الأغنية التونسية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

يمكن أن تكون الأغنية التونسية موشّحا مثل: "كللي يا سحب" لابن سناء الملك الذي اشترك في تلحينه الشيخان رشيد بن جعفر وخميس الترنان في مقام "راست الذيل"، أو "قاضي العشق قد كواه الصدود"، مجهول المؤلف، ومن تلحين الشيخ أحمد الوافي في مقام الاصبعين المقابل للحجاز. ويمكن أن تكون زجلا مثل: "دير المدام في الكاس" في مقام رمل المايه لابن السراج" أو "آه على ما فات" الذي يقال إنه آخر ما تغنى به الأندلسيون عند نزوحهم من غرناطة وهو في مقام راست الذيل. ومن خصائص الموشّحات والأزجال في التراث التونسي أنها لحنت جميع مقاطعها في تنويع مقامي بديع مع الرّجوع إلى المقام الأصلي في الأقفال، على خلاف الموشّحات الأندلسيّة والشرقيّة التي لم يلحّن منها سوى مقطع واحد.هذا فيما يخصّ الأغاني التقليديّة الكلاسيكيّة، أمّا الأغاني الشعبية فإنّها أنواع:

1) النوع الأوّل هو ما كانت جميع مقاطعه أو أبياته على لحن موحّد مثل: "بالله وادعوني يا لبنات" في مقام المحير سيكاه الذي يقرب من العشاق المصري، و"نا وجمالي فريدة" في مقام العرضاوي (عقد خماسي من الراست) ، "وياما اقواني" (بين النهاوند والنواثر). ونظرا إلى ما يحدثه عدم تنويع اللحن من رتابة فقد عمدت إلى إضافة جملة لحنية لكلّ منها في الأربعينات اندمجت فيها وأصبح الكثيرون يعتقدون أنها منها.

2) النوع الثاني بدأ فيه شيء من التطوّر وذلك بتغيير جزئي في بداية الأبيات عمّا هو عليه في المذهب، سواء في البداية مثلما هو الشأن في أغنيتي "بالله يا أحمد يا خويا" أو "ساق نجعك ساق" في مقام المزموم، أو في آخر البيت في أغنية "في الغربة فنالي عمري راح" (في مقام المحيّر سيكاه).

3) النوع الثالث من أغانينا الشعبية هو الذي تتغيّر أبياته عن لحن المذهب مثل أغنية:"عرضوني زوز صبايا" (في مقام المزموم) وأغنية "شرق غدا بالزين"، في مقام راست الذيل، وقد لحنت أبياتها في عقد من مقام المحيّر عراق (أو راست) على النوى وهو من أجزاء سلّم مقام راست الذيل.

4) النّوع الرّابع هو الذي يقوم على التّنويع بالرّبط بين أغنيتين شعبيتين مثل قطعة: "بخنوق بنت المحاميد عيشة" في عقد العرضاوي التي أقحمت فيها أغنية أخرى عنوانها "يا مسلمين الله طيعوا الأسمر" والمقصود هو الولي الصالح سيدي عبد السلام بن سليم، وكأنها تتغنّى بقبيلة المحاميد الموزعة بين حدود تونس وليبيا.

5) النّوع الخامس أطلق عليه اسم الفوندو قياسيا على اسم أرفع أنواع "الألمظ" حيث ارتفع مستوى تلحينه عن جميع أصناف الأغاني الشعبية، مثل قطعة: "يا خيل سالم باش روحتولي" في مقام رمل الماية. وقد استعمل فيها ديوان ونصف من المقام وهي مطعمة بأغنية أخرى: "فاقت محاسن غزالي"، وقطعة "يا شوشانه آش خبرت للاك على ملقانا" التي شمل تلحينها مقامي الحسين والاصبعين. وهذا الخلط موجود في التراث الجزائري ويسمى "المجنبه". ومن أغاني الفوندو قطعة "العين تنحب من فراق غزالي" ينسب تأليفها للأديب "الباجي المسعودي" في القرن الماضي. وهي في الأصل لملحن مجهول ولها طابع خاص حيث تتركّب من أبيات ملحنة في مقام راست الذيل و"عروبيات" مرتجلة الغناء نسبيا على غرار "المُجانه" الشامية ولكنها تتميز بتنويع الارتجالات على عدّة مقامات هي: راست الذيل والمحير عراق والمحير سيكاه والعرضاوي والمزموم.

