محمود بيرم التونسي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1893 - 1961م]

محمود بيرم التونسي

كتب الكثير عن شخصية الفنان محمود بيرم التونسي، باعتبار المكانة التي احتلها في الأدب التونسي والعربي المعاصر عموما، ولتعدد مواهبه في مجالات كتابة الازجال والأغاني والمسرحيات والمقامات والسيناريوهات والمقالات الصحفية بمختلف أنماطها، غير أن ما كتب حوله وحول إنتاجه الأدبي اقتصر فيه على تغطية فترة إقامته بمصر التي تشتمل على مرحلتين من حياته، مرحلة الشباب المبكر، ومرحلة الشيخوخة المتقدمة. أمّا مرحلة كهولته التي تمتد نحو عشرين سنة (1919 - 1938) فما تزال مجهولة في معظم جوانبها لأن بيرم قضاها خارج مصر بعد أن صدر قرار سياسي بإبعاده عنها. وقد انقسمت هذه المرحلة المهمة إلى ثلاثة أقسام، منها ثلاث عشرة سنة قضّاها مطاردا بين مدن فرنسا المختلفة: مرسيليا وباريس وليون وغيرها، وخمس سنوات أقام في أثنائها بتونس، وسنتان قضاهما ببلاد الشام بين لبنان وسوريا.

ولمّا كان من المتعذر الالمام بأطوار حياة بيرم التونسي الزاخرة بضروب المعاناة والانتاج، لأننا لم نتمكن بعد من الاطلاع على ملفاته السياسية في خزائن الوثائق ببعض هذه الدول، فإننا نقتصر على تقديم خلاصة عامة لحياته، وعلى تناول جوانب من إقامته في تونس في السنوات الخمس التي قضاها بهذا البلد، وانعكاسات هذه الاقامة على الأدب التونسي وإسهامه في النضال الوطني التونسي وكتاباته الأدبية وجهاده الصحفي وتأثيره في الأوساط الاجتماعية والثقافية.

علاقة محمود بيرم بتونس

من المعلوم أن محمود بيرم ينتمي إلى عائلة تونسية من أعرق العائلات، كان لها نفوذ إداري وصيت علمي في فترة حكم البايات لتونس، وحسب الروايات المتواترة فإن جده مصطفى بيرم كان رحل إلى الحجاز في منتصف القرن التاسع عشر لآداء فريضة الحج، وفي أثناء عودته بالباخرة أغرته مدينة الاسكندرية بالإقامة فيها، فوضع رحاله هناك سنة 1833 وتزوج، وتعاطى مهنة التجارة والصناعة وأنجب أبناء توارثوا عنه صناعة النسيج، وواصلوا حياتهم بهذه المدينة، إلى أن ولد محمود بيرم في 23 مارس 1893 بحي الأنفوشي بالاسكندرية، ونشأ وترعرع وتردد على كتّاب الحي فحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ دراسته الأولى، ثم اختلط بطلبة المعاهد، وحضر بعض الدروس الحرة، وانطلق بعدئذ يعلّم نفسه بنفسه، منصرفا إلى المطالعة بالمكتبات العمومية، مترددا على الأندية الأدبية، مكتشفا مواهبه بالفطرة والسليقة دون مرشد أو مساعدة.وفي الحياة تخلّقت عبقريته وتفتّحت على النّكبات والمحن، إذ توفي والده وعمره 12 سنة، كما توفيت والدته وعمره 17 سنة فتركته غلاما يافعا وحيدا في الحياة. وحاول بعدهما تحسس طريقه في الحياة فامتهن شتى المهن، في محل للنجارة لدى زوج أمه "المعلم الشريدي"، وفي مصنع والده الذي فرط فيه بعدئذ لأبناء عمه، ثم صيادا فبقالا، غير أنه فشل في جميع تلك المهن، وخسر رأسماله وبدّد ما كان بين يديه من الثروة القليلة التي ورثها عن والده. وقادته الصّدفة إلى الصحافة حين أخذ يكاتب بعض الصحف ويمدها بالقصائد والأزجال، فتبنّت محاولاته الأدبية الأولى في سنة 1917 جريدة "الأهالي" بالاسكندرية لصاحبها عبد القادر حمزة، وانطلقت شهرته عندما نشر قصيدته الشهيرة عن المجلس البلدي التي كانت نقلة أدبية مهمة في حياته، ذلك أن أهالي الاسكندرية كانوا "بيرميّين" بمجلسهم البلدي المكوّن من الانجليز، وممارساتهم العنصرية، فوجدوا متنفّسا في تلك القصيدة النقدية التي تلقفها الناس بشغف وتداولوها وترجموها حتى إلى أعضاء المجلس، فأصبح اسم الشاعر على كل لسان وذاع صيته، وسعت الصحف إلى نشر انتاجه. وشعر بيرم بعد هذا النجاح الأدبي أنّ إمكاناته أكبر من المدينة التي كان يعيش فيها، خصوصا أنّه قد أصبح موضع منافسة وحسد من بعض الصحفيين فيها، فشدّ الرحال إلى القاهرة، باحثا عن مجال أرحب لنشر أفكاره، وعن وسط ثقافي وسياسي أشمل يتبنى مواهبه، ويضمن له الانطلاقة التي يؤملها.

