تونس من انتشار الاسلام إلى انهيار الدولة الحفصية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

من الفتح إلى عهد الولاة[عدّل]

بدأت غزوات المسلمين لافريقية منذ سنة 27هـ/647م لكن أزمة الخلافة التي حصلت بعد نشوب الفتنة الكبرى أخرت موعد التمركز النهائي الذي لم يحصل قبل سنة 50هـ/670م عندما أسس عقبة بن نافع القيروان لتصبح نقطة إشعاع للاسلام وقاعدة عسكريّة، وهو اختيار يعدّ من الناحية الاستراتيجيّة في غاية الحكمة.فالقيروان على بعد يوم من البحر مجال سيطرة الأسطول البيزنطي وعلى بُعد يوم أيضا من الجبال موطن تحصّن القبائل البربرية. فمن الناحية العسكريّة تعدّ سهول القيروان خطّ الحدود بعد تراجع الجيش البيزنطي إثر هزيمة سبيطلة سنة 27هـ/647م التي سمحت للفرسان العرب بالانتشار دون صعوبة. ومع ذلك قاومت قبائل البربر بقيادة كسيلة 681م وتحت راية الكاهنة 695م المسلمين مدعومة بصعوبة التضاريس وتغلغل الدين المسيحي. على أن العرب قاموا بدور أساسي وغير مقدّر في الحروب التي خاضها المسلمون. وقد تمكن هؤلاء بعد حروب كثيرة ومقاومة طويلة، من الاستيلاء على قرطاج سنة695 م والهيمنة على إفريقية في بداية القرن الثامن. ويُعتبر حسان بن النعمان الغساني المهندس الحقيقي لهذا الانتشار. ومع قدوم موسى بن نصير الوالي الأموي الجديد لافريقية كانت هذه الأخيرة قد خرجت من مرحلة الفتح لتدخل طور التنظيم والتغيير تحت نظر الولاّة.

بعد انتهاء الانتشار الذي قاده موسى بن نصير جُهزت الولاية بجيش تركب في البداية من عساكر عربيّة قبل أن تسنده شيئا فشيئا العناصر البربريّة. فبالرغم من خروجها عن سلطة مصر بقيت إفريقيّة تدفع للسلطة المركزيّة إسهاما مهما زيادة عن تمويلها للشرق بالجيوش والرقيق. أما النظام الإداري فقد تطوّر بإنشاء الدواوين المختلفة، كديوان الجند والخراج والرسائل وتعيين العمّال لنيابة السلطة في الجهات. ففي هذا القرن يمكن الاشارة إلى فترتين، تميزت الأولى بالتنظيم الداخلي للبلاد ومواصلة التوسع بينما عاينت الثانية عودة التوتّر من جديد. فقد اندلعت في الحقبة الممتدة بين سنتي 122 هـ/740م و155هـ/772م انتفاضات صفرية وإباضية متتالية، حاولت السيطرة على مدينة القيروان ولم يستقر الوضع إلا مع تولي يزيد بن حاتم المهلّبي ولاية إفريقية. بعد نهاية الاضطرابات المتتالية تحسّن الاقتصاد الافريقي تحسّنا نسبيا وشكّلت الأنشطة الزراعية عمودها الفقري رغم الخسارة التي لحقت زياتينها من جرّاء سياسة الأرض المحروقة التي تعمّدتها الكاهنة. أمّا إنشاء دار الصناعة برادس من قبل حسّان بن النعمان لغاية بناء أسس انتشار إفريقي عبر البحر، فقد أسهم في إنعاش التجارة التي أصبحت منذ ذلك الحين النشاط الأكثر ازدهارا في البلاد جاعلة من القيروان وتونس مركزين كبيرين للمبادلات التجارية. في هذه الفترة ظهرت الأسواق وترتبت فتكثّفت تجارة القوافل مع المشرق وعاينت ازدهارا هائلا. فتمكنت إفريقية من أسباب النهضة لتؤدّي دورا مهما في تاريخ الغرب الاسلامي.