ومن أغاني الفوندو أيضا القطعة التي عنوانها "نميت نم المخاليل عديت الأيام طالو" في مقام راست الذيل وهي في مستوى تلحينها أرفع بكثير من عدّة موشحات ينطوي عليها التراث التونسي والأندلسي.

وإذا نظرنا إلى هذه الأغاني مجتمعة نستطيع القول إن الأغنية التونسية هي التي تكون لغتها العربيةَ الفصحى أو العامية التونسية (ريفية أو حضرية) مع ارتكاز تلحينها على مقامات وإيقاعات تونسية أصيلة.

وابتداء من عشرينات القرن الماضي دخلت البلادَ التونسية الأغاني الليبية مع الفنانين الليبيين اللاجئين من الاحتلال الايطالي ودخلت إثرها إسطوانات الأغاني الشرقية والمصرية منها بالخصوص، وتأسّست فرق تغنّي أدوار محمّد عثمان وعبده الحمولي ومواويل عبد الحي حلمي وقصائد المنيلاوي وسلامه حجازي وأبي العلاء محمد وأدوار وطقاطيق السيد الدرويش. ومع افتتاح سوق الاسطوانات في الثلاثينات برزت عدّة أغان شعبية بصوت "ايسيرن العفريت" الذي سماه الفنان المتعهد الجزائري محيي الدين باش تارزي، "الشيخ العفريت" لتسهيل بيع إسطواناته بالجزائر، كما أنتج بعض الفنانين اليهود التونسيين عددا من الأغاني كانت في مجملها ضعيفة التأليف والتلحين. وهذا ما دعا ثلة من المثقفين التونسيين يتقدمهم شيخ المدينة آنذاك مصطفى صفر إلى تأسيس جمعية سنة 1934 للمحافظة على الفنّ التونسي أسموها "الرشيدية" نسبة إلى الملك محمد الرشيد باي الذي كان أديبا وفنّانا ويرجع إليه الفضل في جمع التراث التونسي والأندلسي وإغنائه بتأليف مجموعة من البشارف والسماعيات والموشحات التونسية في أواسط القرن الثامن عشر.

وقد كان من أوّل شواغل هذه الجمعيّة جمع التّراث الغنائي التقليدي والشّعبي وتقديمه للجمهور ثم العناية بإنتاج مجموعة من الأغاني والقصائد في مستوى أدبي وفني راق. وبُعثت لذلك لجنة أدبيّة ضمّت خيرة أدباء تونس برئاسة شيخ الأدباء محمد العربي الكبادي ولجنة فنية برئاسة الشيخ محمد الأصرم الذي خلفه فيما بعد الشيخ خميس الترنان.

وراجعت هاتان اللّجنتان المالوف أي الغناء التّونسي الأندلسي ثم فَسَحَت المجال للانتاج الجديد على المقامات والايقاعات التونسية.ونظّمت مباراة في تلحين أوّل أغنية ألفها علي الدوعاجي عنوانها "يالايمي يزيني... من صاب عينك عيني" لحنها الشيخ الترنان وقد تميزت في غنائها الفنّانة "شافية رشدي" التي كانت المطربة الوحيدة للجمعية الرشيدية. فكانت هذه الأغنية الملحّنة سنة 1934 في مقام السيكاه مع قفلة راست على نمط أغنية "غني لي شويه" التي لحنها فيما بعد الشيخ زكرياء أحمد لأم كلثوم. وبذلك فتح باب الانتاج على مصراعيه وقد كان مرتكزا على الهواية إذ لم يكن المؤلف ولا الملحن يتقاضيان أي مقابل... واشترك الملحنان خميّس الترنان ومحمد التريكي في إنتاج عدد مهمّ من القصائد وشاركهم الشاذلي مفتاح وقدور الصرارفي وصالح المهدي في إنتاج المعزوفات على الأنماط التقليدية كما شاركهم الملحنون الهادي الجويني والحبيب العامري ومحمد النابلي في تلحين الأغاني. وانفرد الترنان بتلحين نوبة الخضراء في مقام النهاوند، والمهدي بتلحين نوبات العجم عشيران والزنكولاه ومحير العراق ومحير السيكاه. واجتهد محمد التريكي وخميس الترنان سنة 1935 في تطوير الأغنية فجعلا أبياتها تتنوّع في التلحين وفي المقامات. وقد برز ذلك في أغنية الترنان "اللي كواتو نار محبه" من تأليف بلحسن بن شعبان وهي على وزن البطايحي المستعمل في المالوف (الغناء التقليدي). وقد تناول الملحّنون في أغانيهم بالرّشيديّة أغلب المقامات التّونسية والشّرقية بطرق جديرة بالاستحسان كانت أساسا لدراسة تلك المقامات باعتبارها من أبرز شواهدها.إ وفي سنة 1938 بعثت الاذاعة التونسيّة رسميا وقد أرغم مدير قسمها العربي الأستاذ عثمان الكعاك ومديرها الفني الأستاذ مصطفى بوشوشة الفنّانين الرّاغبين في المشاركة في الإذاعة على الانتاج الجديد أو تقديم التّراث الشّعبي والتّقليدي. فكانت المطربة فضيلة خيتمي تلحّن لنفسها من تأليف الشاعر أحمد خير الدين. وبرز المطرب علي الرياحي بإنتاجه بعد أن كان يقلّد المطربة المصرية منيرة المهدية.وظهر من الفنّانين الشّعبيين محمد النوري والمحجوب شقرون كما ظهر الصادق ثريا بأغانيه، ويوسف التميمي بأغاني إسماعيل الفرجاني، وبرزت فتحية خيري بإنتاج السّيد شطا، وحسيبة رشدي بإنتاج محمد التريكي، وتربعت شافية رشدي على عرش الرشيدية. وكان محمد الجموسي يأتي من حين إلى آخر من باريس حيث كان يقيم حفلات بأغان من تأليفه وتلحينه، كما برز الهادي الجويني بأغان على نمط الفلامنكو.