وما إن وصل القاهرة حتى تلقّفته نواديها وأوساطها، وسمحت له الظروف بإصدار جريدته الشهيرة "المسلة" في سنة 1919، التي كان أصدر بعض أعدادها بالاسكندرية وأخذ يُوَجّهُ على صفحاتها سهام نقده إلى السلطة السياسية، ويطرح مطالب الشعب المصري وقواه الوطنية، معبرا عن رأي الأغلبية، منتهجا له خطّا سياسيّا نضاليّا، بأسلوب ولغة وخيال يتجاوب مع أفكار الناس وعقليتهم. وسرعان ما نجحت خطته تلك فنال شهرة واسعة في وقت وجيز، وتوطدت علاقاته بالأحزاب الوطنية وبزعماء مصر وكتابها الكبار، ووجد التشجيع المادي والمعنوي من القراء الذين كانوا يتهافتون على مطالعة هذا اللون من الأدب الشعبي الجديد، ويعجبون بأسلوب بيرم الساخر المتهكم والسهل الممتنع كما يقال.لم يقف بيرم عند مناهضة الانجليز والقوى الرجعية وأنصار السلطة، ولكن سهامه نالت الأسرة المالكة نفسها إذ كتب في مناسبتين أزجالا تعرض بشرف الملك فؤاد وأصهاره وبناته، وهو ما لم يغفره له الملك، فأصدر أمرا بإغلاق الجريدة وإبعاد هذا الصحفي عن أرض مصر، نظرا إلى أن السلطة المصرية لم يكن بإمكانها محاكمته باعتباره تونسيا، من رعايا السفارة الفرنسية بمصر.

وبالاتفاق بين قنصلية فرنسا بالقاهرة، والسلط المصرية تقرر ترحيل محمود بيرم في أول باخرة من الاسكندرية في اتجاه وطنه تونس وصدرت برقية بتاريخ 2 ديسمبر 1919 من قنصل فرنسا بالاسكندرية إلى الاقامة العامة بتونس تخبرها بسفر محمود بيرم يوم 21 أكتوبر 1919 مبعدا من مصر إلى تونس عبر مدينة مرسيليا، وتنبهها على ضرورة الاحتياط منه ومن تصرفاته، وتشديد الرقابة عليه لما يجسمه من خطر على الأمن العام. ووصل محمود بيرم إلى تونس في أوائل شهر نوفمبر 1919 حيث أقام بضعة أسابيع بالنزل العصري وظلّ مراقبا من الشرطة الفرنسية. وحاول في أثناء هذه الاقامة البحث عن عمل فلم يتوفق إلى ذلك لما كانت تونس تعاني من بطالة وفاقة ومجاعة، كما حاول الاتصال بآل بيرم لكنّهم أنكروه إنكارا تاما، وتبرّؤوا منه، ولم يعترفوا بقرابتهم له.

