جوهر الصقلي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[توفي سنة 381هـ/992م]

جوهر بن عبد الله، أبو الحسين، الصقلبي، الصقلّيّ، الروميّ، الكاتب، القائد، باني القاهرة ومؤسس الجامع الأزهر بها.

غموض أصله ونسبه[عدّل]

لم يتمكن المؤرّخون من معرفة أصوله بالتدقيق :

  • فهو جوهر الروميّ "جلبه خادم يعرف بصابر ثمّ انتقل إلى خادم يعرف بخيران ثمّ انتقل إلى الخادم خفيف" (ابن حمّاد 40) فعبارة جلبه تدلّ على أنّه من الرقيق، والروم عند العرب هم البيزنطيّون الإغريق أصحاب روما الشرقيّة الذين عنتهم الآية الكريمة: غلبت الروم (الروم،1). ولذلك سمّاه بعض الدارسين الغربيّين جوهر "الإغريقيّ".
  • وهو جوهر الصقلبيّ، ونسبة الصقالبة تعني الرقيق الأبيض الذي يؤسر أو يشترى من المناطق السلافيّة من أوروبا الوسطى منذ عهد اليونان والرومان، حتى اقترنت نسبة "سلافي" في لغاتهم بصفة العبد المملوك، وآخر من تسلّمه من الخدم الفاطميّين هو خفيف المعروف بصاحب الستر، وهو صقلّبي أيضا (اتّعاظ 97/1). وقد خلع جوهر على نفسه صفتي العبد والمولى في النقيشة التي حفرها بالجامع الأزهر حين أتمّ بناءه في السابع من شهر رمضان سنة 61هـ/971م (وفيات 380.1).
  • وهو جوهر الصقلّيّ، وصقلّيّة أصبحت إسلاميّة منذ عهد الأغالبة، وإن بقي قسم منها خاضعا للروم البيزنطيّين، فلعلّه جلب منها.
  • وهو جوهر بن عبد الله، ولا حديث عن عبد الله هذا، والمعهود في الغلمان والخدم أنّ يدعوا بالأسماء التي يطلقها عليهم مالكوهم: جوذر، ميسور، خيران، وإذا نسبوهم، فإلى مواليهم مثل كافور الإخشيديّ.

سلّمه خفيف الخادم إلى المنصور ف "علا ذكره معه وسايره في غزواته وصار كاتبه" (الداعي إدريس 604)، وكنّاه بأبي الحسين، ممّا يدلّ على أنّه لم يكن من الخصيان، وقد أنجب ثلاثة أبناء على الأقلّ. على أن ّ المقريزي نفسه يقول إن ّ الذي كناّه أبا الحسين هو المعزّ (الخطط 377/1).

  • وهو جوهر الكاتب، ووظيفة الكاتب ذكروها كثيرا، ولا سيّما في الفترة التي أدار فيها شؤون مصر، وهي التي تشغل أكبر حيز من تراجمه. والكاتب بمعنى المنشىء الأديب، قال المقريزي (خطط 379/1): "وكان جوهر عاقلا محسنا إلى الناس كاتبا بليغا" وساق مثالا من مستحسن توقيعاته، علاوة على العهدين اللذين أعطاهما للمصريّين بعد انتصاره على فلول الاخشيديّة وهما مصدّران بعبارة" هذا كتاب من جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين المعزّ لدين الله (صلع) لجماعة أهل مصر... (اتّعاظ 103/1).
  • وهو جوهر القائد، ويبدو أن ّ صفة القائد أسندت إليه في حملته المغربيّة سنة 347هـ/958م، إذ لا ذكر له في حملات المنصور الطويلة ضدّ أبي يزيد صاحب الحمار. يقول الداعي إدريس وهو مؤرّخ شيعيّ متأخّر (ص 605): وجعل (الإمام المعزّ) جوهرا قائد القوّاد وسيّره في عساكره وأمّره على جنوده فاستفتح البلاد...
  • وهو جوهر الوزير، وقد لا يعني هذا اللقب إلاّ المؤازرة والمساعدة كوزارة هارون لموسى عليهما السلام.

مولده[عدّل]

قال المقريزي (المقفّى 84/3) إنّه ولد سنة 312هـ/924م، ونستنتج من كلمة له قالها في سنة 380هـ: قد أنفت على الثمانين أو أنا فيها (الخطط 1/379). وفي بعض المصادر أنّه ولد في مستهلّ القرن الرابع، فنستبعد بالتالي أنّ يكون المعزّ قام بتربيته كما جاء في الخطط 377/1، لأنّ المعزّ ولد سنة 317 (الخطط 351/1) أو 319 (اتّعاظ 93/1) فلا يمكن أن يربّي جوهرا وهو يصغره بنحو عشرين سنة.

