علي بالاغا

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1924 - 2006م]

نشأ علي بالاغا (1924 - 2006) داخل رحم المدينة العتيقة بتونس العاصمة، في بيئة تعدّ الحرف اليدوية والصناعات التقليدية أساسها الاقتصادي.

ظلّ هاجس الصناعة والانشاء الفنّي متغلغلا في نفس هذا الفنّان. سافر إلى فرنسا وانجذب إلى مدرسة الفنون الجميلة بباريس التي أتمّ بها دراسته سنة 1955. وتردّد على ورشة الأستاذ جودون joudon لتعميق ثقافته التشكيليّة في تقنيات فنّ الحفر الحديث ومارس فنّ الخزف في ورشة المعلّم كانيفاي canivas مثلما واكب دروسا في التزويق. لم يقتصر علي بالاغا على زيارة العواصم الفنية بكلّ من أوروبا وأمريكا بل زار عدّة مدن شرقية ليطّلع على تراثها التشكيلي... فكانت زيارته إلى بعض مدن الصين والهند، ثمّ إلى فاس والجزائر والقاهرة وبغداد ودمشق وإسطنبول، عامل إغناء لثقافته الفنيّة. بدأ علي بالاغا في عرض أعماله سنة 1950 بالصالون التونسي، وكان معرضه الفردي الأوّل سنة 1953 بمكتبة المعارف بالمدينة. ومنذ سنة 1960 بدأت معالم هذه التجربة تتّضح من مشاركاته بتونس وخارجها. تولّى سنة 1966 خطّة رئيس للصالون التونسي، ثمّ ترأّس سنة 1975 اتّحاد الفنّانين التشكيليين التونسيين بعد أن أسهم في تأسيسه.وكان عضوا نشيطا ضمن جماعة مدرسة تونس لفنّ الرسم. وكان يعرض باستمرار مع هذه الجماعة برواق القرجي بالعاصمة حتى أخريات حياته.

ويجدر التساؤل عن الخصائص الأسلوبية التي تحكم الرؤية الجمالية لدى هذا الفنان؟ استخدم بالآغا في أعماله عدّة تقنيات وخامات، من داخل مرجعيّات جماليّة متباينة يتداخل فيها التراث مع الفنّ المعاصر بحبكة بنائية محكمة. فلوحاته تنقسم إلى لوحات محفورة على الخشب وأخرى يعتمد فيها تقنية الالصاق أو التغرية ومجسّمات فنّية يستعيد فيها الفنّ آلات حديدية قديمة وعناصر نحتية وتكوينات غرافيكية تقوم على الخط الكوفي القيرواني... تبدو في أعماله خبرة بالمواد والحوامل والتقنيات المختلفة، ساعدته على إغناء تجربته وفتح آفاق مخياله الابداعي. وتكاد العين أن تتيه في البحث عن خيط رابط بين مجمل هذه التقنيات والخامات...ويمكن أن تعدّ أعمال بالاغا صالونا في جماليّات شتّى بمشاركة عدّة فنّانين، كلّ فنان يمثّل لحظة فريدة من اللحظات المختلفة لتجربة علي بالاغا. ولكن، أين هو علي بالاغا من كلّ هذه الشذرات الفنية وقد اختلفت فيها المناحي الجماليّة والمشارب الأسلوبية؟ إن الأمر يدفعنا إلى رصد الخطوط الكبرى التي ترسم خصوصية مغامرته التشكيلية.

إزاء هذه التجربة، يجد المتأمّل نفسه أمام شجرة متفرّعة الأغصان والجذع واحد، إذ ازدحمت التقنيات والخامات المستعملة (الفضّة، الزجاج، الخشب، الورق، النّحاس). فيما يلاحظ من جانب آخر اعتمادا على فنّ الرسم الخطي بوجه خاصّ. ومثل تلك التأويلات التشكيلية التي أنجزها الفنان بوساطة الخطوط على الورق الخام تؤكد خيالا إنشائيّا وحسّا تأليفيّا ورغبة في إعمار كافة عناصر المساحة. أمّا الوحدات الأوليّة لمثل هذه الرسوم فهي مستمدّة من الطبيعة كالسمكة والطائر وبعض أنواع الزهور التي تتزين بها المرأة وهي كلّها ذات شحنة رمزية.

وقد وردت عدّة أعمال في مجال الرسم المحفور على الخشب، لم يكتف الفنّان فيها بالرسم القلمي بل عمل على حفر الخطوط التي تمثّل حدودا للشكل. وتأتي الألوان لتعبئة المساحات وفصل الأشكال بعضها عن بعض... قبل أن يضيف الفنّان طبقة من الفرنيز البرّاق إلى سطح المساحة... وهذا يذكّرنا بتقنية الرسم على البلّور في التراث الفنّي والحرفي على نحو ما يتجلّى في آثار الشيخ محمود الفرياني. وفي مثل هذه الصناعة يتأسّس الفعل التشكيلي على البنية الخطّية التي تؤكّد سيطرة الفنان على المساحة دونما حاجة إلى البعد الثالث أو العمق.

إنّ لفن الرسم منزلة مهمّة في تجربة علي بالاغا، بل هو أساس ثقافة العين وطريق الفنّان إلى التعامل مع العالم البصري... وهو الخيط الرابط الذي يلملم شتات هذه التجربة الثريّة. ولحظة الرسم لديه هي لحظة القبض على الأشياء عندما تهيم داخل العالم المعيش أو تتيه داخل فضاء الذاكرة... أو عندما تعتمل وتتشكّل شيئا فشيئا داخل المخيال الإبداعي.