عند ذاك ضاقت الدنيا في عينيه، وفقد الأمل في العودة إلى الوطن والأهل، فارتحل إلى مرسيليا وتواصلت إقامته بفرنسا ثلاث عشرة سنة قضاها متنقلا من مدينة إلى أخرى، ومن عمل إلى آخر، مجربا كل أنواع المهن الشاقة الوضيعة، متعرضا لكل الصعوبات وألوان المهانة والعنف، وهو ما أفاض في تصويره ضمن مؤلفه "مذكرات المنفى" التي نشرها بتونس في الثلاثينات. لكنّ بيرم طيلة هذه الفترة، ورغم المحن التي كابدها لم يذعن للواقع المرير، فواصل الكتابة، ومراسلة الصحف والمجلات بمصر، وألّف الأزجال والقصائد والمسرحيات والمقامات، وواصل حملته على الاستعمار الانجليزي وعلى العائلة المالكة، وحاول الاتصال من منفاه بكل الزعماء المصريين الذين كانوا يفدون على باريس ليتوسطوا له في العودة إلى بلاده، ولكنهم تنكروا له، حسبما أشار إليه بنفسه، وخيبوا ظنه، بل إن معظم الصحف والمجلات التي كان يراسلها كانت تنشر إنتاجه مجانا وأخلت بوعودها في تحويل هذه المكافآت البسيطة إلى أبنائه في مصر، وهو ما اضطره في بعض الأحيان إلى أن يقاسمهم دخله الزهيد، وأجرته المتواضعة من أعماله اليدوية في حضائر البناء ومستنقعات الملح، وأفران صهر الحديد.

وبحكم هذه الإقامة الطويلة في فرنسا تعرّف محمود بيرم إلى عدّة طلبة من شمال إفريقيا هناك، وتوطدت علاقاته بهم، وخاصة منهم التونسيين الذين كان يشعر بالانتساب إليهم رغم تنكر عائلة بيرم له. ومن الذين تعرّف إليهم محمود بيرم آنذاك، محمد بدرة الذي كان ينتمي إلى عائلة بدرة المعروفة بنشاطها الاقتصادي، وصلتها الوثيقة برجال المال والسياسة، وبموالاتها لمحمد شنيق العضو بالمجلس الكبير، ورئيس الحجرة التجارية التونسية، ورئيس بنك التعاضد المالي. ويبدو أن محمد بدرة الذي عرف بفطنته وذكائه ودهائه وحبه للفن وأهله فكر في استقدام محمود بيرم إلى تونس لاستغلال مواهبه في الأعمال الصحفية لهذه الجماعة التي اتخذت من جريدة "الزمان" لسان حال لها، لتجعل منها صوتا إعلاميا خاصا بها وبمشاريعها التجارية والاعلامية والسياسية، وتجعل منها منبرا لمقاومة صحف "الحزب الحر الدستوري التونسي"، الذي شق عصا الطاعة في وجه محمد شنيق وجماعته، وفك صلته بهم لاختلاف التوجهات الوطنية، وأساليب العمل. ووجدت هذه الفكرة صدى طيّبا لدى جماعة شنيق فأوكلوا إلى محمد بدرة مهمة تنفيذها، فاتّصل بمحمود بيرم واستقدمه إلى تونس في أواخر سنة 1932 حيث أولوه رئاسة تحرير "الزمان" في جانفي 1933 واستمرّ في هذا العمل إلى سنة 1935. وطيلة هذه الفترة تحوّلت الجريدة المذكورة من جريدة إعلامية إلى صحيفة مرموقة، تحقّق لها انتشارا واسعا بفضل ما أدخله بيرم على أبوابها وأركانها، وأسلوبها وخطابها الصحفي من تجديد وطرافة. ويمكن القول إن بيرم استولى على الجريدة كلها وأصبح يحرر جميع صفحاتها بما في ذلك الاعلانات التجارية التي اكتست طابعا جديدا مثيرا، وأضفى عليها صبغة أدبية واضحة، وشن على صفحاتها حملات صحفية لاذعة على جماعة الحزب الدستوري القديم، وخاصة على بعض أدباء هذا الحزب أمثال حسين الجزيري، ومصطفى بن شعبان، بسبب تعرضهما له، ومبادرتهما بالهجوم عليه، ووصفه بأبشع النعوت.

