صبرة المنصورية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
آثار قصر المنصور بالله الفاطمي بصبرة المنصورية

لقد كان الارتباط وثيقا بين نشأة صبرة المنصورية العاصمة الفاطمية الثانية بعد المهدية، وثورة صاحب الحمار أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني، ذلك أنّ أبا الطاهر إسماعيل الملقب بالمنصور، لمّا بويع بالخلافة إثر وفاة والده القائم بأمر اللّه، وجد الخارجي مخلد بن كيداد أمام أسوار المهدية يهدّدها بما تهيّأ له من الرجال والعتاد، وقد استطاع المنصور بحكمته أنّ يكتم موت والده فلم يتّسم بالخليفة ولم يغيّر السكّة ولا الخطبة ولا البنود، وثبت أمام أبي يزيد إلى أن تفرّق جمعه وانكسرت شوكته فخرج بجنوده وبالمدد الذي وصله من كتامة خاصة، يتابعه في كلّ مكان والحرب سجال بينهما إلى أنّ استطاع الفتك به في النهاية، في قلعة كيانة بجبال أوراس. وتخليدا لهذا الانتصار، أمر المنصور ببناء المنصورية التي لا تبعد إلا حوالي نصف ميل عن جنوب شرق القيروان في موقع يعرف بصلب الجمل، وقد قال عنه ابن حوقل: "إنّه اختطّ أحسن بلد في أسرع أمد" وانتقل إليها حسب رواية القضاعي عند صلاة الظهر من يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الاخرة سنة 336هـ/جانفي 948م وقد عمّر المنصور أسواقها واستوطنها، وأصبحت مركز الخلافة الرسمي، منها تصدر الأوامر، وتخرج الجيوش الفاتحة، وإليها تأتي الوفود لتقديم فروض الطاعة والولاء. وقد بنى سورها بالطوابي، وجعل لها أربعة أبواب، باب قبلي وباب شرقي سماه باب زويلة وباب جوفي وباب كتامة وباب غربي سماه باب الفتوح، ونصب عليها أبوابا ملبسة بالحديد، ثم بنى فيها القصور الشامخة والأبنية الرفيعة، وغرست فيها الغرس البديعة، وجلبت إليها المياه المنيعة، ومن قصورها مجلس الكافور وحجرة التاج ومجلس الريحان وحجرة الفضة وقصر الخلافة والخورنق.

لم تطل مدّة إقامة المنصور بها إذ توفّي سنة 341هـ/952م فدفن في قصره بالمنصورية ثم قام بالأمر بعده ابنه ووليّ عهده المعز لدين اللّه فسار في نهج أبيه يلاحق الثوار المناوئين في كلّ مكان إلى أن دخلوا في طاعته. ولقد قال ابن أبي دينار: "واستوت للمعز البلاد ودانت له العباد ولم يبق بلد إلا اجتمعت فيه دعوته ودخل تحت طاعته الفواطم في أقصى المغرب وبعث إلى صقلية الحسن بن عمار بن علي بن الحسين وأصبحت المنصورية في عهده كعبة العلماء، والطلاب، والمستجيبين، بعد أن نقل إليها أسواق القيروان كلها، وجميع الصناعات، وأقطع أولياءه مواضع يبنون فيها. فممّا يذكر أنّه كان فيها أيام عمارتها ثلاثمائة حمام أكثرها للديار وباقيها مبرز للناس كافة. أمّا وصفها فليس أدقّ ممّا جاء به المقدسي حيث قال: "هي مدورة مثل الكأس لا يرى مثلها ودار السلطان وسطها على عمل مدينة السلام والماء يجري وسطها، شديدة العمارة حسنة الأسواق بها جامع السلطان، وعرض سورها 12 ذراعا منفصلة عن العمارة، بينها وبين المصر عرض الطريق، وتجارها يغدون ويروحون إليها من المصر على حمير مصرية، والأبواب باب الفتوح باب زويلة باب القصارين كلها محددة الحيطان آجر مكحل الجيل".

