الحركة النسائية بتونس

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1936 - 1956م]

لم تظهر الحركة النسائية فعلا على أيدي النساء التونسيات إلا في سنة 1936. وهذا لا يعني أن مسألة المرأة ودورها في المجتمع لم يحظيا بالاهتمام باعتبارها عنصرا فعالا في تربية أجيال متمسكة بهويتها مادامت هي ربة البيت المباشرة لتربية الأطفال والسهر على تكوينهم النفسي والأخلاقي. فقد احتلت مسألة المرأة قبل ذلك بكثير حيزا كبيرا من اهتمام المثقفين وروّاد الاصلاح في البلاد التونسية، قبل أن يثيرها في المشرق العربي قاسم أمين (1863 - 1908) وملك حنفي ناصف (1886 - 1918). فمنذ العقد السادس من القرن التاسع عشر أشار أحمد ابن أبي الضياف إلى ضرورة تعليم المرأة تعليما دينيا صحيحا في المراسلة التي تقدّم بها إجابة عن بعض الاستفسارات (حوليات الجامعة التونسية، 1968) وأفرد محمّد بن عثمان السنوسي للمسألة في سنة 1897 كتابا، لم توجد منه إلا نسخته الفرنسية التي ترجمها ابنه محيي الدين السنوسي وعبد القادر القبايلي،كما طالبت جريدة الحاضرة (1888م) بتحرير المرأة. وأيضا تناول الشيخ عبد العزيز الثعالبي هذه القضية في كتابه الفكر التحرري في الإسلام الصادر سنة 1906. وشغلت كذلك قضية تمكين المرأة من حقوقها في التعليم فيما بعد عدّة مثقفين، أمثال محمد بن الخوجة والصادق الزمرلي وحسن حسني عبد الوهاب الذي أصدر في سنة 1917 كتابه المرجع شهيرات تونسيات وسيزار بن عطار اليهودي سنة 1920 وعثمان الكعاك سنة 1924.

ولئن لم ينحز معظم المثقفين إلى هذه الفكرة، فقد تمسكوا كلّهم بضرورة تعليم المرأة حتى تكون سندا لزوجها ولعائلتها في تربية الأولاد تربية متزنة. وتطوّرت هذه المواقف فيما بعد خاصة في سنة 1928 حين طالبت البعض من النسوة، وبالأخص حبيبة منشاري، بخروج المرأة سافرة. ولئن وجدن مساندة من الاشتراكيين الفرنسيين المقيمين آنذاك بتونس ومن أعضاء بعض الحزب الاصلاحي، فإنهنّ لم يجدن معاضدة من بعض الوطنيين، مثل الحبيب بورقيبة رغم أنّه كان متزوّجا بفرنسية وكذلك الشاذلي خير الله، إذ اعتبرا أنّ السفور في تلك المرحلة بالذات لا يسهم في تحرير المرأة ولا يتماشى وعملية المحافظة على الذاتية التونسية والهويّة الوطنية التي تحاول فرنسا الاستعمارية طمسها. وهذا ما جعل كتاب الطاهر الحدّاد امرأتنا في الشريعة والمجتمع الصادر في أكتوبر 1930 يجد معارضة عنيفة، لا من قبل شيوخ جامع الزيتونة فحسب بل وكذلك من معظم مُكوّنات المجتمع المدني الاسلامي، رغم أنّ أفكاره كان قد تداولها عدّة مفكرين من قبله، كما نشر الجزء الكبير من كتابه منذ 1928 في جريدة "الصواب" ولم يجد آنذاك معارضة. ولكن يظهر أنّ السبب الرئيس في تلك الهجمة على الطاهر الحداد في أواخر سنة 1930، هو أنّه أصدر كتابه في ظروف كانت فيها السلط الاستعمارية تشن حملة واسعة النطاق للمسّ من خصوصيات الهوية العربية الاسلامية للبلاد التونسية بتنظيمها المؤتمر الأفخارستي الكاثوليكي والاستعداد للاحتفال بخمسينية الحماية الفرنسية بالبلاد، بعد أن احتفلت بمئوية احتلال الجزائر في جويلية من السنة نفسها. فاعتبر التونسيون أنّ كتاب الطاهر الحداد يندرج في هذا الإطار وأنّ صاحبه بيدقٌ بين أيدي المبشرين والاستعماريين. كلّ هذا لم يمنع المثقفين مثل الهادي العبيدي سنة 1928، من الدعوة إلى تولي النسوة ذاتهنّ تأسيس جمعيات ونواد خاصة بهنّ. فظهرت في سنتي 1931 - 1932 جمعية خيرية اسمها "جمعية النساء المسلمات" أقامت في نهاية فيفري 1932 حفلة لجمع التبرعات في دار الخلصي وقد حضرتها بعض الأميرات وحرم المقيم العام آنذاك وفاطمة القلاتي عقيلة المحامي الاصلاحي حسن القلاتي وحرم علي بوحاجب، المناضل الاشتراكي ونجيبة بن مراد ووسيلة بن عمار، كما نظمت بعض النسوة من الطبقة الراقية حفلا آخر في جويلية 1933 بسيدي بوسعيد بضاحية العاصمة بمناسبة المولد النبوي الشريف، ألقت فيه حرم عثمان الكعاك محاضرة عن السيرة النبوية، مبينة فيها مكانة المرأة في الاسلام. وتدخلت في أثناء الحفل بشيرة بن مراد، ابنة الشيخ محمّد الصالح بن مراد، صاحب كتاب الحداد على امرأة الحدّاد.

