فن الفسيفساء في تونس

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
فسيفساء تمثل انتصار نبتون وأفروديت تعود للقرن الثاني ميلادي في متحف باردو

تمتلك البلاد التونسية مجموعة فنية من الفسيفساء ذات شهرة عالمية ما انفكّت تنمّيها وتعزّزها اكتشافات جديدة. وقد اعتبر المتخصّصون في هذا الميدان الإنتاج الإفريقي وخاصة منه ما صدر عن ورشات مقاطعتي البروقنصلية Proconsularis والمزاق Byzacium (ما يعادل مساحة البلاد التونسية اليوم) من أغنى ما أنتجته المقاطعات الرومانية القديمة وأروعه، إلا أنّ دراسة هذا الفن لم تستقطب اهتمام المؤرخين والمتخصّصين في علم الآثار إلا في العقود الأخيرة. ولعل التئام المؤتمر الأوّل للفسيفساء الإغريقية الرومانية بباريس سنة 1963 هو الذي كان له الفضل في إظهار مقوّمات العمل الفسيفسائي النوعيّة التي لها ارتقى بعد ذلك إلى مستوى فنّ مستقلّ استرعت مظاهره المختلفة اهتمام الباحثين في العالم.

ونستهلّ التعريف بهذا الفنّ وجذوره بالإشارة إلى أنّ تسميته ليست من أصل عربي بل إنّ كلمة فسيفساء فيما يبدو دخلت العربيّة من الأرامية ولكنّ أصلها إغريقيّ مثلما هو الحال بالنسبة إلى كلمة فص Psephos وهي تطلق على القطعة الصغيرة شبه مكعبة الشكل من الرخام أو الحجارة أو الزجاج أو الخزف التي تتألّف منها لوحة الفسيفساء، والراجح أنّ هذه التسمية دخلت اللغة العربية في عهدي الخليفتين عبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك اللذين ربما يكونان استقدما في أواخر القرن الأوّل الهجري (أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الميلادي) صناعا ماهرين من القسطنطينية لتوشيح قبة الصخرة بالقدس الشريف والجامع الأموي الكبير بدمشق.

والملاحظ أنّه باستثناء الإغريق والروم ثم العرب الذين استعملوا لفظ "فسيفساء" فإن هذا النوع من الزخرف لم يعرف إلا بلفظ موزائيك المأخوذ عن اللاتينية موزيفوم (musivum) في جميع اللغات الأوروبية. على أنّ هذا النمط التوشيحي لم يكن وقفا على العالم المتوسطي والشرقي بل إنّ قبائل الأزتيك بالمكسيك مثلا استعملته زمن حضارتها ما قبل الكولومبية في تزيين الأقنعة. أمّا فيما يخصّ نشأة الفسيفساء فقد اختلف الباحثون في تحديدها فمنهم من يُرجع هذا الفن إلى حضارة ما بين الرافدين حيث كان السومريون والمصريون يوشّحون جدران قصورهم وأعمدة تيجانها بمخروطات طينية ملونة توضع في أشكال هندسية متنوعة. ومنهم من يرى في الأرضيات المرصعة بجصيات على شكلها الطبيعي المظهر الأوّل لهذا الفن. ولنا أمثلة على ذلك في القصور الآشورية التي تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد وبمدينة غرديون (Gordion) من مقاطعة فريجيا بآسيا الصغرى، وهي ترجع إلى القرن الموالي. وقد انتشر استعمال هذه الطريقة ابتداء من القرن الخامس قبل الميلاد في اليونان ثم في كامل أنحاء العالم الهليني وتطورت لتدرك أوجها في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد وذلك بإنجاز مجموعات أولانت (شمال اليونان) وبيلا (عاصمة مقدونيا) التي أكّدت أنّ هذه الصناعة قد تخطّت مرحلتها الوظيفية البحتة لتنتج أعمالا فنّية، إلا أنّ التحوّل المهمّ الذي جعل هذا النوع من الزخرف يأخذ بعده الحقيقي هو الابتكار الذي أدخل على تقنية إنجازه وهو في تعويض الحصيات الطبيعية بفصوص صغيرة (فص = tessella) منحوتة بإتقان في شكل شبه مكعّب يمكّن من ترتيبها ترتيبا محكما ويجنّب وجود الفجوات بينها وهو ما أكسب الأعمال الفسيفسائية روعة في التنسيق جعلها تنافس الرسم وحمل كثيرا من الباحثين على اعتبار ظهور هذه الطريقة المسماة التيسيلاتوم (tessellatum opus) بداية الفسيفساء.