وقد امتدت تلك المعركة بضع سنوات، واشتدت ضراوة وعنفا بعد الانقسام الذي حدث داخل الحزب الدستوري وانشقاق جماعة الحزب الجديد عنه في سنة 1934 إذ كان بيرم ومن ورائه جماعة شنيق من مباركي هذا الانشقاق، وممن دعموا الحزب الجديد بشتى الوسائل للتخلص من خصومهم القدامى، فكتب المقالات والقصائد والأزجال وحتى المقامات والقصص للتنويه بالزعماء الجدد والتعريض بالقدامى. ولئن بدا موقف بيرم منسجما في الظاهر مع موقف جماعة شنيق فإن أغراضهما ونواياهما كانت متباينة. ففي حين كانت الحساسيات السياسية والحسابات والمناورات وراء سعي جماعة شنيق إلى تفكيك الحزب، وزعزعته وإحداث الانقسامات داخله حتى يتسنّى لجماعة الكتلة الأهلية التي يرأسها بالمجلس الكبير تحقيق أهدافها، والظهور على الساحة السياسية باعتباره عنصر توزان بين الكتل الوطنية المتصارعة، فإن موقف محمود بيرم التونسي كان هدفه التحمس للشبيبة الوطنية وتجديد هياكل الحزب وحقنه بدم جديد وعناصر شابة تتيح له مواصلة نضاله ضد المستعمر.

وممّا يسجل لمحمود بيرم في عمله الصحفي بجريدة "الزمان" أنه لم ينفذ سياسة محمد شنيق، بل نجده في أكثر الأحيان مناوئا للاستعمار، ومنددا ببعض ما كان يصدر عن المقيم العام آنذاك مارسال بيروتون المعروف بصلابته وغطرسته وسياسته القمعية وانتهاك لحقوق التونسي. ولئن بدا بيرم مقيدا بعض الشيء بتوجهات صحيفة "الزمان" وملتزما بالخط الحيادي الذي تنتهجه تجاه السلطة، فإن هذا الحياد لم يلبث أن أصبح انتماء ظاهرا وقويا إلى صفوف الوطنيين، وإلى المقاومة السياسية والنضال المباشر بمجرد أن استقال من هذه الجريدة، مفضلا الاستقالة عن مواصلة عمله الحيادي، وهو الذي لا يؤمن بالحياد، ولا يرغب فيه، ولم يؤهل له. وعانى بيرم في فترة بطالته من أزمة مادية حادة اضطرته إلى أن يصنع الحلويات، ويطوف بها على الباعة ليكسب قوته اليومي كي لا يضطر إلى تأجير قلمه، وقول ما لا يرغب في قوله، غير أن هذه الفترة لم تدم طويلا، إذ حدثت تحولات سياسية مفاجئة في فرنسا بانتصار الجبهة الشعبية وصعود زعيمها ليون بلوم إلى الحكم، فانجرّ عن ذلك تغيير سياسة فرنسا في أقطار ما وراء البحار، وعُين على تونس مقيم عام أشدّ واقعية وتفهّما لتطور الأحداث، فرفع الحظر عن الصحف المعطلة، وأباح إصدار صحف جديدة بموجب قانون يسمح بحرية العمل الصحفي، كما أفرج عن المعتقلين، واتخذ تدابير سياسية في اتجاه الاصلاح استجابة لبعض المطالب الوطنية.

