خميس الترنان

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1894 - 1964م]

خميس ترنان

ولد الفنان خميس الترنان سنة 1894 بمدينة بنزرت بالشمال التونسي، وهو ينتمي إلى أسرة أندلسية الأصل استقرت أولا بالجزائر ثم انتقلت إلى تونس واستقرت ببنزرت حيث كانت تعرف بلقب "الغلاب" ثم "الزاوي" لتعرف فيما بعد ب"الترنان" وذلك لما عرف به أفرادها من جمال الصوت. دخل الطفل خميس مثل أبناء جيله الكتّاب لحفظ القرآن الكريم وقد كان المؤدب يختاره لانشاد "الهمزية" أو "البردة" للشيخ البوصيري في أوائل شهر ربيع الأول بمناسبة المولد النبوي الشريف لما اشتهر به بين زملائه من حسن الصوت ورقة الأداء، وهي عادة جرى عليها أهل تونس منذ القديم ورصدت لها الأوقاف أموالا توزع ليلة المولد النبوي الشريف على المؤدبين وتلاميذ الكتاتيب القرآنية مقابل قيامهم بترديد الأناشيد. اعتنى به والده الشيخ علي الترنان وحرص على تلقينه القرآن الكريم وإعادة ذلك الحفظ ثلاث مرات وهي أيضا عادة تونسية قديمة، كما أدخله معه إلى دكان الحياكة حتى سنة 1908 التي وافقت تأسيس مدرسة ابتدائية ببنزرت، فحرص علي الترنان على إدخال ابنه هذه المدرسة وأغراه بأنه سوف يعفى من خدمة الجندية الفرنسية عند إحرازه الشهادة الابتدائية، كما حرص علي الترنان على مشاركة ابنه خميس الذي برز بجمال صوته في الحفلات الصوفيّة التي كانت تقام بضريح الولي الصالح "سيدي المسطاري" (نسبة إلى مسطار إحدى المدن الاسلامية بيوغسلافيا) مثل "المولدية" التي تعتمد إنشاد قصة مولد الرسول الأعظم (صلى اللّه عليه وسلم)، للبرزنجي و"السلامية" نسبة إلى الشيخ عبد السلام بن سليم الفيتوري دفين مدينة زليطن الليبية، المتوفى سنة 981هـ/1753م، كما شارك عمه محمد الترنان شيخ الطريقة "العيساوية" (نسبة إلى الشيخ محمد بن عيسى، دفين مكناس، بالمغرب، المتوفى سنة 933هـ/1527م) في غناء أناشيد هذه الطريقة من أنواع المجرد والبراول وحتى قطع المالوف، وبذلك تكونت لخميس الترنان ملكة غنائية ميزته عن شبان الحيّ وجلبت له إكبار أترابه وأسرته وحتى أصدقاء والده فأصبحوا يقترحون عليه جلبه معه عند قيامه "بالهدوة" وهي مصاحبة العريس من مقام سيدي المسطاري إلى بيته بالغناء الجماعي والفردي على أنغام الزرنة وآلات الايقاع.