وبعد أن كان الرأي السائد أنّ مدينة مرقنتينا (Morgantina) بصقلية أو الإسكندرية بمصر مصدر هذا النوع في غضون القرن الثالث قبل الميلاد جاءت الاكتشافات الأثرية الحديثة التي أجريت بقرطاج وكذلك بكركوان لتغير هذا الافتراض بإثباتها وجود أرضيات من التيسيلاتوم ترجع إلى القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. وتبقى صقلية، حسب المعطيات المتوفّرة لدينا الآن مهد التيسيلاتوم في التصوير الآدمي. على أنّ قرطاج لم تبتكر هذا النمط الزخرفي فقط بل عرفت في الفترة نفسها نماذج أخرى من البسط المتركبة من قطع خزفية فيقلينوم (figlinum) أو التي عرفت "بالبونية" والتي تمتاز بملاطها السطحي الأحمر المتكوّن من الجير والرمل والقرميد المدقوق والكسور الخزفية والفصوص البلورية وبقايا الصدف، وغيرها. وقد ترسم على هذه الأرضية أشكال هندسية أو رموز الآلهة تانيت بوساطة المكعّبات.

ويبدو أنّ هذه الأرضيات هي التي ربّما ذكرت في بعض المصادر القديمة باسم "البسط البونية" وهي سابقة لأنواع تشبهها ظهرت فيما بعد في إيطاليا تحت تسمية سقنينوم (signinum) نسبة إلى مدينة سقنية (Segnae) بإيطاليا. وأعاد الرومان استعمالها عند إعادة بناء قرطاج في عهد الإمبراطور أوغسطوس. ثم إنّ تقنية التيسيلاتوم نفسها تطوّرت كثيرا في العالم الهليني وتفرّع عنها نمط جديد هو الفرمكولاتوم (vermiculatum) الذي يتميّز بحجم فصوصه الصغيرة جدا. وهذا التقدم التقني الجديد أسهم في مزيد تجنّب الفجوات بين العناصر التركيبية كما ساعد على اكتساب المشاهد الفسيفسائية وحدة تصويرية جعلها تنافس في روعتها أجمل أعمال الرسم. وكانت هذه المشاهد تزين لويحات تصنع بالورشة على سند خصوصي ثم تنقل على عين المكان لتنزل وسط البساط الذي تكون أرضيته من التيسيلاتوم. لذا، فقد أطلق على القطعة المنقولة من هذا الصنف اسم امبليما (emblema) وهي لفظة إغريقية تعني عنصرا يرصّع به آخر. وقد ظهر هذا النوع بإفريقية في العهد الروماني، كما أنّها استوردت في الفترة نفسها تقنية أخرى متطوّرة تسمّى سكتيل (sectile) تستعمل في توشيح الأرضيات الفاخرة بالمنازل الفخمة والحمامات العمومية وأحيانا بالساحات أيضا، وهي تتجسّد في جمع قطع من الرخام وترتيبها في أشكال هندسية أو نباتية.

إنّ أنواع التكسية التي استعرضناها كانت تستعمل حسب المساحة المزمع توشيحها، فمنها ما يلائم الأماكن المقوسة والمحرابية الشكل أو القبوية كالموزيفون (musivum) ومنها ما يتماشى والمساحات العمودية والمسطحة مثل السكتيل. وتبقى الطرق التي استخدمت في تجميل الأرضيات هي الأكثر تنوعا: من فيقلينوم وتيسيلاتوم وسكتيل وغيرها. والفسيفساء الأرضية بمختلف أنماطها وخاصة منها التيسيلاتوم انتشرت بإفريقية وعمّ استعمالها في مقاطعة البروقنصلية (Proconsularis) ابتداء من القرن الثاني الميلادي فوشّحت بها المباني العمومية والمنازل بالمدن والأرياف وكُسيت بها القبور فيما بعد حتى إنّ الباحث الأثري أو العامل في حقل الفلاحة أو البناء أو التجهيز لا يكاد يجري سبرا أو يقوم بحفر في ناحية من نواحي البلاد دون أنّ يعثر على بساط جميل أو يقف على أطلاله.

