رقادة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

تقع مدينة رقادة في الجنوب الغربي للقيروان، في سهل فسيح كثير البساتين والمزارع، وصفه المؤرّخون بأنه كان ضيعات قبل إحداث البناء به، وهو أخصب الأراضي المحيطة بالقيروان، حتى إن الحبّة تعطي مائة حبّة في سنوات الخصب، وكان الطبيب زياد بن خلفون المتطبب يعرّي رأسه حينما يخرج من القيروان متوجّها إلى رقادة، لطيب الهواء واعتداله ورقّته. بالاضافة إلى أنّ هذا الاتّجاه هو المجال الوحيد لتوسّع مدينة القيروان لأنّها مهدّدة من الجهات الأخرى بالسيول والسباخ يتّفق جلّ المؤرخين على أنّ اسم رقّادة مشتق من الرقاد ويذكرون أن إبراهيم الأغلبي أصابه الأرقُ، فنصحه طبيبه أن يرتاد المواضع علّه ينام، فنام في موضعها فسمّيت رقّادة. ووجود المقبرة غير الإسلامية في موقعها يدل على أنها سكنت قبل الإسلام لكننا لم نطلع بعد على اسمها القديم. نتيجة لهذه المعطيات، نعتقد أن إبراهيم لم يختر موقع رقادة مصادفة بل كان يعرفه، وهو ما يضعف كثيرا رواية النوم والأرق. وإذا جردنا رواية النوم والأرق من دعامتها المنطقية، فلا يمكن أن نقبل بسهولة أن الرغبة في اللهو هي السبب الوحيد الذي دعاه إلى إنشاء رقادة، كما يدعي بعض المؤرخين لأنّه كان له في ملاهي العباسية وقصورها وشواطئ تونس وسوسة ما يغنيه عن رقادة، ولكنّنا نعتقد أنه عمرها لأسباب سياسية عسكرية.

ومهما كانت الأسباب الداعية إلى تأسيس رقادة والتي منها البحث عن موضع آمن أو النموّ الاقتصادي فإنّ المؤرخين يذكرون أنّ إبراهيم بن أحمد الأغلبي شرع في بناء مدينته في شهر صفر سنة 263هـ/نوفمبر 876م. وأوّل ما بنى من قصورها قصر الفتح، واستقر به قبل تمامه سنة 264هـ/877م. منذ ذلك العهد أخذت في التوسّع والنموّ حتى قدرت مساحتها ب24 ألف ذراع. واتخذت دارا ومسكنا، وموضع فرجة للملوك، وبنيت بها القصور العجيبة، وعُمّرت بالحمامات، والأسواق، والفنادق وقد ارتفعت هذه القصور وسط البساتين اليانعة. وقد حفظت لنا كتب التاريخ أسماء بعض هذه القصور، كقصر الصحن، وقصر البحر، وقصر الرصافة، وقصر بغداد، وقصر المختار وغيرها. ولم يسكن رقّادة الأمير وحاشيته فحسب بل سكنها أيضا بعض أهل الخدمة والمقرّبين من الأمراء الأغالبة، فقد بنى إبراهيم دارا كبيرة لضيافة البلزميين، الذين استقدمهم سنة 280هـ/893م، يصفها المؤرّخون بأنّها تشتمل على دور عدّة، ترفع إلى باب واحد. وأمر كذلك ببناء فندق كبير لايواء بعثة من الزّاب قدمت عليه فأنزلهم به، وأجرى عليهم الخلع والأرزاق... وقد حمل هذا الاتساع المطّرد للمدينة ابن الأبّار على أن يقول إنّها أصبحت أكبر من القيروان، والقزويني على أن يصفها بأنها من أحسن بلاد اللّه.

