الرشيدية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
فرقة الرشيدية

الرشيدية أو المعهد الرشيدي مؤسّسة ثقافية فنية مناضلة من موقعها الفنّي في سبيل المحافظة على مقوّمات الشخصيّة الوطنيّة التي كانت مهدّدة زمن الاستعمار بالادماج والتجنيس. فقد تأسّست جمعيّة الرشيديّة سنة 1934 في الفترة التي انعقد فيها المؤتمر الأول للموسيقى العربيّة بالقاهرة سنة 1932. وكان من أهداف الرشيدية إلى جانب صيانة الهويّة التّونسية وإنقاذ التّراث الموسيقي التّونسي التصدّي لموجة الابتذال والهجنة والعجمة التي سادت الوسط الفنّي على أيدي بعض اليهود. وكأنّ الرشيديّة بالتسمية التي اختارها مؤسّسوها تخلّد أحد البايات الحسينيين محمد الرشيد الذي فضّل الفن على العرش. وممّا تجدر ملاحظته أنّ الاجتماع التأسيسي لهذه المدرسة الفنّية احتضنته "الخلدونيّة" التي كانت داعمة للهوية الوطنية بالفكر والتاريخ والأدب. أشرف على ذلك الاجتماع مصطفى صفر مدير التشريفات بالوزارة الكبرى آنذاك. وكان قد عاد من الجزائر حيث أدرك ضرورة أن تكون لتونس نهضتها الفنّيّة الأصيلة.

ويدرك المطلع على قائمة الحاضرين في الاجتماع التأسيسي في كتاب محمد السقانجي حول الرشيديّة التفاف النخبة المثقّفة والسياسيّة حول مشروع الجمعية واقتناعها بأهدافها. تمّ الاتفاق على تركيز ثلاث لجان هي: اللّجنة الأدبيّة التي تعنى بتأليف الأغاني الراقية وتدوين المالوف، واللّجنة الفنّيّة التي تعنى بجمع التّراث الموسيقي وتأليف الألحان الحديثة ويتفرّع عنها التخت الموسيقي للجمعية، ولجنة الدعاية التي تعنى بالتعريف بالجمعيّة وبأعمالها عبر الصحافة، كما نُظر في إمكان فتح الرشيديّة لتعليم الموسيقى والعزف. وقد تركّب المجلس الاداري الأول من مصطفى صفر رئيسا ومصطفى الكعّاك مساعدا والطاهر المهيري وبلحسن الأصرم والدكتور خياط والمنصف العقربي كاتبا عاما وأحمد بن عمار أمين مال وعبد العزيز بن شعبان وجمال الدّين بوسنينة وعبد القادر بلخوجة والطاهر الزاوش ومحمد بن عبد اللّه. وقد تبرّع بلحسن الأصرم بمنزله بنهج الباشا ليكون مقرّا للجمعيّة. مرّت الرشيديّة بعدّة أطوار تفاوت فيها نشاطها وإشعاعها. كان رئيسها في الطور الأول مصطفى صفر من سنة 1934 إلى سنة 1938، وفي الثاني مصطفى الكعّاك من سنة 1938 إلى سنة 1965، وفي الثالث صالح المهدي من سنة 1965 إلى سنة 1971، وفي الرابع محمد بدرة من سنة 1971 إلى سنة 1973، وفي الخامس محمد النيفر من سنة 1973 إلى سنة 1987، وفي السادس زكرياء بن مصطفى من سنة 1987 إلى سنة 1990، وفي السابع عبد القادر بوسحابة منذ سنة 1990.

وتداول على الإدارة الفنّية وقيادة فرقة الرشيديّة خميّس ترنان ومحمد التريكي وصالح المهدي وعبد الحميد بلعلجيّة ومحمد سعادة وقدّور الصرارفي ومحمد علي وحيد. وفي رحاب الرشيديّة تألق نجم عدّة شعراء ومطربين ومطربات نخص بالذكر منهم: شيخ الأدباء العربي الكبادي وجلال الدّين النقاش ومحمد السعيد الخلصي والهادي العبيدي ومحمد المرزوقي والمنوبي السنوسي وأحمد خير الدين ومحمود بورقيبة وجعفر ماجد وبلحسن بن شعبان ونور الدين صمّود وشافية رشدي وصالح المهدي وأحمد الوافي وصليحة والصادق ثريّا والهادي الجويني والهادي القلاّل والشاذلي أنور والهادي المقراني ورضا القلعي والطاهر غرسة وعلي السريتي وفتحي زغندة.وكأن الجميع مرّوا من هناك باعتبارها مدرسة أجيال وذاكرة الموسيقى والغناء بتونس.

ويستنتج المتأمّل في سيرة الرشيديّة أنها دوّنت في طورها الأول التّراث التونسي من المالوف والأغاني والفوندوات والطقاطق، وعلّمت أصول العزف والأداء لتلاميذها بإشراف أساتذة موسيقى من تونس والخارج، وأنّها اهتمّت في طورها الثّاني بالانتاج الجديد الراقي الذي به أغنت رصيد الاذاعة التونسية، وأنها كوّنت في طورها الثالث جيلا جديدا من الأصوات الشابة والملحنين المجدّدين مع المحافظة على روح الموسيقى التونسية، كما كوّنت جيلا من أساتذة الموسيقى لتعليمها في المؤسّسات التربويّة والثقافية.

وتقترن أطوار الرشيديّة بأعلامها. فقد ارتبط اسم خميّس الترنان بأولى التلاحين، واقترن اسم محمد التريكي بتنويط المالوف، واقترن اسم صالح المهدي بتهذيب التّراث الغنائي التّونسي والتعريف به في الخارج وتشبيب الأصوات، واقترن اسم عبد الحميد بلعلجيّة بتسجيل مالوف الرشيديّة في الاذاعة، بينما اقترن اسم محمد سعادة بالتّطوير والتّجديد. ومع هذه الجهود الفنّيّة تكوينا وإبداعا اعتنت الرشيدية بالنشر، فأسهمت في إصدار كتب تعرّف بخميّس ترنان وأحمد الوافي ومقامات الموسيقى العربيّة والمعهد الرشيدي نفسه، كما نشرت مختارات مسجلة من أعمالها الفنيّة لتكون نماذج يحتذى بها. وما انفكّت الرشيدية تؤكّد حضورها وحضور الفنّ التونسي في المناسبات والمهرجانات، داخل البلاد وخارجها، بتألّق جمالي ونجاح جماهيري.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • السقانجي محمد، الرشيدية، نشر شركة كاهية، تونس،1982.