وقد تعرف خميس الترنان إلى فرق الطرب التي كانت تأتي إلى بنزرت من تونس العاصمة وتقيم حفلات تونسية وشرقية، إلى أن تعلقت همته بتعلم آلة "المندلين" ثم آلة العود الشرقي التي برع فيها، ثم أخذ يقلد الموشحات والأدوار الشرقية عن إسطوانات الشيخ سالم الكبير والشيخ يوسف المنيلاوي والقصائد والمواويل للشيخ سلامة حجازي وعبد الحي حلمي. وفيما بعد، تمكن من إقامة حفلات بأشهر مقاهي بنزرت (فريحة، الحشاني). استمر الشاب خميس في الاستجابة لهوايته الفنية بإقامة الحفلات إلى أن قامت الحرب العالمية الأولى فشدّ الرّحال إلى تونس العاصمة سنة 1917 لاجراء القرعة التي تجبره على السفر إلى مرسيليا لآداء الخدمة العسكريّة ضمن الجندية الفرنسية. ولما تأخرت القرعة، وطال انتظاره بتونس واستنفد كلّ ما أتى به من مال اضطرّ إلى تقديم حفلة بمقهى "زماره" قرب نهج سيدي البشير بحي باب الجزيرة فكانت المفاجأة إذ نجح الحفل ووصلت شهرة الشاب خميس إلى القصر الملكي، فدعي لتقديم حفل ببيت الضابط محمد العيد صهر الملك محمد الناصر باي الذي تدخل لاعفاء الترنان من الخدمة العسكريّة. وفي ذلك التاريخ تعرف إلى الفتاة التي أصبحت فيما بعد شريكة حياته واستقرّ بالعاصمة.

وتأكد الفنان خميس الترنان من أنّ زاده من الفن الشرقي لا يكفي لدخول غمار الاحتراف فاتصل بنادي صديقه عبد الرحمان المهدي وفيه تعرف إلى أبرز الفنانين بربض باب الجزيرة أمثال الهادي قمام ومحمد بن مصطفى وأحمد بلحسين وحفظ معهم جانبا من المألوف (وهو التراث التونسي الذي يرجع إلى أصل أندلسي) وتعلم العود التونسي ثم تعرف إلى الشيخ أحمد الطويلي القيرواني الذي حفظ عنه أوفر نصيب من التراث الموسيقي التونسي. وبذلك أصبح الفنان البارز في البلاد وأصبحت له فرقته الخاصة التي تتركب من أستاذه الشيخ الطويلي بآلة الطار (الدف) والشيخ أحمد بطيخ بآلة الرباب في أثناء النوبة ثمّ آلة الكمنجة بعد ذلك والشيخ محمد الزواوي بالنّقرات كما كان يسهم في أعمال الفرق الأخرى مطربا وعازفا وخاصة منها فرقة المطربة حبيبة مسيكة، التي كانت تتركب من فنانين ليبيين هاجروا إثر الاحتلال الايطالي ومن المغربي حسن بنان المصري الذي استقرّ بتونس من سنة 1908 إلى أن توفي في الستين من عمره.

خميس الترنان صحبة فرقته

وازداد خميس الترنان شهرة وتمكنا من قلوب كلّ التونسيين بفضل الحفلات التي كان يقيمها صباح يومي الأحد والجمعة بمقهى المرابط بسوق الترك بالعاصمة مع فرقته وأصبح يؤمها الفنانون والأدباء من مدرسي الجامعة الزيتونية وأعيان التجار الذين وجدوا فيها المتعة، مع التعلق بالتراث الثقافي التونسي العربي الاسلامي الذي كان مهددا من الحكومة الاستعمارية والكنيسة اللّتين قرّرتا إقامة المؤتمر الافخارستي والاحتفال بمرور خمسين عاما على قيام الحماية الفرنسية. وفي تلك الفترة سافر الترنان مرتين إلى برلين حيث سجل عدّة إسطوانات مع شركة بيضافون، كما سافر إلى مدينة قسنطينة بالجزائر مع عازف الكمنجة الشهير خيلو الصغير وأقام عدة حفلات زادت في دعم العلاقات الفنية بين البلدين الشقيقين. وسافر أيضا إلى مدينة نيس بفرنسا وقدم حفلات بالمطعم الذي كان يديره السيد محمد جمال. وفي سنة 1932 سافر إلى القاهرة ضمن الوفد التونسي إلى المؤتمر الأول للموسيقى العربية بإشراف العلاّمة حسن حسني عبد الوهاب وقدم عدّة حفلات، كما أنجز مجموعة مهمّة من التسجيلات مع زملائه فيها نوبة المالوف والموشحات والأغاني الشعبية مع القصائد والاستخبارات المرتجلة.وحضر خميس الترنان دروس الأستاذ علي الدرويش الموسيقية وتعلم الترقيم الموسيقي. وهذا ما سهل عليه عملية الانتاج فيما بعد. وكان في سنة 1934 من أبرز الشخصيات الفنية التي أسهمت في تنفيذ إحدى توصيات المؤتمر الموسيقي المذكور وذلك بتأسيس أوّل جمعية موسيقية تونسية تعنى بجمع التراث الموسيقي مع إحيائه وبثه لدى الأجيال الصاعدة. وقد انتخبت هيئة إدارية برئاسة شيخ المدينة مصطفى صفر وعين فيها خميس الترنان معلما للتراث إلى آخر حياته. وبمناسبة مرور سنة على تأسيس هذه الجمعية التي سميت "الرشيدية" (نسبة إلى الملك محمد الرشيد باي (1122 - 1173هـ/1710 - 1759م) الذي اعتنى بالأدب والفن وجمع ما أتى به اللاجئون الأندلسيون منه ورتبه وأغناه بالانتاج الجديد المتأثر بالموسيقى التركية) توجهت العناية إلى إنتاج الجديد، وأجريت مباراة في التلحين بين الفنانين المنتمين للجمعية فاز فيها خميس الترنان بالجائزة الأولى بتلحينه أغنية من نظم المرحوم علي الدوعاجي طالعها:

يا لايمي يزيني من صاب عينك عيني

غنتها مطربة الرشيدية الوحيدة آنذاك شافية رشدي في حفل أقيم بالمسرح البلدي بالعاصمة. وبفضل هذه البادرة فتح مجال الانتاج أمام خميس الترنان فلحن أولى أغاني الشيخ أحمد خير الدين (في مقام الماية) : "محال كلمة آه تبري العلة"، كما لحن للشيخ بلحسن بن شعبان أغنية من نوع الفندو (في مقام محير العراق، أي الممتاز). اللي كواتو نار المحبة وجفاه المحبوب حالو ظاهر ما يتخبّى من عقلو مسلوب وللشاعر محمود بورقيبة (في مقام راحة الأرواح) : لو كان تعرف بعدك اللي جرالي لازم تحن وتسخف على حالي وللشيخ محمد العربي الكبادي (في مقام الهزام) :

أم الحسن غنات فوق الشجرة

سامع صداها من العلايل يبرى

وللشاعر الشعبي الحاج عثمان العربي صاحب جريدة "الزهو" (في مقام المحير سيكاه):

حزت البها والسرّ يا مسميّة
الخد وردي والهدب زنجية

وللأديب محمد المرزوقي في (مقام الصبا):

غزال أن نفر بعد الغضب ما ولى
 قلبي عليه حزين ما يتسلى

وللشيخ جلال الدين النقاش في (مقام المزموم)

ياللي بعدك ضيّع فكري
ارجع لي للقلب نضمك

وللشاعر مصطفى خريف (في مقام البياتي شوري).

شرع الحب بيني وبينك
اللي يحكم نرضى بيه
اسمعني وافتح لي عينك
واعرف حقي وافطن ليه

ولحن للهادي العبيدي مجموعة أغان تناول فيها موضوعات غير غرامية مثل:

ما احلاها كلمة في فمي
كي ننادي ونقول يا أمي

(في مقام النهاوند)

شهر الصيام حل
بالبر والعمل

في مقام العجم عشريان

وله عدة أغان أخرى تناول فيها أهم المقامات الموسيقية العربية بأسلوب أصيل جعل كلّ قطعة منها شاهدا من أروع شواهد الفن العربي تفتح لحفاظها مجال الارتجال والتلحين.وتلحين الشيخ الترنان القصائد كان على نوعين: نوع يتماشى مع مدرسة أبي العلاء محمد الذي كان له الفضل في تكوين المطربة أم كلثوم ومنه قصيد شيخ الأدباء محمد العربي الكبادي (في مقام العجم عشيران) قف بالمنازل وانشق طيب رياها اشرح متون صبابتي لليلاها وقصيد الشيخ جلال الدين النقاش (في مقام راحة الأرواح) :