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ لغة الرسم الخطّي هي اللغة التي يجسّد بالاغا بها حضوره في العالم المرئي سواء كان هذا العالم محسوسا أو رمزيا أو متخيّلا. وهو شأن مجموعة المعلّمين الذين يؤلّفون جماعة مدرسة تونس لفنّ الرسم، إذ أوْلوْا الرسم الخطّي مكانة مهمّة في تأسيس خطاباتهم التشكيلية. ولفنّ الرسم الخطّي إحالات عدّة في هذه التجربة، هي بمنزلة استثمار للغة الخطوط في أشكال فنّية مختلفة. فقد يتماهى الرّسم تارة مع فنّ الخط العربي ليثير في اللوحة بعد الحركية والايقاع ويؤلّف عناصر الفضاء داخل نسيج من الحروف والعلامات... وتارة أخرى يتماهى مع نوع من الصّياغة اللونية للصورة... ومن ثمّ يأتي اعتماد علي بالاغا على فنّ التلصيق (الكولاّج). وهي تجربة أسهمت إلى حدّ بعيد في تحديث طريقة الرسام في مقاربة العالم المرئي والرمزي.ويبدو ذلك على وجه الخصوص في الأعمال التي عرضت في شكل كتب مفتوحة. ولعلّه استمدّ هذا الشكل من تراث التصميم الفنّي للمخطوطات الشرقية القديمة على نحو التقليد الفنّي الذي أُرسي في تصميم "مقامات الحريري".

إنّ الصّور التي يقطعها الفنّان ثمّ يلصقها على "اللوحة - الكتاب" هي صور مجهّزة، ولكنّ طريقة وضعها هي مجال تدخّل الفنان. فبفضل فنّ التلصيق تستمدّ هذه الصور قيمتها الفنية داخل الهندسة التشكيلية للفضاء. وهكذا، فمن الصور المطبوعة ما يلهم الرسّام ويحيله على أفكار تشكيلية خصبة، يعمل على تبنّيها واقتطاعها ثمّ إخضاعها إلى عمليّة تركيب جديدة.

واللاّفت للانتباه في هذه التجربة أن اللحظة الالهامية كثيرا ما تدفع الرسام إلى تجاوز منطلقاته الغرافيكية في فنّ الرسم الخطّي... إذ كثيرا ما تصبح هذه الصور الملصقة مادّة أساسية للعمل الفني. أمّا الرسوم الخطّية واللمسات اللونية فلا تعدو هنا أن تكون سوى مؤثّرات ثانوية يضيفها الرّسام ليكتمل بها فضاء التكوين التشكيلي ويتحقّق توازنه الداخليّ. وهكذا تصبح هذه الأعمال مجموعة من التصاميم والتراكيب يفضي بعضها إلى بعض. ومثل هذه الخبرة في التعامل الابتكاري مع الشكل مكّنت الفنّان من أن يصبح كائنا فاعلا في المادّة الاستعماليّة والمتحفيّة، يعيد إنتاجها إبداعيا.

بهذا الشكل، تتجاوز علاقة الفنّ بالتراث مستوى التبعيّة لتصبح علاقة تفعيل وتدبير ابتكاري. من ذلك أنّ تدخّلات علي بالاغا في جسد التراث، قامت في عدّة نماذج على تحويل الشيء من وظيفة إلى أخرى... وهو ما يتجلّى على سبيل المثال في تحويل "القبقاب" إلى "شمعدان" صغير أو مصباح، وتستتبع ذلك عمليّة تحويل أخرى على مستوى الرّمز الذي يضفي على الشكل نوعا من النبل. وفي الوقت نفسه يسترجع الفنّان نبل الحروف العربية في الشكل والمضمون فيربط بين موضوع البسملة والألوان الذهبية والبرونزية والنحاسيّة التي طليت بها الأباريق والمرشّات.

فليس للشكل الجمالي وجود معزول عن وظائفه التزويقيّة والعمليّة داخل الحياة اليومية، وهو ما يبدو في شكل السمكة الحاملة المفاتيح. إذ بقدر ما يدعم "الشكل الجميل" صلته بالحياة اليومية، يغرق في استبطان الأفق الرمزي عندما تحيلنا الأشكال السمكيّة المتواترة على رمزية الخصوبة في الثقافات المتوسطية...

إنّ رحلة الخلق الفنّي لدى علي بالاغا قد انطلقت بتكريم الحرفيين وصنّاع المدوّنة التشكيلية الشعبية. فتجربة بالاغا بناء ثقافيّ لا يلغي القديم، ولا يتنكّر له، بل ينطلق منه ويواصل نسغ الحياة في شرايين المخيال الجماعي الموروث، إذ الفنّان يتمثّل التراث الرمزي ثمّ يدرجه داخل رؤيته الابداعيّة... وتبقى شجرة الفنّ لدى علي بالاغا مورقة، وارفة الظلال، أغصانها متفرّعة تنساب إلى آفاق خياليّة مفتوحة على عالم اللغز والمجهول...حيث تذوب الحيرة في لذّة الاكتشاف.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • Bellagha Ali,texte de Mohamed Masmoudi,Cérès Production,Tunis,1990