الإمارة الأغلبية[عدّل]

تفطّن الخلفاء العباسيون إلى أن هذا البلد النائي يحتاج إلى سلطة مركزيّة قويّة، فعيّن الخليفة هارون الرشيد إبراهيم بن الأغلب أميرا مقابل دفع إتاوة تقدّر بأربعين ألف دينار. وبعد فترة انتفاضات الجند الخاضعين للأرستقراطيّة العربيّة المتشبثة بامتيازاتها شرع الأغالبة في التوسع بصقلية سنة 212هـ/827م وواصلوا هجومهم على جنوب إيطاليا. وكان احتلال سرقسطة عاصمة صقلية سنة 878م أكبر دليل على هيمنة الأغالبة على المتوسط الغربي. ثم شرع الأغالبة في بناء خطّ تحصين مكوّن من رباطات متّجهة نحو البحر للتصدي لأي احتلال. كما وفّر الأغالبة مناخا اجتماعيا وسياسيا سليما وبنية تحتيّة متينة مهّدت لبروز حضارة القيروان. فعرفت إفريقيّة آنذاك ازدهارا اقتصاديّا حقيقيا دام طويلا خاصة في عهد أبي الغرانيق 864 - 875م. وتكاثرت حول القيروان القرى الزراعية التي كانت توفّر للحاضرة مختلف حاجياتها. أما مناطق الوسط والجنوب التي أصبحت اليوم شبه صحراويّة، فقد كانت آنذاك مناطق خضراء خاصة قمودة والقصرين. أما منطقة الساحل فكانت تغطيها الزياتين وتحتوي على العديد من معاصر لزيت الزيتون الذي كان يصدّر إلى أسواقه التقليديّة في مصر والمدن الايطالية. بهذا أصبحت إفريقية مركز توزيع للتجارة الثلاثيّة التي تربط المتوسط بالمشرق وجنوب الصحراء. لم تؤثر الحروب في هذا النشاط بل أنعشته بتوفيرها للرقيق. ومن جهة أخرى احتلت صناعة النسيج المرتبة الأولى في إفريقيّة الأغلبيّة واعتبرت زربيّة القيروان منذ ذلك العهد من البضائع الثمينة والمشهورة، حتى إنها كانت تصاحب الاتاوة التي كانت ترسل إلى دار الخلافة.

أما الحياة الفكريّة فلم تكن أقلّ أهمية إذ أصبحت القيروان من ألمع مراكز الثقافة الإسلاميّة ومنها انتشر المذهب المالكي إلى كافة أنحاء الغرب الاسلامي بفضل واحد من كبار علماء الاسلام هو سحنون بن سعيد (160 - 240هـ/776 - 854م) الذي رسّخ المذهب المالكي. في هذا الإطار ارتفعت القيروان إلى مستوى عواصم الشرق الفكريّة الأخرى لتصبح بدورها مركزا فكريا لتعليم العلوم الدينيّة ونشرها ومحطة مهمّة في طريق الرحلة لطلب العلم، وهو ما جعلها محط وفود العلماء من المغربين الأوسط والأقصى والأندلس. هذا النشاط الاقتصادي والفكري كان يشهد عليه تطوّر الحياة المدنيّة التي عرفتها إفريقيّة في ذلك العهد حتّى إن منطقة قفصة كانت تعدّ قرابة المائتي قصر، على حين كانت القرى في الساحل متّصلة فيما بينها. وعرف الأغالبة بالبناء كتشييدهم مدينتي العباسيّة 85هـ/801م ورقادة 263هـ/876م.

الفاطميون[عدّل]

تزامن أوج الخلافة الفاطمية وخلافة المعزّ لدين الله الفاطمي الذي قاد سياسة توسّعية جريئة. فقد عرقلت سيطرته على بلاد البربر امتداد الأمويين بالأندلس.وعرفت خلافته صيتا واسعا. كما تواصل النمو الاقتصادي الذي انطلق في عهد الأغالبة، فكانت خلافة المعز مُتميّزة وعهده عهد سلم وازدهار اقتصادي. أصبحت المهدية إلى جانب المنصوريّة أكبر مركز حضري وتجاري. وتجلّى الفنّ الفاطميّ الذي ازدهر في مصر وقبل ذلك في إفريقيّة داخل قصور المنصورية في فخامة العمارة ونفاسة الآثار الفنيّة وبذخ الاحتفالات بالأعياد الدينيّة. غير أن رغبة الفاطميين في السيطرة على العالم الإسلامي بإسقاط العباسييّن أدّت بهم بعد غزو مصر إلى تغيير مركز الخلافة والانتقال من صبرة المنصورية إلى القاهرة لأسباب إستراتيجية، عاهدين بسلطانهم على بلاد المغرب إلى الأمير الزيري بولكين بن زيري سنة972 م.