أنوح فتسخر من أدمعي
 وتنصف في الحب إلا معي

أما قصيدة الشيخ الطاهر القصار:

عذل العواذل والهوى فؤادي

قد ضاع صبري بينا ورشادي

فقد طوع فيه أسلوب أبي العلاء للّهجة التونسيّة (في مقام راست الذيل). وطبق أيضا مقام الراست، طبقا للأسلوب العراقي، على القصيدة التي ألفها الأستاذ صالح فرحات بالفرنسية وعنوانها : زهرة النرجس وترجمها إلى العربية محمد السعيد الخلصي وطالعه:

يا زهرة غضّت وضاع أريجها
فقطفتها قرب المياه صباحا

وأما النوع الاخر من تلحين القصائد فقد توخى فيه أسلوبا عصريا تنوعت فيه الأنغام والايقاعات وقد طبقه على قصيدة للشاعر مصطفى آغا (في مقام الماهور المقابل للماجورالغربي) مطلعها:

هجر الحبيب وما درى
من بعد هجره ما جرى

وتناول خميس الترنان تلحين الموشحات بأسلوب أضفى عليه الطابع التونسي من حيث المقامات والايقاعات والتراكيب. ويرجع الفضل إلى الشيخ الترنان في إصلاح أوزان موشحات كثيرة ضاعت إيقاعاتها فأضحت بفضله مستمرة التداول بالأداء والدراسات. وتوج خميس الترنان مسيرته الانتاجية بتلحين أول نوبة تونسية سنة 1957 ألفها الشيخ الطاهر القصار باقتراح من رئيس المعهد الرشيدي الأستاذ مصطفى الكعاك ووصف فيها تونس العاصمة وكان تلحينها في مقام النهاوند. وقد افتتحت بالبيتين الآتيين وسميت نوبة الخضراء :

يا من بأندلس يتيه غراما

ويذوب في روض العريف

هياما دع عنك ذكراها فخضراء الربى

تهب الحياة سعادة وسلاما


وهكذا نرى أنّ حياة شيخ الفنانين خميس الترنان كانت زاخرة بالانجازات: فقد كان له دور المغني الذي جمع في أدائه بين العزف على التُراثيين الشرقي والتونسي والعازف الممتاز الذي برع في استعمال آلات العود الشرقي والعود التونسي على حين أزال البيانو من الفرق التونسية وعوضه بالقانون، وقد أعطى المثل الحسن في فرقته، وكذلك في العزف على الناي وآلات الوزن، كما كان من أبرز الرواة الذين جمعت وزارة الشؤون الثقافية تراثهم. ويرجع إليه الفضل في مراجعة ذلك التراث وإصلاحه.وله دور المعلم بالمعهد الرشيدي والأستاذ بالاذاعة الوطنية والمعهد الوطني للموسيقى، والملحن الأصيل البارع الذي أضيف إنتاجه إلى سجل التراث التونسي كما كان المثل الأعلى في الأخلاق الحميدة والقدوة للكثير من أفراد الأسرة الفنية.

وقد توفّي يوم السبت 26 جمادى الثانية1384هـ/31أكتوبر1964م وأقيمت له جنازة وطنيّة أشرف عليا وزير الشؤون الثقافية. ورثاه الشيخ الطاهر القصار بقصيدة مطلعها:

لبّى النداء خميس الترنان

ولسوف يكرم نزله الرحمان

ببليوغرافيا[عدّل]

  • السقانجي محمد، خميس ترنان: حياته وآثاره، شركة كاهية، تونس، 1982.
  • المهدي صالح، خميس الترنان، السفر السابع، وزارة الثقافة، تونس، 1976.