وقد أبرزت الدراسات الحديثة بعض ملامح المدرسة الإفريقية للفسيفساء التي تميزت - وهذا باتفاق المتخصّصين - على بقية المدارس الإقليمية الأخرى، بوفرة إنتاجها وخصوبة ابتكاراتها وطرافتها وبجودة عملها التقني، كما مكّنتنا من معرفة الخطوط الكبرى لتطوّر فنّ الفسيفساء ببلادنا، هذا الفنّ الجميل الذي استمرّ استخدامه أربعة عشر قرنا. فبعد الفترة القرطاجية التي عرفت فيها "البسط البونية" رواجا منقطع النظير، نجد صداه في بعض النصوص الرومانية تلت حقبة فراغ وركود في جميع الميادين إثر الحرب البونية الثالثة تواصلت إلى أن أعيد بناء قرطاج في أيام حكم الإمبراطور أوغسطوس، ثمّ استرجعت مقاطعة إفريقية ازدهارها الاقتصادي شيئا فشيئا في القرن الأوّل والنصف الأوّل من القرن الثاني الميلادي فنشطت بذلك الحركة المعمارية وظهرت مصانع الفسيفساء بعدة مدن كقرطاج وأوتيكا وأكولا (قرب صفاقس) والجم وغيرها. وقد تميّز إنتاج هذه الفترة بالتأثير الإيطالي الذي نتبينه من نوعية التركيبات الهندسية وكيفية خطها بمكعبات سوداء داخل أرضية بيضاء والذي تزامن انتشاره مع دخول عناصر شرقية تلوح في طرق موضوعات ميثولوجية كالتي ترتبط بديونيزوس إله الخمر عند الإغريق أو تصوير الحياة اليومية على ضفاف النيل أو مشاهد الطبيعة الميتة قسينيا (xenia).

ثمّ تخلّص الفنانون الأفارقة في الحقبة الموالية التي تبدأ في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي من هذا التأثير البسيط لكن الأنيق رغم أنه خُطّ باللونين الأبيض والأسود فقط وكوّنوا مدرستهم التي سرعان ما تميزت بعدة خاصيات، منها تعدد الألوان وإغناء "سجلّ النماذج" بابتكار تركيبات هندسية وخاصة بتطوير الأسلوب الزخرفي النباتي الذي أبدعت فيه المدرسة الافريقية فقلدتها نظيراتها بالمقاطعات الأخرى. أمّا الرسوم التمثيلية فإنها لم تكن وفيرة الإنتاج في هذه الفترة باستثناء ما صنع بمدن مقاطعة المزاق (وسط البلاد وجنوبها) حيث تجذرت التقاليد الفنية الهلينية الشرقية بتزدروس (الجم) وأكولا وطينا... وقد مكّنتنا الاكتشافات الحديثة من التعرف إلى خاصيات منطقة داخلية لهذه المقاطعة تتحدّد حول كبصا القديمة (قفصة).