وإن ظلت الحركة النسائية في تونس طيلة هذه الفترة في مستوى النقاش والجدل الفكري بين مختلف المثقفين ولم تسهم المرأة في النشاط الاجتماعي الحقيقي إلا بالنزر القليل، فقد بادرت بعضهنّ سنة 1936، مثل السيدة الساحلي وتوحيدة بالشيخ بالاسهام في مجلة ليلي، لصاحبها محمود زروق، وقد كانت في البداية شهرية ثم أصبحت فيما بين ديسمبر 1940 وجويلية 1941 أسبوعية. ولكن أهمّ من ذلك هو تأسيس الاتحاد النسائي الاسلامي التونسي في ماي 1936. ورغم تقدّم هذا الاتحاد الفريد من نوعه آنذاك بطلب للحصول على التأشيرة في سنة 1938، باسم كلّ من بشيرة بن مراد والسيدة القروي ونبيهة بن ميلاد، زوجة الدكتور أحمد بن ميلاد، فإنّه لم يمكن منها إلا في سنة 1951. ورغم ذلك، فقد عمل على تحقيق الأهداف التي تأسس من أجلها. وهي أساسا توجيه البنت نحو التعليم، على أن يكون ذلك في دائرة الأخلاق الاسلامية وبث الثقافة الاسلامية في الوسط النسائي. انبعث هذا الاتحاد من وسط زيتوني، على عكس ما كان يُتصوّر من أنّ هذا الوسط رجعي ومناهض لحرية المرأة. ذلك لأنّ الاتحاد النسائي الاسلامي التونسي وجد تشجيعا من الشيخ ابن مراد. فمكنهنّ من ركن مستديم في مجلته شمس الاسلام لتمكينهنّ من نشر أفكارهنّ، خاصة أنّ من أعضاء هذا الاتحاد بناته الثلاث بشيرة وحميدة ونجيبة، إضافة إلى سارة بن الخوجة، كريمة الحاج علي بن الخوجة، المدرس بالجامع الأعظم وتوحيدة بالشيخ، أول طبيبة تونسية وبدْرة بن مصطفى القروي ونعيمة بن صالح وجليلة بن حميدة مزالي ومنجية بن عز الدين. ثمّ التحقت بهنّ فيما بعد كلّ من وسيلة بن عمّار وراضية الحدّاد وبختة الصدّام و سعاد بورقيبة. والملاحظ أنّه أسندت الرئاسة الشرفية للأميرة عائشة. وهو ما جعل الأمين باي يوسّم في جوان 1950 رئيسة الاتحاد بشيرة بن مراد.

