسار الخطّي لهذه التجربة الابداعيّة في تقلّبها بين التّراث والذّات، أو بين الانشداد إلى الموروث الأبوي والرّمزي من جهة والانسياق، من جهة أخرى، إلى تطلّعات الذّات "العاشقة".

في مرحلته الفنيّة الأولى عمل عبد العزيز القرجي على رسم صور من المشاهد اليوميّة المألوفة. وجاءت هندسة الفضاء التشكيلي في اللوحة خاضعة لنظام المشهد في الواقع كأنّ اللوحة تتأسس انطلاقا من نظام المشهد الذي يخضع إلى نظام شخوصه المرسومة "إنني أنصهر في هذه المنظومة. لست سوى أحد هذه الشخوص التي أرسمها، إنّني أمازح نفسي من خلال هذه الشخوص التي أُراقصها، أرقص معها... وأفرح معها. إنّني أعيش حريتي من خلال هذه الشخوص المُغتبطة... وفي ذلك أصالتي وطفولتي". كما قال القرجي في أحد الوثائقيّات سنة 1997.

من أعمال عبد العزيز القرجي

إنّ فضاء اللوحة في هذه المرحلة هو فضاء تزويقي في الغالب، هو عبارة عن أرضيّة لبعض المشاهد المستمدّة من الحياة اليوميّة، داخل البيت التونسيّ بوجه خاصّ أو داخل المدينة التونسيّة بوجه عامّ. وهو ما يمكن أن يتجلّى في لوحة حفلة العرس أو في مشهد العروس وهي تتزيّن... إنّ هذه المؤثّرات الزّخرفيّة تستفزّ ذاكرتنا الثقافيّة الحميمة، كما يتجلّى التّراث داخل المقهى التقليدي، حيث المسامرات والسّهرات الموسيقيّة الشرقيّة على أنغام المالوف. أو داخل الكتّاب والمسجد حيث نشاهد قارئ القرآن. أو داخل الدكّان، لتصوير مشاهد من الصناعات الح رفيّة، أو داخل السّوق ومشاهد الباعة المتجوّلين. فنحن نتحسّس ههنا نبض المدينة وحثيثها اليوميّ والاحتفالي. وهو ما يمكن أن يتجلّى في لوحة سوق العطّارين بالألوان المائيّة التي تطبع بمزاجها فترة أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات.وإلى هذا الحدّ من تجربة عبد العزيز القرجي، تبقى اللوحة بمنزلة مواكبة مستمرّة للمحيط الثّقافي للمدينة التونسيّة من خلال رؤية استطلاعيّة تنبش في ملامح الذاكرة الثقافيّة والتراثيّة. أمّا في المرحلة الثّانية فإنّ شخوص القرجي تصبح عضوا مكوّنا لفضاء العمل الفنّي وتنصهر في سياقه النّسيجي، ضمن معالجة هندسيّة تقوم على التناظر. ولئن تكوّنت اللوحة في هذه المرحلة من المفردات التزويقيّة والتفاصيل الجزئيّة، إلاّ أنّها تنهض شاهدا على نوع من التدخّل الابداعي في تصوير التراث. ولقد تجلّت المفردات والتفاصيل الجزئيّة بوصفها حجّة لتكوين اللوحة. أمّا المبالغة في زخرفة الملابس وتزويق الأواني فتتّجه إلى إقامة مجال التّواصل بين هذه المؤثّرات وزخرف الجدران.

وأمّا الأعمال التي سيقدّمها القرجي لاحقا، في الثمانينات (لينسجها في التسعينات على هيئة منسوجات حائطيّة بالتعاون مع حرفيّات فنّ النسيج) فتشكل ملامح أخرى لهذه المسيرة، ذات طبيعة انزياحيّة. وفي هذا المستوى سيصبح التراث الجمعي المطمئن تمثّلا ذاتيّا خالصا يرسمه القرجي بأسلوب عفويّ بعيدا عن المنزع البنائي والأكاديمي، قريبا من حساسيّات الفنّ الخام. إنّه التراث الرمزي والأبوي عندما يصرف داخل المناطق الحميمة للأنا الطفوليّة في وصفاتها الأكثر سريّة، حيث تصبح الذّاكرة موضوعا للرّغبة والحلم.

وهكذا سيحتاج عبد العزيز القرجي إلى مرحلة ثالثة ليصبح الرّسم ممارسة يوميّة لتدريب العين على صياغة المشهد ولتربية الذّات على هذا العبور الشقيّ من مشهد الواقع إلى مشهد اللوحة ومن الذاكرة اليوميّة إلى الرّؤية الجماليّة. لقد مال أسلوب الرسّام في هذه المجموعة الفنيّة إلى الاستلهام من التعبير السّاذج ورسوم الأطفال والخربشات الحرّة. وذهب إلى حدّ بعيد في جماليّة تشويه الملامح التشريحيّة للشّخوص المرسومة (déformation). وذلك ما أدّى بأسلوب الفنّان إلى مجاوزة التشخيص المباشر ليصبح الفضاء الفنّي مشحونا بالحلم ونوازع الذّات الدّاخليّة في أدقّ تفاصيلها التّحليليّة - النّفسانيّة. فلقد أصبحت الخطوط أكثر طراوة وحركيّة لتواكب توتّرات الجسد في انفعالاته المرتجلة وانسياقه مع هُوامات اللاوعي. أمّا البعد الرّمزي للعلامات المستعملة فلم يعد مشدودا إلى مرجعيّة ثقافيّة واجتماعيّة ما، بقدر ما أصبح منفتحا على مرجعيّات الذّات وتراثها الطّفولي الخاص بل ويستدعي تأويله من داخل مجال التحليل النفسي. ومن ذلك نذكر رمزية "السمكة" في التعبير عن قيم الأنوثة والخصوبة، أو رمزيّة "الجواد" في التعبير عن قيم الذّكورة والفروسيّة. وعليه، يؤشّر هذا المنعرج الابداعي على رغبة شخصيّة لدى الفنّان في الدّفع بمسار الحريّة إلى أقصى الحدود، بحيث يوجّه الفعل الفنّي إلى الأعماق الداخليّة وخيالاتها بعد أن كان مشدودا إلى مرجعيّة الموضوع الخارجي وذاكرة المدينة والمجتمع، إذ تشرّبت العلامة التراثيّة بالرؤية الذاتية للمبدع وتخلّصت من محمولاتها التاريخيّة ولواحقها الثقافية الرّسميّة، بعد أن تمثّلها الفنّان أسلوبيّا واستهلكها لحسابه الخاص. ومثل هذا التمشّي يحتمل موقفا لدى عبد العزيز القرجي من المسألة الابداعيّة في مواجهة التّقليد الأعمى. فثراء مصادر الاستلهام يدفع إلى الابداع ويغني عن التقليد الفجّ. وعلى هذا النّحو مثّلت هذه المسيرة الفنيّة التونسيّة استرجاعا لايقاع الحياة النابضة ما بين الذات وذاكرتها المكانيّة والتاريخيّة والرمزيّة.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • Gorji,Texte d'Albert memi,éd Alif(Les Éditons du Méditerrané),Tunis,2001
  • Guiga Thar,Abdellaziz Gorgi,Cérès Production,Tunis,1985