وتذكر النصوص التاريخية أنّ أحد المهندسين بنى لزيادة اللّه الثالث قصر البحر، وأنّه بناه على أربع طبقات، الأمر الذي أثار عجب المهدي الفاطمي، حتّى قال: رأيت شيئين بإفريقية لم أرهما في الشرق، هما قصر البحر برقادة، وماجل باب تونس بالقيروان. أحيطت هذه القصور بالبساتين اليانعة، التي غُرست فيها صنوف الثمار الطيبة، وأنواع الرياحين. وإنّ الذي يشاهد ما كشفته الحفريات من منشآت مائية للتزود والتصريف ومجار واسعة عميقة يعترف بما لهؤلاء الأمراء من عناية بالماء والزراعة. وقد راعى إبراهيم في تخطيط مدينته أن تنفسح طرقها لتتجوّل فيها العربات التي كثر استعمالها في العصر الأغلبي، والتي من أجلها عبدوا الطرق ورمّموا الجسور. وبفرار زيادة الله سنة 296هـ/909م فرّ سكّان رقادة من الأمراء والحاشية وأهل الخدمة إلى المدن الأخرى وامتدّت أيادي العامّة إلى المدينة فانتهبوها وأخذوا من بقايا أموال بني الأغلب ومتاعهم، وصنوف الآنية من الذهب والفضة.

وفي يوم السبت مستهلّ رجب سنة 296هـ/910م، دخل أبو عبد الله رقادة - ووجوه القوم مشاة بين يديه، مهنئين بالفتح والنصر، ذامّين له زيادة الله ودولة الاغالبة - فأمنهم وردّهم ردّا لطيفا وأجابهم في خصوص ذمّ زيادة الله، بأنّه كان قويا، وله دولة شامخة. ولكنّ أمر الله لا يدافع... ونزل بقصر الصحن أو بدار الامارة ووزع دورها على رجال كتامة، القبيلة القوية التي كانت السند القوي في تأسيس الدولة الشيعية. بدخول المهدي رقادة ابتدأت دولة جديدة في إفريقية، فقد أمر بأن يذكر اسمه في الخطبة، وعلى النقود والبنود، وتلقّب بأمير المؤمنين، ودوّن الدواوين. ولم ينس المهدي العداء التقليدي بينه وبين أهل السنة في القيروان، ورأى أنّ مدينة رقادة لا تحميه منهم لقربها ولتحصيناتها الضعيفة، فأخذ يرتاد الأماكن على الشاطئ حتى عثر على مكان المهدية، وهو رأس داخل في البحر، صخري الشواطئ بحيث إنّ السفن لا تقترب منه إلا بصعوبة بالاضافة إلى أنّه يسهل تحصينه بسور على البر يصل بين الشاطئين الشمالي والجنوبي.

ولمّا انتقل إلى المهدية سنة 308هـ/921م هجر رقادة ساكنوها فدخلها الوهن، وبدأت تخرب شيئا فشيئا، وهو أمر طبيعي لعدم العناية بها وصيانتها. ثمّ إنّ ابن عذاري يذكر أنّ أمطارا كثيرة نزلت في هذه السنة على القيروان ورقادة فهدمت الكثير من المباني. ويذكر البكري أنّ المعز الفاطمي أجرى عليها المحاريث فهدم مبانيها، ولم يبق منها غير بساتينها، لكنّ هذه الرواية مشكوك في صحتها لأننا سنرى أنّها بقيت مستوطنا للأمراء الصنهاجيين إلى نهاية حكم المعز بن باديس. بهذا التاريخ دخلت رقادة طي النسيان مدة 24 سنة حتى طفح ذكرها من جديد، في نصّ تاريخي يفيد أن القائم الخليفة الثاني الفاطمي، فرّ من وجه صاحب الحمار من رقادة إلى المهدية سنة 332هـ/943م مما يبعث على الاعتقاد أنّها بقيت مستوطنا ولو لفترات قصيرة للخلفاء. يمكن لمعترض أن يقول إنّه فر من منطقة رقادة، خاصة أنّ النص لا يفيد أنه كان مستقرّا بها، ولكنّ النصوص التالية التي تذكر أنّ الأمراء الصنهاجيين كانوا يسكنون بها بين الحين والحين ولفترات طويلة نسبيا تجعلنا نستنتج أنّ القائم كان مقيما برقادة لمّا هاجمه صاحب الحمار. ففي سنة 370هـ/980م أمر بُلكين الصنهاجي ابنه المنصور بالذهاب إلى القيروان حينما كان في غزوة بالمغرب، وإعداد هدية لأمير المؤمنين في مصر، فقدم المنصور إلى رقادة حيث أقام بها مدة... وفي 19 رجب 374هـ/984م قدم إليها أبو الفتوح أيضا. وتلقّاه عبد الله الكاتب في خلق عظيم من أهل القيروان، فتلقّاهم بحرارة، ووعدهم كثيرا، وقدّم له العمّال من كلّ المدن مقادير من الفضة هدايا. كذلك هيأ أبو مناد باديس سنة 386هـ/996م هدية ليبعثها إلى العزيز بالله بمصر، فبرزت الهدية من المنصورية إلى رقادة لستّ خلوْن من رمضان. وهكذا يتوارد أنها بقيت مستوطنا للأمراء الصنهاجيين إلى أواخر أيام حكم المعز بن باديس الذي وقعت في عهده هجرة الأعراب الهلاليين من مصر إلى إفريقية.