مساهمة المرأة التونسية في مقاومة الاستعمار

إن أهمّ ما قام به هذا الاتحاد، رغم عدم حصوله على التأشيرة القانونية إلا في سنة1951، هو تنظيم الحفلات الخيرية لفائدة المعوزين ولفائدة عدّة مشروعات مثل جمعية طلبة شمال إفريقيا والحركة الكشفية ولمساندة القضية الفلسطينية. وفتح الاتحاد الكثير من الفروع بالمدن الداخلية، خاصة بالكاف وسوسة والقيروان وتطاوين ونابل، إضافة إلى فروع ضواحي العاصمة. واهتمّ أيضا بالحركة الكشفية والعروض المسرحية والحفلات الموسيقية، مؤكدا ضرورة تعليم المرأة حتى تكون زوجة وأمّا صالحة. ورغم ذلك، فإنّ هذا لم يمنع المرأة التونسية من المشاركة مع الرجل في المظاهرات التي نظمت قبل أحداث 9 أفريل 1938 حاملات اللافتات المطالبة بدستور تونسي وبرلمان تونسي. وما تجدر الاشارة إليه هو أنّ تأسيس هذا الاتحاد الاسلامي التونسي رغم طابعه الزيتوني، كان بالتنسيق مع شباب الحزب الدستوري الجديد، إذ حرّر قانونه الأساس الرشيد إدريس. وقد أكدت بشيرة بن مراد أنها كانت في ذلك الوقت على اتصال دائم مع عدّة دستوريين من الحزب الدستوري الجديد منهم جلولي فارس والمنجي سليم والباهي الأدغم وأحمد بن ميلاد وصلاح الدين بوشوشة والمنجي بالي ومحمد بالحسين والصادق المقدم والشاذلي القليبي والهادي نويرة، موضّحة أنّ الحبيب بورقيبة كان دوما يزور فرع الاتحاد بحمام الأنف.

ولم يبق هذا الاتحاد بعد ذلك بمفرده على الساحة الاجتماعية. بل ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية تشكيلتان أخريان هما الفرع النسائي لجمعية الشبان المسلمين ونادي الفتاة الاسلامية. لقد كانت الغاية من إنشاء الأولى مقاومة انتشار الفساد الأخلاقي الناتج عن الحرب، في أواخر 1944. وفي مستهل سنة 1945، انعقد اجتماع تأسيسي في ضاحية أريانة انبثقت عنه هيئة للفرع النسائي لجمعية الشبان المسلمين برئاسة سعاد ختاش، عقيلة الشيخ محمد الصالح النيفر وعضوية كلّ من الحاجة درّة بن الخوجة، حرم محمّد بن عبد القادر وشريفة البناني وزهرة بوحاجب وزينب ميلادي وليلى حجوج وشريفة بن عثمان وزينب الجزيري المملوك وسارة بالقاضي. ولم يختلف برنامج هذا الفرع عن برنامج الاتحاد سوى إلحاحه على الجانب الأخلاقي، مركزا نشاطه على تعليم البنت، فقدم دروسا للأميات وبنى مدرسة للبنت المسلمة سنة 1947 بنهج السراجين وأنشأ روضة للبنت المسلمة في المرسى وأخرى بحمام الأنف ودارا للرضّع وفرعا للمحافظة على القرآن الكريم وهو ما جعله يجد مساندة من الوسط الزيتوني بالأخص. أمّا نادي الفتاة التونسية، فهو أيضا فرع للعمل الزيتوني. وإن تأسس هذا النادي في أكتوبر سنة 1954, فقد نشرت بعض أعضائه مقالات حول قضية المرأة في جريدة "صوت الطالب الزيتوني" منذ سنة 1950. وتألفت هيئة هذا النادي، المنادي بضرورة "تكوين فتيات قادرات على العمل لصالح الدين والوطن" من توحيدة فرحات وصفية علي وزينب الورتاني وفاطمة بن علي وحسناء التارزي ووديعة الأسود وحياة الخميري. وبعث نادي الفتاة التونسية مجلة عنوانها الالهام في مارس 1955 أدارتها وترأست تحريرها الانسة فاطمة بن علي، اتسمت بتوجهها الزيتوني لكنها أشادت بروّاد تحرير المرأة، مثل قاسم أمين والطاهر الحداد. وإن تغافلت هذه المجلة في الأول عن دور الحركة النسائية في الثلاثينات، إلا أنها في جانفي 1956 عادت للثناء على بشيرة بن مراد التي اعتبرتها زعيمة الحركة النسائية في تونس. ولئن ظلّ الدستوريون الجدد في موقف المساند المتفرج لهذه الحركة، فقد حاول الحزب الشيوعي التونسي من جهته، على غرار ما قام به في الوسط العمالي، بعث اتحاد نساء القطر التونسي إبان الحرب العالمية الثانية أسهمت فيه ثماني عشرة تونسية منهنّ نبيهة بن ميلاد، رغم أنها كانت في سنة 1936 من مؤسسات الاتحاد النسائي الاسلامي التونسي وحفيظة دراج وشريفة سعداوي وزهرة بن سليمان وصوفية زويتن ونائلة جراد وفاطمة بن إبراهيم وفاطمة بن رمضان والسيدة جراد. كانت معظم المنخرطات من النساء الفرنسيات، ومنهن شارلوت جولان واليهوديات، مثل قلاديس عدّة ومارسال عتال. وأصدر هذا الاتحاد بين مارس 1945 وجوان 1946 مجلة شهرية عنوانها نساء تونسيات باللغة الفرنسية، عبرت فيها أكثر فأكثر عن مطالب الحزب الشيوعي.