الإمارة الزيريّة (الصنهاجيّة)[عدّل]

تعدّ الفترة الزيريّة قمّة حضارة إفريقيّة، فقد تطوّرت خلالها الأنشطة الصناعية وكانت قابس وسوسة وصفاقس والمهديّة والقيروان تنسج الزرابي والأقمشة من القطن والحرير وتصدّر إلى مصر وبلاد المغرب. كما عرفت صناعة الخزف والفخار نموّا مهمّا لصادراتها نحو إيطاليا. أما بالقيروان فقد راجت سوق الكتب التي نفقت باتجاه مصر والأندلس كما أن جامع القيروان كان يحوي عدة مخطوطات قديمة نادرة من بينها مصاحف زرقاء بديعة. وعرفت آنذاك عدّة مدن ازدهارا فكريا وصارت إفريقيّة أكبر مركز للمالكية. وكانت القيروان تفتخر بوجود مدرسة للشعر والنقد الأدبي نشّطها أدباء وعلماء نابغون كابن شرف وابن رشيق و إبراهيم الحصري القيرواني. لكن الحروب أضعفت الدولة الزيريّة التي أعرضت عن التشيّع وفضّلت الالتحاق بالسنة لتوسيع قاعدتها الشعبية. وعندما أدرك الفاطميون أن المغرب على وشك الافلات من حوزتهم أرسلوا قبائل بني هلال سنة1051م. وتظافر هذا الزحف الهلالي مع الغزو النورماني.

الدّولة الحفصيّة[عدّل]

في سنة 538هـ/1143م تمكّن النرمان من الاستيلاء على أهمّ مواني إفريقيّة. لكن مدّة سيطرتهم كانت قصيرة ففي سنة 555هـ/1160م توصّل القائد الموحدي عبد المؤمن بن علي إلى ضمّ بلاد المغرب كلها. لكن سرعان ما تفكّكت وحدة الدولة ونجم عن ذلك استقلال والي الموحدين على إفريقية أبي زكرياء يحيى الحفصي 1228 - 1249م عن الخليفة الموحّدي، مؤسسا دولة الحفصيين التي امتد سلطانها بين 1230 - 1574م. فاختارت الدولة الجديدة نقل عاصمتها إلى تونس مما دفع بالبلاد نحو ازدهار نسبي. واعتبر الحفصيّون أنفسهم ورثاء الموحدين، فلقّب السلطان الحفصي المستنصر (1249 - 1277م) نفسه بأمير المؤمنين مُحرزا بذلك اعتراف شريف مكة. وفي عهده حاصر القدّيس لويس ملك فرنسا مدينة تونس سنة1270م وبعد وفاته بالوباء تحصّل شقيقه شارل دانجو من الحفصيين على إتاوة مهمة سرعان ما عوّضتها الأرباح المستخلصة من التجارة مع المسيحيّين.

أنموذج من جمالية المعمار الإسلامي التونسي/جامع صاحب الطابع

امتازت الحياة الثقافية في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي بازدهار واسع فظهرت مصنّفات ابن خلدون، كما انتشر المذهب المالكي بشكل غير مسبوق بفضل الدور الذي قام به الامام ابن عرفة وبقية شيوخ جامع الزيتونة وأشعّ على كامل بلاد المغرب. ولا ينفصل تاريخ الدولة الحفصيّة عن تاريخ تطوّر ظاهرة الأولياء في إفريقيّة والتي أصبحت بفضل تحمّس العامة ظاهرة اجتماعيّة وفرت للمجتمع المغاربي زمن الانحطاط والتسرّب الأوروبي حلولا عمليّة استغلتها السلطة السياسية لتمرير توجهاتها السياسية واختياراتها الاجتماعية والاقتصادية. بعد فترة من الاضطرابات استغرقت قرابة القرن نهضت الدولة الحفصية نسبيا في بداية القرن الخامس عشر وذلك في عهد أبي فارس 1394 - 1439م الذي استولى على تلمسان سنة1410م وأصبح واحدا من أقوى ملوك بلاد المغرب. ولكن في أواخر القرن الخامس عشر عاينت تلك الانتعاشة ضمورا ملحوظا أدى إلى تراجع الدولة الحفصية تراجعا خطيرا قبل أن تنهار بشكل كامل خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • إدريس هادي روجينه، الدولة الصنهاجية:تاريخ إفريقية في عهد بني زيري،جزآن،تعريب حمادي الساحلي،دار الغرب الإسلامي،بيروت،1988.
  • إدريس عماد الدين الداعي،تاريخ الخلفاء الفاطميين بالمغرب(قسم من كتاب عيون الأخبار)

نشر محمد اليعلاوي،دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985.