بهذه النصوص التاريخية ندحض قول البكري الذي يذكر أنّ المعز الفاطمي، لمّا ولّي، أمر بهدم منازل رقادة، وأجرى عليها المحاريث، ولم يبق منها غير بساتينها. فقد رأينا أنّ تلك المنازل تواصل ذكرها وسكناها من قبل الأمراء الصنهاجيين، بل حتى من الناس العاديين إلى سنة 443هـ/1051م، أي إلى فترة الغزوة الهلالية، فقد كانوا طيلة كلّ هذه السنين ينزلون بقصورها، ويرسلون منها الهدايا إلى الخلفاء الفاطميين بالقاهرة، ويوجّهون منها الحملات العسكرية إلى المغربين الأوسط والأقصى حتى جاءت أفواج الهلاليين، وانهزمت جيوش المعز بن باديس أمامهم، فأمر بإخراج عمته السيدة أم ملال، وعياله، وحرمه من رقادة إلى المهدية.

وبعد ما يزيد على ألف عام من خراب رقادة كشفت الحفريات الأثرية قصرا من تلك القصور التي ذكرنا بعضها. وهو هيكل بنائي مربّع الشكل تبلغ مساحته حوالي عشرة آلاف متر مربع يحيط به سور خارجي تدعمه أبراج نصف دائرية يشتمل على 160 غرفة عدا الممرات والدهاليز وله مدخل وحيد يتّجه اتّجاه القبلة (جنوب - شرقي) . وأهم المواد التي بني بها القصر هي الطوب النّيء، وهو قوالب من الطين تجفف بالشمس.وقد بنيت به كلّ الجدران الخارجية والداخلية، كما بنيت به الأبراج وهو على نوعين: طوب أحمر فاتح مخلوط بمادة جصّية تجعله يبدو منقّطا بنقط بيضاء، وقد استعمل في بناء المرحلة الأولى من البيوت، وطوب من طينة سمراء دكناء أقل صلابة من الأولى، استعمل للبناءات المضافة وقد سوكوا هذا اللبن بطينة رمادية اللون. أمّا الأسس فقد ربطت في أغلبها بأعواد من الخشب، تكوّن أربعة خطوط متوازية. أمّا الآجر فقد استعمل للتباليط، وبناء القنوات المائية. وهو على نوعين: آجر كبير مربع قياس 30 * 16/4 صم، أبيض اللون يغطي في الغالب أرضية صحن وغرف المرحلة الأولى، وآجر أصغر مستطيل قياس 22 * 12/4 صم، أحمر اللون يغطي أرضية المرحلة الثانية. أمّا الحجارة فقد استعملت لبناء المنشآت المائية، وهي إمّا صغيرة غير منتظمة ولا مهندمة، وقد استعملت لبناء الجدران، أو كبيرة مهندمة، استعملت في بناء أكتاف هذه المواجل التي ترفع السقف المقبى. كما عثرنا على قطع قليلة من الرخام على هيئة بدن عمود صغير، وقاعدته وتاج صغير أيضا. قد تكون ممّا يحشر في زوايا الأكتاف للزينة فقط. ومهما كان الأمر فإن القطع الجبسية والخزفية والفخارية التي عُثر عليها تساعد على تكوين فكرة، للتعرّف مبدئيا إلى أساليب المدرسة الفنية التي سادت إفريقية في القرن 3هـ/9م من حيث الأشكال والعناصر الزخرفية والألوان المستعملة، ومدى تأثيرها في المدارس الفنية المعاصرة لها، ولا نستطيع إصدار حكم شامل في شأنها إلا إذ أتممنا حفر عدد آخر من قصور رقادة. وتتشكّل الزخارف الجصّية من لوحات ترتفع مع الجدران إلى النصف تقريبا. وقد ألصقت فوق طبقة طرية من الجبس، كما شدّت بمسامير تدخل في أطرافها، وتلصق بالجدار. وقد وجدنا ثقب هذه المسامير في جوانب القطع المزخرفة، تحاط كلّ لوحة أو منطقة مزخرفة بإطار قُسّم إلى ثلاثة جداول يحمل الجدولان الخارجيان دوائر غائرة يتّصل بعضها ببعض على شكل حلقات السلسلة، ويحفّان بالجدول الثالث في الوسط الذي زخرف بأغصان ملتوية تخرج منها ورقات ذات ثلاث مناطق تحمل كلّ من المنطقتين الأولى والثانية الملاصقتين للغصن نقطتين غائرتين، على حين ملئت المنطقة الثالثة العليا - وهي أكبر مساحة من أختيها - بحزوز غائرة موزّعة على غير نظام، ثمّ يملأ داخل الاطار بزخارف نباتية على هيئة وريدات أو أوراق عنب أو عناقيد محورة، نحتت بطريقة الحفر الغائر أو الحز، وقد حملت الأوراق الثلاثية الفصوص أو الخماسية ثقبا صغيرا عميق الحفر في كلّ فص، تذكرنا بالأساليب التي اتبعت في سامرّاء. وقد لونت أغوار بعض القطع بألوان يغلب عليها الأزرق والأحمر، أمّا الأفاريز الكتابية فقد نحتت بالخط الكوفي البارز وأحيطت بشريط من المثلثات، ملىء كلّ مثلث بخطوط محزوزة مائلة. وبين كلّ مثلّثين ثقب صغيرة عميقة الحفر.