في هذا المناخ الجديد وجد بيرم متنفّسا للعودة إلى العمل الصحفي، فبدأ يشارك زملاءه من "جماعة تحت السور" تحرير الصحف التي أصدروها وخاصة جريدة "السرور" التي أصدرها القصاص التونسي علي الدوعاجي في سبتمبر 1936. ثم أصدر في شهر أكتوبر من السنة نفسها جريدة بعنوان "الشباب" استمر صدورها من أكتوبر 1936 إلى مارس 1937. ولانتهاج هذه الجريدة خطا وطنيا صلبا، وأسلوبا ساخرا عابثا بكل متواطئ مع الاستعمار وخائن لبلاده، ولما قامت به من حملات أدبية وفكرية وسياسية على جميع الانحرافات الفكرية والاخلاقية، فقد كان مصيرها التعطيل بعد أن تفاقمت الشكاوى بشأنها، وتألبت عليها جميع القوى المناوئة لصوت الحق. والحقيقة أنّ بيرم وجد في هذه الجريدة فرصته الكبرى ليحملها أفكاره ويبثها كلّ ما في نفسه من آلام وأحزان، وثورة وعنف، ويكفر من ثمّة حتى عن مجرد الانتماء في يوم من الأيام إلى الحياد، وخدمة من لا يتوافق معه في الوطنية.ولم يفل تعطيل "الشباب" في عزيمة محمود بيرم الذي ما لبث أن أصدر مع أحد المتعاطفين معه جريدة باسم "السردوك". وعوض أن تردع القرارات الزجرية الصاردة عن السلطة محمود بيرم وتثنيه عن مواصلة أسلوبه التهجمي التهكمي على السلطة الاستعمارية، وعلى بعض الذوات التونسية ممن كانوا على صلة بالسلطة، انبرى يرفع من درجات عنفه اللفظي في العددين اللذين حررهما في جريدة "السردوك" وكأنما كان الاضطهاد الذي عاناه تحريضا له على المزيد من المقاومة، وشحذا لعزائمه بتشديد القبضة على المستعمر. ولمّا أعيت جميع الحلول خضد شوكته وإخماد ثورته وتدجينه مثلما يقتضي الحال في نظر المستعمر، صدر قرار إبعاده عن تونس في الأسبوع الأول من شهر أفريل 1937. وعبثا حاولت معظم الصحف لفت نظر المقيم العام والسلطة الاستعمارية إلى خطإ القرار وفداحته، وما يجسّده من اختراق للقوانين بإبعاد مواطن تونسي عن أرضه ووطنه. وبتلك المناسبة اجتمع الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري التونسي بمكتب الحبيب بورقيبة بباب سويقة في جلسة رسمية يوم 17 أفريل 1937 حضرها من أعضاء الحزب الجديد صالح بن يوسف وسليمان بن سلميان ومحمود بورقيبة والبحري قيقة، وقرّروا فيها القيام بعمل شعبي للحيلولة دون تنفيذ القرار. إلاّ أن بيرم الذي كان قد حضر هذا الاجتماع أبى أن يزج بالبلاد في معركة دموية وفي صراع مع المستعمر، وقد كانت الظروف الاجتماعية على أسوإ حال نظرا إلى المجاعة المتفشية، وفشل الإقامة العامة في مواجهة غلاة المستعمرين بتونس، وقد رفضوا الانصياع لقرارات حكومتهم.