  • إسماعيل محمود، الأغالبة وسياستهم الخارجية، ط2، فاس، 1978.
  • بلخوجة محمد الحبيب، "الحياة الثقافية بإفريقية صدر الدولة الحفصية"،النشرة العلمية للكلية الزيتونية،عدد4، 1976،ص ص29-80.
  • بويحي الشاذلي، الحياة الأدبية بإفريقية في عهد بني زيري،تونس، 1972، ترجمة المنجي الصيادي، دار سحنون،1990.
  • الثعالبي عبد العزيز، تاريخ شمال إفريقيا من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الأغلبية، جمع وتحقيق أحمد بن ميلاد ومحمد إدريس، تقديم ومراجعة حمادي الساحلي،دار الغرب الإسلامي، بيروت،دت.
  • جعيط هشام، تأسيس الغرب الإسلامي،دار الطليعة، بيروت، 2005.
  • حسن محمد، المدينة والبادية بإفريقية في العهد الحفصي، جامعة تونس، كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية، جزءان،1999 .

"فروع جديدة في شجرة أنساب الحفصيين"،'الكراسات التونسية'، المجلدXXX العدد 121-122، الأشهر الثالثة والرابعة،من سنة 1982،ص ص94-134.

  • الدواداري، أبو بكر بن عبد الله بن أيبك،الدرة المضيئة في أخبار الدولة الفاطمية، تحقيق صلاح الدين المنجد،القاهرة،1961.
  • الدولاتلي عبد العزيز، صقلية:علاقاتها بدول البحر الأبيض المتوسط الإسلامية من الفتح العربي حتى الغزو النورمندي، دار الرشيد للنشر، 1981.
  • الرقيق، أبو إسحاق،إبراهيم بن القاسم القيرواني، تاريخ إفريقية والمغرب، تحقيق عبد الله زيدان وعز الدين عمر موسى، دار الغرب الإسلامي، بيروت،1990 .
  • الزركشي أبو عبد الله، تاريخ الدولتين،الموحدية والحفصية، تحقيق محمد ماضور، تونس،1966.
  • الطالبي محمد،دراسات في تاريخ إفريقية وفي الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط، منشورات الجامعة التونسية، 1982.

الدولة الأغلبية:التاريخ السياسي، تعريب المنجي الصيادي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985.

  • ابن قنفذ الأندلسي، الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية،الدار التونسية للنشر، تونس،1964 .

لابدوس ايرا،المدن الإسلامية في عهد المماليك، بيروت، 1987.

  • لقبال موسى، دور كتامة في تاريخ الدولة الفاطمية،الجزائر،1979.

المغرب الإسلامي منذ بناء معسكر القرن حتى انتهاء ثورة الخوارج،الجزائر، 1981.

  • المطوي محمد العروسي، السلطنة الحفصية:تاريخها السياسي ودورها في المغرب الإسلامي، بيروت،1995.
  • ابن الشماع أبو عبد الله محمد، الأدلة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية، تحقيق الطاهر المعموري، تونس، 1984.
  • الشنوفي علي وآخرون، القطر التونسي في صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار، بيت الحكمة، تونس، 1989.
  • الصلابي علي محمد، تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الإفريقي، دار المعرفة، الطبعة الثانية، بيروت، 2005.
  • المطوي محمد العروسي، السلطنة الحفصية: تاريخها السياسي ودورها في المغرب الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986.
  • Ben Sliman F, "Despotisme et violence sous les hafsides", Revue de l’institut des belles lettres Arabes,no 168 ,année 1991,pp255-262
  • Bono S,"Documenti inedite rari sulla storia della Tunisia neglianna1573-1574",Studi Maghrebini,I,1966,pp91-101.
  • Brunschvig R, La berbérie Orientale sous les Hafsides des origines à la fin du XVeme S,t I et II ,Adrien –Maisonneuve,Paris,1947
  • Dachraoui Farhat,Le Califat Fatimide au Maghreb,S.T.D ,Tunis,1981
  • Doualati A, Tunis sous les Hafsides, I.N.A.A,Tunis,1976
  • Djait Hichem,« L’Afrique arabe qu VIII è s.» dans Annales E.S.C,1973,pp601-611
  • Djait Hichem, La fondaton du Maghreb islamique,Sfax,2004
  • Djait Hichem,"La wilaya d’Ifriqiya au VIII è s :Etude institutionnelle.",dans Studia Islamica,1967,t XXVII,pp77-107
  • Djait H, Talbi M, Dachraoui F, Douib A, et Mrabet M.A, Histoire de la Tunisie, le moyen âge, S.T.D,Tunis,1971,406p
  • Idris H.R,La Berbèrie orientale sous les Zirdes,Adrien-Maisonneuve,Paris;1962
  • Hafsides,EI2,III,pp68-72
  • Talbi M,l'Emirat Aghlabide,Historie politique,Adrien -Maisonneuve,Paris,1966
  • Vonderheyden M,La Berbérie orientale sous la dynastie de Banou-l-Aglab,Paris,1927