أمّا القطع الفخارية التي أظهرتها حفائر رقادة فيمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف:

أ) خزف مطلي مرسوم.

ب) فخار غير مطلي مزخرف برسوم محزوزة; ج) فخار عادي غير مطلي ولا محزوز.

ج)الخزف: أرضيته إمّا صفراء بدرجات الأصفر المختلفة وهو اللون الغالب على جل القطع المكتشفة أو زبدية اللون أو خضراء. أمّا الزخارف المرسومة تحت الدهان أو فوقه فهي على هيئة:

  • أشكال هندسية كالخطوط المائلة أو المستقيمة أو الدوائر أو الأشكال النجمية أو المعينات أو المربعات. وتملأ هذه الأشكال إمّا بزخارف نباتية دقيقة أو بعناصر على أشكال صلبان أو تترك بيضاء من غير رسم وتغطّى بطبقة من الأكاسيد.
  • أشكال نباتية كالوريدات أو ثمر الرمان، أو الأغصان الملتوية التي تخرج منها في الغالب أوراق، أو جريد النخل.
  • أشكال كتابية تحمل على العموم كلمة "الملك" التي يقصد بها الزخرفة لا غير وبخط كوفي بسيط.

أمّا ألوان هذه العناصر الزخرفية فيغلب عليها البنّي أو الأخضر بدرجاتهما المختلفة. وهناك قطع خشنة الطينة طلي داخلها بطبقة من عجين الزجاج الاخضر لكنها لا تحمل أي عنصر زخرفي.

  • أمّا القطع غير المطلية، ولكنها محزوزة فهي زخارفها في نقاط حُزت بآلة حادّة تغطّي بدن الاناء من غير انتظام وتترك مناطق هندسية مثل المربعات أو المثلثات لملئها بعناصر نباتية محزوزة أيضا، كالوريدات والأوراق المختلفة.
  • وتجدر الاشارة إلى أنّ أهمية دراسة الفخار غير المطلي ولا المحزوز تكمن في الأشكال المتنوعة التي كانت تخصّص على ما يبدو للاستعمال اليومي، وفيه قطع رقيقة العجنة، بيضاء اللون، على حين يوجد نوع آخر داكن اللون خشن العجنة.

إذا تتبعنا الأصول المعمارية والزخرفية لهذا القصر فإنّنا نلاحظ إجمالا أنها تحمل طابع القصور الأموية من ناحية، والعباسية من ناحية أخرى، وأنها تؤلّف مزيجا من الأساليب المعمارية لهاتين المدرستين.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • Ennebli A,Mahjoubi A,Salomnson J W,"La nécropole romaine de Raqqada",Notes et documents,VIII,fascI, I.N.A.A,1970