وبارح بيرم تونس يوم 21 أفريل 1937 مودعا، كما ذكر قرار واحد من مخبري الشرطة، من قبل ثلة قليلة من أصدقائه الأدباء الذين حضروا معه إلى الميناء في الساعة الثانية ليلا، بعد أن اختار الابعاد إلى الشام، التي كانت ترزح أيضا تحت الاستعمار الفرنسي. وقد قضّى بيرم بضعة أسابيع تحت رقابة شرطة الميناء بمرسيليا بعد أن رفضت الباخرة التي كانت تستغل الخط البحري بين مرسيليا وبيروت حمله على متنها لعدم حصوله على تأشيرة عبور إلى بيروت، ثم ذللت الشرطة هذه الصعوبة حين قبلت إحدى بواخر الشحن نقله على متنها. ووصل محمود بيرم إلى بيروت في بحر شهر ماي 1937 وأجبرته سلط الميناء على دفع غرامة مالية لضمان ترحيله عند الاقتضاء، فدفع ما كان عنده من مال، واجتاز بيروت للاقامة بسوريا حيث لا نعرف الكثير عما قام به هناك، عدا بعض الاشارات إلى اتصاله بأصدقائه المصريين بمصر، وبمراسلاته للفنانات والفنانين، ومدهم بالأغاني والمسرحيات التي كانت تمثل على مسارح مصر، كما كانت له اتصالات بأهل الفن ورجال السياسة والصحافة بسوريا. ورغم أنّ بيرم اختار الانزواء في هذا القطر العربي، وفضل العمل الأدبي في انتظار أن تسنح الظروف باستئناف نشاطه النضالي، فإن السلط المصرية تضايقت من إقامته بسوريا، وأرسلت الجواسيس يتعقبونه، وكلفت دبلوماسييها بالتدخل لدى المندوب السامي الفرنسي لابعاد بيرم مرة أخرى من سوريا. ووجد الطلب المصري صداه لدى فرنسا فأذنت بترحيل بيرم مرة أخرى من هناك، واختارت هذه المرة بلدا إفريقيا يقع تحت انتدابها ولا يتكلم أهله العربية وليست لهم علاقة بالعرب وهو السينغال. ووجد نفسه على متن الباخرة التي ستقله إلى منفاه الجديد في شهر نوفمبر 1938. وما إن توقفت هذه الباخرة بميناء بورسعيد للتزود بالمؤن والوقود حتى كان قد أعد نفسه لمغامرة الهرب فرشا بعض النوتية بالميناء الذين سهلوا فراره واختفى ردحا من الزمن عند بعض أصدقائه وأقربائه، إلى أن توسط له أدباء وساسة مصريون لدى الملك فاروق الذي كان ورث عرش أبيه فعفا عنه، وقضى بقية حياته بمصر، ولكنه لم يحصل على الجنسية المصرية إلا سنة 1954 بتدخل مباشر من الرئيس جمال عبد الناصر الذي أكرم الشاعر وأنعم عليه بأرفع الأوسمة. فأكمل حياته هناك يعاني من الأمراض التي كان حصدها في أثناء منفاه الطويل إلى أن وافاه الأجل ودفن بالقاهرة في 1 جانفي 1961.

تلك صورة مقتضبة عن حياة الكاتب والشاعر الفنان محمود بيرم التونسي الذي شغل العالم العربي وملأ الأسماع، ولم يحظ بما حظي به غيره من الكتاب والأدباء من اهتمام وتقدير، عدا ما كتبه عنه بعض الأدباء المصريين الذين تناولوا بعض جوانب كفاحه وإنتاجه في غير تعمق ودون استيعاب وإلمام بالفترات التي قضاها خارج مصر. ويهمّنا من كل ذلك أنّ بيرم قضى في تونس ردحا من الزمن، ترك خلاله إنتاجا وفيرا وتأثيرا محسوسا، وصفحة ناصعة من النضال الوطني ونكران الذات والمعاناة المرة. فمن جهة الانتاج الأدبي كانت حصيلة هذه الاقامة عشرات القصائد الفصحى، وبضعة أزجال باللهجة التونسية الأصلية التي أتقنها بيرم إتقانا عجيبا يضاهي صفوة الشعراء الشعبيين والزجالين التونسيين، ومجموعة من القصص القصيرة، والمقامات، والمقالات الأدبية والصحفية التي تناول فيها شتى الموضوعات الاجتماعية والقضايا السياسية، مما يؤلف حصيلة أدبية ثرية.