لقد حاولت المرأة التونسية منذ الثلاثينات الاسهام في العمل السياسي. فقد شاركت في المظاهرات التي سبقت أحداث 9 أفريل 1938 بحمل اللافتات المطالبة ببرلمان تونسي وبحكومة مستقلة. وشاركت أيضا أربع فتيات هنّ زكية وجميلة الفوراتي وسعيدة وشاذلية بوزقرّو في مظاهرة عند استقبال المقيم العام الجديد إيرك لابون يوم 22 نوفمبر 1938 مطالبات بإطلاق سراح المعتقلين، هاتفات باسم الباي والدستور وبورقيبة. فحوكمن في 28 ديسمبر 1938. لكن المحكمة برأت ساحتهن. قبض في أثناء زيارة رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد دلاديي في جانفي 1939 على اثنتي عشرة امرأة بباب سعدون بتهمة التشويش في الطريق العام. وصدرت ضدهن أحكام تتراوح بين الشهر ونصف الشهر. وشاركت النساء أيضا في أحداث 1952 في لجان تقصي الحقائق إثر مجزرة تازركة على حين قامت النساء الريفيات بمعاضدة المقاومين المسلحين زالفلاقةس في الجبال بتوفير المؤن لهم في أثناء الكفاح المسلح فيما بين سنتي 1952 و1954.لم تكن المرأة التونسية بمعزل عن العمل السياسي. وهذا ما جعلها إثر حصول البلاد على الحكم الذاتي في جوان 1955 تبادر بالمطالبة بحقها السياسي. فالتأم في ديسمبر 1955 اجتماع نسائي ضمّ حوالي 300 امرأة، شكلن وفدا لتسليم عريضة يوم 16 ديسمبر 1956 للوزير الأكبر الطاهر بن عمّار ونائب وزير الداخلية أحمد المستيري مطالبات بحقوقهنّ المدنية والسياسية بالتساوي مع حقوق الرجل وبتمكينهنّ من الحقوق الكاملة في الانتخابات بكلّ أصنافها من تصويت وترشح وبإسناد وزارة إلى امرأة وإحداث مجلس قومي أعلى للمرأة، متجاوزات بذلك المرجعية الإسلامية. مركزات الاهتمام على الحقوق السياسية، بحكم أنّ البلاد استرجعت سيادتها. وهذا ما ساعد السياسيين على إصدار مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت1956، وفي جمع كلّ الحركات النسائية في صلب الاتحاد القومي النسائي التونسي.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • Bekalti S, La femme tunisienne du temps de la colinisation 1881-1956,Paris,L’Hrmattan,1996