وفي سنة 1944 تولّى نور الدين بن محمود إدارة القسم العربي للاذاعة فنظّم مباراة في إنتاج أغان تتناول النّهوض بالصّناعات التّقليديّة اشترك فيها أبرز المؤلفين والملحنين. وقد ألّف آنذاك (خارج المباراة) المناضل الشاعر العيد الجباري القطعة الموالية: بالصنعة الأمة تتقدّم وتنال المقصود العالي واللي ما يعرفش آش يخدم جيبه ديمه يبقى خالي، فكانت أول أغنية لُحّنت في هذا الباب.واستمرّ الانتاج في الاذاعة ليبثّ مباشرة أسبوعيا من مختلف الفرق، إضافة إلى الانتاج السنوي الذي يقع التدرّب عليه أثناء شهري رجب وشعبان ليقدمه الفنانون في حفلات شهر رمضان المعظم. وفيه ينتظم أهمّ مهرجان موسيقي تقدّم فيه عروض يومية بأبرز القاعات تضمن التمكّن الفني الممتاز وتجاوب الجمهور مع الأغاني الجديدة التي تبثّ إذاعيا وتسجل على اسطوانات فيما بعد.

واستمرّ الحال إلى أن أسّست أوّل فرقة للاذاعة سنة 1946 فكان دورها بارزا في النّهوض بالأغنية. وبرزت في هذه الفترة حينئذ المطربة صفيّة التي أتت من الشام بأغان تشيد بالتّقارب الفنّي التونسي الشّامي مثل أغنية قدور الصّرارفي (يا سمره وحلوه... يا لون القهوة) وأغنيتنا (ياللي انت روح الروح) من تأليف محمود بورقيبة.

وفي بداية الخمسينات أسّست الفرقة الموسيقية لمدينة تونس وبرز فيها أشهر المطربين والمطربات بأغان جديدة في مقامات تونسية وشرقية وكان تركيز الاهتمام فيها بالخصوص على القصائد والأغاني التي تعتمد التنوّع المقامي، وآشتهرت المطربة علية التي سرعان ما احتلت مكانة مرموقة في الفنّ. ومن الأحداث البارزة في الحقل الغنائي ما بادر به الأستاذ الشاذلي القليبي بوصفه مديرا للاذاعة بعد الاستقلال من إقامة مباراة لانتاج أغان تكون كلماتها ومقاماتها وإيقاعاتها تونسية أصيلة، أعطيت اسم مهرجان صليحة التي اشتهرت بهذا النوع من الغناء. وفاز في المباراة الأولى الشيخ خميس الترنان بأغنية "ليعتني بشد الهوى يا دوجه" في مقام العراق التونسي المقابل للأصبهان المغربي الذي لم يتناوله غيره من الملحنين قبله. وفاز في المباراة الثانية الفنّان الشاذلي أنور ثم توقّف هذا المهرجان ليحلّ محلّه مهرجان الأغنية في الثّمانينات.