ولم يكن المعز لدين اللّه أقلّ كلفا بالعمارة من أبيه فبنى كثيرا من القصور، وأنشأ البساتين وأجرى مياه العيون. ومن القصور التي بناها قصر الإيوان والمعزية. وبنى قناطر ساق الماء عليها، وقصره المعروف بالبحر قد ارتاد موضعه وقاس أبعاده ووضع تصميمه بنفسه وأنشأ في وسطه بركة كبيرة أسماها بحرا لاتّساع سطحها. وقد أقام المعز الجسور لتصل القصر الداخلي بالقصر الخارجي، وأنشأ الحدائق الغنّاء في المنصورية وضواحيها، ومن هذه البساتين ذلك البستان الذي أقامه في جهة تعرف ب"واد القصارين" على مقربة من المنصورية، وكان من قبل مكانا موحشا ينقل الناس منه الأتربة لصنع الطوابي وعمل السماد. ورأى المعزّ أن يحمي المنصورية وضواحيها، فاغترسه وأدار عليه حائطا، وأجرى فيه النهر حتى أينع بأصناف الشجر والرياحين والخضر والنوّار وصار أحسن بستان رآه الناس. بهذه الأعمال الجليلة وغيرها استطاع المعز لدين اللّه أن يوطّد أركان الدولة الفاطمية ويجعلها مهيبة في الداخل والخارج. وكان من أهدافه الأولى التوجّه نحوالشرق قصد فتح منافذ أخرى للدولة الفتيّة، وتوسيع رقعتها على حساب الدولة الاخشيدية آنذاك، وقد تحقّق هذا الحلم الذي طالما راود أسلافه على يد قائده جوهر الصقلي في منتصف رمضان سنة 358هـ/أوت 969م فسرّ المعز أيما سرور وكان أوّل مسيره نحو مصر أواخر شوال من سنة 361هـ/أوت 972م. خرج من المنصورية فأقام بسردانية، وهي قرية قريبة من القيروان ولحقه بها رجال دولته وعمّاله وأهل بيته وجميع ما كان له في قصره من أموال وأمتعة وغير ذلك حتى إنّ الدنانير سبكت وجعلت على هيئة الطّواحين وحمل كلّ طاحونتين على جمل. وقد استخلف على إفريقية والمغرب يوسف بلكين بن زيري الذي عاد من وداعه ليقيم بالمنصورية يعقد الولايات للعمال على البلاد وقد أوصاه فقال له: "إن نسيت ما أوصيناك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إيّاك أن ترفع الجباية عن أهل البادية ولا ترفع السيف عن البربر ولا تولّ أحدا من إخوتك وبني عمك فإنّهم يرون أنّهم أحقّ بهذا الأمر منك وافعل مع أهل الحاضرة خيرا". تقلّد يوسف بلّكين بن زيري الحكم من قبل المعزّ لدين اللّه فنهج نهجه رافعا لواء الدولة الفاطمية في إفريقية نتيجة انتفاض الثوار عليه واستمرّ الأمر على تلك الحال إلى أن جاء المعز بن باديس فأعلن العصيان على الدولة الفاطمية وأمر بقطع الخطبة وتبديل السكة وتجريح الفاطميين على المنابر وهو ما أثار حفيظة المستنصر باللّه الفاطمي حاكم مصر فقرّر تأديبه بإرسال القبائل العربية من بنى هلال ورياح وزغبة وغيرهم إلى تونس فخرج المعز بن باديس من المنصورية إلى المهدية ودخلت البلاد في أتون الانقسامات وأصبحت تعيش في ظلّ دويلات مستقلّة هنا وهناك وانطفأت جذوة صبرة المنصورية ولم يعد لها دور تاريخي منذ ذلك الحين.

تسمية الموقع[عدّل]

إذا استعرضنا المصادر والمراجع التاريخية التي تناولت الحديث عن هذا الموقع وجدنا بعضها يطلق عليه اسم المنصورية وآخر صبرة وثالثا يجمع بين هذه وتلك، ورابعا يسميه عز الاسلام والقيروان. فأمّا القاضي النعمان الذي ولاّه المنصور بن القائم قضاء مدن المنصورية والمهدية والقيروان فلا يذكر في كتابه المجالس والمسايرات إلاّ المنصورية ولم يُشر ولو مرة واحدة إلى صبرة وكذلك شأن المقريزي في "اتعاظ الحنفا" وابن الأبّار في "الحلّة السيراء" بينما المقدسي في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" لا يتحدث بدوره إلاّ عن صبرة ولا يذكر المنصورية فيقول مثلا: "وصبرة بناها الفاطمي أوّل ما ملك الاقليم واشتقّ اسمها من صبر عسكره في الحرب"، ويقول أيضا: "وأمّا إفريقية فقصبتها القيروان ومن مدنها صبرة"، ويذهب مذهبه الإدريسي بينما يقول ابن عذاري وهو يسرد الأحداث حسب تسلسلها التاريخي: "وفي سنة 336هـ/948م أمر المنصور أبو الطاهر ببناء صبرة واختطّها وسماها المنصورية"، ثمّ لا يذكر صبرة إطلاقا إلى حلول سنة 441هـ/1050م عندما يتحدّث عن اجتياح القبائل العربية لمملكة المعز بن باديس فيقول: "وأمر السلطان كافّة الناس بانتهاب المزروعات المحيطة بالقيروان وصبرة".

وأمّا بقية المراجع فإنها تجمع بين المنصورية وصبرة دون تمييز، ولو تتبعنا نص ابن شرف الذي أورده ابن عذاري في تبديل السكة عن أسماء بني عبيد لأدركنا أنّ الأمر الذي أصدره المعز بن باديس بسبك ما كان عنده من الدنانير والدراهم بسائر عمله له علاقة مباشرة بهذا الموضوع. فقد كانت تضرب باسم المنصورية لغاية سنة 438هـ/1047م بينما ابتداء من السنة الموالية 439هـ/1048م، أصبحت تضرب باسم صبرة. إذن يمكن استنادا إلى هذه المعطيات أن نستنتج أنّ لفظ صبرة إنّما جاء متأخّرا عن المنصورية وأخذ صبغته الرسمية نتيجة للتغيرات السياسية في الدولة الفاطمية. ويتواصل اسم صبرة على السكة سنتي، 439هـ/1048م و440هـ/1049م ثم ينقطع ليفسح المجال إلى "عز الاسلام" و"القيروان" من سنة 441هـ/1050م لغاية 446هـ/1055م.

آنية خزفية من آثار صبرة المنصورية

لقد لعبت صبرة المنصورية دورا كبيرا في تطوير الفنون العربية الاسلامية رغم قصر حياتها ممّا جعلها تؤلف لنا صورة عن نشأة الفن الفاطمي الافريقي قبل رحيله إلى الشرق وتشهد بالمقدرة والكفاءة للفنّان الافريقي كلمّا سنحت الفرصة بذلك وتهيأت الأسباب المادية والمعنوية.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • العجابي حامد، "مصادر مياه صبرة المنصورية"، النقائش والكتابات القديمة في الوطن العربي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1988، ص ص220-230.