وقد تكون فضيلة بيرم في هذه المرحلة التونسية أنّه تخلّى عن الكتابة باللّهجة العاميّة باستثناء بعض الأزجال فكتب باللغة العربية الفصيحة القريبة من الأذهان، والميسورة الفهم، اعتبارا منه، كما كان يذكر ويردّد، إلى أن معركة التونسيين مع الاستعمار هي في الأساس معركة ثقافية ونضال ضدّ غزو لغوي استعماري، وتأكيدا منه قدرة هذه اللغة على الصمود، وإسهاما منه في صدّ الحملات التي كان يشنها الاستعمار وأذنابه على اللغة العربية ونعتها بالتخلف والتحجر والدعوة إلى الاستعاضة عنها باللهجة العامية. وإلى جانب ذلك أحدث بيرم ثورة صحفية، عند إشرافه على رئاسة تحرير "الزمان"، أو عند إصداره جريدة "الشباب"، أو مشاركته في تحرير جريدتي "السرور"، و"السردوك". وتتجلى هذه الثورة فيما أحدثه من أبواب جديدة، وفي الارتقاء بلغة الصحافة، وفي أسلوب معالجته لمختلف القضايا المهمّة منها والبسيطة على حد سواء، إضافة إلى الشجاعة الأدبية التي كان يتميز بها، والقدرة على التحليل والنفاذ بعمق إلى أهم المشكلات واستشراف المستقبل، والحدس الصحفي المبهر، واقتراح الحلول، وتعبئة الجماهير. وعلى عهده حققت الصحافة الهزلية خاصة نقلة نوعية، وأصبحت في طليعة الصحف المقروءة. وقد استطاع أن يفجر قرائح المصورين والرسامين ويشركهم في الحياة السياسية والاجتماعية، ويخلق لأول مرة فنّ الكاريكاتور السياسي الذي لم يكن معروفا في تونس قبل مجيء محمود بيرم، ويكتشف عدّة مواهب بفضل قدرته على الادارة والتوجيه والاشراف.

ولعلّ أهمّ ما يسجله التونسيون لمحمود بيرم هو إسهامه الواضح في العمل الوطني ونضاله المشهود إذ وقف طيلة إقامته مع الشعب، وتبنى قضاياه، وساند القوى الوطنية وخاصة الحزب الدستوري التونسي الجديد، وجند قلمه لمحاربة الظلم والانتهازيين، وفضح كل من تواطأ مع الاستعمار حتى أولئك الذين كان لهم الفضل في استقدامه إلى تونس وفي طليعتهم محمد شنيق. والخلاصة أنّ محمود بيرم التونسي يمكن اعتباره، أكبر أديب عربي عانى الاضطهاد والابعاد والتشريد في العصر الحديث بسبب أفكاره الوطنية، مجسّما بذلك الأديب العربي الوطني في أسمى منزلته لدفاعه عن الشعب المصري والتونسي، والجزائري والليبي، والسوري، وتبنّي قضايا الأمة العربية في أوسع نطاق. وقد نشأ في عائلة تونسية الأصل، ظلّت تحتفظ بجنسيتها التونسية طوال أكثر من قرن، وكانت إقامته بتونس ومجيئه إليها مرتين لاعتبارات وطنية. وهو إلى جانب ذلك يعدّ في مصاف العباقرة والموهوبين بما ترك من إنتاج في شتى الأنماط الأدبية، وما تميّز به من قدرة على الابداع والتفوق، بشهادة كبار أدباء عصره، وبشهادة العصر ذاته الذي ما يزال مفعما بذكره، مردّدا بلسان الشعراء والفنانين مثل أم كلثوم والكتاب ألوانا من إنتاجه الخالد.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • سعد كمال، صفحات ضائعة من حياة بيرم التونسي، بيروت، دت.