ولمّا زعزعت الاضطرابات الإمبراطورية الرومانية في النصف الثاني من القرن الثالث تدهور الاقتصاد فحدّ من الأشغال المعمارية وتسبب في تقلّص صناعة الفسيفساء، إلا أنّ هذه الاضطرابات كانت أخفّ وطأة على مقاطعة إفريقية. لذا فإن المعامل لم تلبث أن استعادت نشاطها ودعّمته بتعدّد الورشات المتنقّلة حتى بلغ الانتاج ذروته في القرن الرابع وتواصل أيضا في العصر الوندالي محافظا على أسلوبه فازدانت المعالم العمومية والمنازل الضخمة في كلّ مكان بلوحات فسيفسائية تعكس بذخ طبقة البرجوازية "البلدية" التي كانت تسيطر على مختلف أوجه الحياة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وحتى ترفيهيا. وقد أبدع الفنانون الأفارقة في تصوير مظاهر الواقع اليومي لأسلافنا. فهذا السيد جليوس في ضيعته بقرطاج، وهذا قصر فخم بطبرقة أنشئ وسط حديقة، وهذه إحدى النبيلات، عاشت بموقع سيدي غريب، نراها تتجمّل بعد أنّ استحمّت وارتدت ثيابها الفاخرة على حين خرج زوجها إلى الصيد مصحوبا برفيقين، وهذه المراحل المختلفة لعملية القنص تُقدّم إلينا في أسلوب روائي حي، وهذه بطولات رياضية، خطرة أحيانا وطريفة أحيانا أخرى، وهذه لوحات تهتمّ بعالم البحر وأخرى تجسّم الشواغل الثقافية والروحية...وقد تميّزت هذه الفترة بصنوف من الابداع في مجال التركيبات الهندسية والنباتية روجتها مصانع قرطاج وبلاريجيا ومكنين وبوبوت (الحمامات) وتبربومايوس (قرب الفحص) وغيرها.

وقد مكّن هذا الانتاج المتميز كمّا وكيفا بفضل جودته الفنية وطرافة أسلوبه ورونقه الأفارقة من الاشعاع خارج منطقتهم في اتجاه صقلية حيث كانوا على الأرجح قد أنجزوا فيما أنجزوا مجموعة بيازا أرمارينا (Armerina Piazza) الضخمة (3500م²) وفي اتجاه سردينيا وكذلك جنوب إسبانيا وبلاد الغال وربّما نحو روما نفسها. ونذكر سقف كنيسة القديسة قسطانزة (Costenza Santa) الذي يشبه إلى حد بعيد بساطا رائعا كان يوشّح صحن منزل قرطاجي يصوّر نثير أغصان وزهور بعثرت على الأرض وانتشرت بينها طيور ودواب. إلى جانب كل هذه الوثائق التي تتنزّل في إطار المنهج التصويري الإفريقي التقليدي والتي كانت تستجيب لذوق الطبقة الحاكمة المتشبّثة بقيم الثقافة الكلاسيكية ورموزها ذات الطابع الوثني، ظهر فنّ مسيحيّ يغلب عليه تيار شعبي يتجسّد خاصة في صنع بلاطات فسيفسائية لتغطية الأضرحة أو كسو التوابيت بالفسيفساء.

ولئن بدأ الوثنيون استعمال هذه التقنية (مجموعة طينا) فإنّ تداولها وانتشارها قد تحقّق فيما بين القرنين الرابع والسادس ميلاديا، والأدلّة على ذلك كثيرة بقرطاج وبالوطن القبلي (الحمامات وقليبية) وبالشمال (أوتيكا، الفوار، طبرقة) وبالساحل (النفيضة، هرقلة، سوسة، لمطة) وبالوسط (مكثر، تالة، حيدرة، سبيطلة) وبالجنوب (السخيرة، صفاقس). وهذا النمط الشعبي من خاصيات المدرسة الإفريقية وبدرجة أقلّ جنوب إسبانيا ثمّ الساحل الأدرياتيّ.

فسيفساء سيدة قرطاج

أمّا زخرفة اللوحات هذه فتتجسّد أساسا في رموز مسيحية وفردوسية مصحوبة أحيانا بصورة الميت ونصّ جنائزي. وبحلول الروم محلّ الوندال دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الازدهار والنشاط المعماري أعطت دفعا لصنع الفسيفساء فاستوحى الفنانون محاور رسومهم من "سجلّ النماذج" الإفريقية التقليدية التي أقرّتها الكنيسة كالفصول الأربعة والقنص وأرفيوس أو من التوراة كقصة دانيال ويونس. فأنتجوا روائع نذكر من بينها معمدانية كنيسة الأسقف فيليكس بقليبية ومعمدانية البقالطة المكتشفة سنة 1993 أو اللوحة المعروفة باسم "سيدة قرطاج" وهي صورة رمزية لها وجه وتسريحة امرأة على حين أنّ لباسها لباس رجل، نضيف إليها لوحات من قرطاج وقليبية رسمت عليها مشاهد صيد رائعة.

وقد رجّحت الدراسات الحديثة المبنيّة على مقارنات أجريت بين تركيبات هندسية أو نباتية توجد بكثرة في إفريقية وشبيهاتها بصقلية أو الساحل الأدرياتيّ الغربي أو حتى في الشرق ظهور النماذج الافريقية قبل غيرها ومن ثمّة إشعاع الأسلوب الافريقي على هذه المناطق في تلك الفترة أيضا. وتقلّص بعد ذلك تطور الفسيفساء الأرضية شيئا فشيئا ليترك المجال للفسيفساء الجدارية التي ازدهرت خارج إفريقية برافينا (إيطاليا) وسالونيكا (اليونان) والقسطنطينية والشرق، إلا أنّ هذا الفنّ لم ينقطع في أواخر العهد البيزنطي وأوائل العهد الاسلامي في بلادنا بل تواصل حسب البحث الذي أجريناه أخيرا في هذا الصدد انطلاقا ممّا لدينا الآن من وثائق. فهناك لوحتان اكتشفتا في جهة باجة تمثّل إحداهما تعليم السانتورس شيرون (Chiron Centaurus) فنّ القنص للبطل آخيل (Achilles) في حين تخلّد الأخرى حسب ظنّنا (هناك ثغرة تخلّلت الفسيفساء) أحد النبلاء يحضر مشهد صيد وقد أقبل عليه ثلاثة من خدمه يحملون إليه الشراب في الجرار والمراوح للتهوئة. وباستعراض المعطيات الأثرية والخصائص التقنية والفنية للأثرين رجّحنا أن تكون صنعت في ورشة واحدة بما أنّها لا تتلاءم مع نمط القرن الخامس الميلادي كما أرخت من قبل فاقترحنا إرجاعها إلى بداية الفترة الإسلامية. وهناك أيضا بساط متأتّ من منطقة أولاد حفّوز (على بعد 90 كلم غربي صفاقس) وإن كان محوره مستوحى من عالم الوثنية فإنّ طريقة رسومه الآدمية تشبه أسلوب الفنّ الشرقي في العهد الأموي وكذلك شأن الأسلوب الذي صورت به أشخاص وحيوانات فسيفساء عرائس البحر التي اكتشفت أخيرا بموقع هنشير الواعرة بمنطقة سيدي علي بن عون. ونضيف إلى هذه المجموعة لوحة أخرى وجدت بمنزل قديم اكتشفت بالمكان المعروف ببئر النحال بقليبية ازدانت بتراكيب هندسية تذكرنا بزخارف البساط الفخم (60م² تقريبا) الذي كان يوشح أرض قاعة الاستقبال بقصر القائم بأمر الله الفاطمي بالمهدية الذي يعود انشاؤه إلى القرن الرابع الهجري والعاشر الميلادي.

والملاحظ هنا أنّ عناصر هذه التخطيطات الزخرفية وإن خضعت لمتطلبات حتمية التجديد واختلاف أذواق الحرفاء وتطوّر الأسلوب عبر العصور فإنّها بقيت محافظة على طابعها الافريقي وأصالتها في مختلف الفنون والصناعات من خزف ورسم ونحت (على الرخام والخشب والجص) أو حفر على الجلد، إلخ... على أنّ ندرة استعمال الفسيفساء منذ أواخر القرن السابع الميلادي يمكن أن يعزى إلى الاضطرابات وانعدام الأمن التي عرفتها المنطقة أيام الغزوات الاسلامية المتلاحقة وقبل استقرار الحكم الاسلامي بتنظيم ولاية إفريقية في بداية القرن الثامن، وقد تكون هذه الظروف الصعبة دفعت بالفنانين إلى مغادرة إفريقية نحو صقلية أو شمال إيطاليا أو الشرق حيث ازدهرت الفسيفساء الجدارية. لكنّ اختفاء هذا النمط الزخرفي عُوّض تدريجيّا بطرق توشيحية جديدة نذكر منها الجليز الذي انتشر في إفريقية بتقنيات مختلفة منذ القرن الحادي عشر الميلادي حيث نجده بالأندلس ثمّ بالمغرب ثم بجامع الزيتونة ثمّ بقلعة بني حماد بالجزائر كما نجده بالمسجد الإشبيلي بسوق البلاط في مدينة تونس.