وفاته[عدّل]

توفّي جوهر "لسبع بقين من ذي القعدة سنة 381هـ/فيفري 992م وصلّى عليه العزيز نزار ابن المعزّ وخلع على ابنه الحسين بن جوهر وجعله في رتبة أبيه ولقّبه القائد ابن القائد ومكّنه من جميع ما خلّفه أبوه " (اتّعاظ 272/1 والخطط 379/1). ولكنّ الحاكم الفاطميّ سيقتله شرّ قتلة مع ابنه وصهره (وفيات 380/1).

غيرة بعض الخدم ورؤوس كتامة من مكانة جوهر في الدولة[عدّل]

من أمارات التبجيل التي خصّ بها المعزّ قائده أنّه أمر رجال دولته وحتّى أبناءه بالترجّل له عند توديعه يوم انطلاقه من ضاحية سردانيا قرب القيروان نحو المشرق، وصدر الأمر لولاته بالمناطق التي يمرّ بها الجيش الفاتح، فاستنكف أفلح الناشب أمير برقة من الانحناء أمامه، وأفلح صقلبيّ مثله (المقفّى 229/2 ترجمة 201) وربّما كان أفلح يرى أنّه أولى من جوهر بقيادة الحملة الظافرة، لا سيمّا أنّ برقة أقرب إلى مصر وهو أعرف بأحوالها حسبما توحي به المدحيّتان اللتان دبّجهما فيه ابن هانىء (ديوانه/61 و418 رقم 11 و110). والموقف نفسه اتّخذه جعفر بن فلاح الكتاميّ حين أرسله جوهر إلى الشام لمواجهة القرامطة فصار يكاتب المعزّ رأسا دون المرور بجوهر، فعنّفه المعزّ ورفض قبول رسائله (الخطط 378/1). وكتامة ترى أنهّا صاحبة الفضل على الدولة، فيقول شاعر منهم سمّاه الداعي إدريس (696) : مقداد بن الحسن الكتاميّ (طويل) :

ونحن جلبنا الخيل شعثا ضوامرا
من الغرب تجتاب المفاوز أشهرا
عليها الكتاميّون من آل حمير
ومن لفّ لفّ الجيش من آل بربرا
...فلا تكذبن لست الغداة بواجد
بأنصر من قومي رجالا وأصبرا

وكان المعزّ يتفادى نخوتهم حتّى إنّه برّر لديهم تكليف جوهر بالحملة المصريّة، قال (عيون 608) : قدّمت عليكم من قد علمتموه - يعني جوهرا - وأقمته فيكم مقام نفسي وجعلته معكم كأّذني وعيني... وكلّ واحد منكم يستحقّ أنّ يكون المقدّم...

حملاته في المغرب والمشرق[عدّل]

كلّفه المعزّ بقيادة الحملة إلى المغرب سنة985/347 فأخذ تاهرت وحاصر فاس فأخذها وكذلك سجلماسة وأسر أميريهما أحمد بن بكر الجذامي ومحمد بن الفتح بن واسول المدراري وأرسلهما في قفصين إلى المعزّ، وبذلك أرجع المغرب - ما عدا سبتة وطنجة وكانتا تحت النفوذ الأموي الأندلسيّ - إلى الولاء الفاطميّ. وفي هذه الحملة اتّصل به الشاعر محمد بن هانىء أوّل خروجه من الأندلس فمدحه وتشفّى من الأميرين المارقين (طويل) :

وأدركت سولا في ابن واسول عنوة
وزحزحت منه يذبلا فتزحزحا
...وكان الجذاميّ الطويل نجاده
بهيما مدى اعصاره فتوضّحا

وكلّفه بالحملة المصريّة فتهيّأ لها جوهر منذ سنة 355هـ/969م فجنّد الأنصار من كتامة وصنهاجة وجمع الأموال وانطلق نحو الاسكندريّة يوم 14 ربيع الأوّل 357هـ/5 فيفري 969م بجيش يعدّ ثمانين ألفا كما قال الشاعر الكتاميّ المذكور:

ثمانون ألفا يلبسون إلى الوغى
ملابس حزم خلعة وستورا

وكما قال ابن هانىء في مدحة ثانية له (طويل) :

فلا عسكر من قبل عسكر جوهر
تخبّ المطايا فيه عشرا وتوضع
وسلّ سيوف الهند حول سريره
ثمانون ألفا دارع ومقنّع

وقد لمّح فيها إلى الأثواب الفاخرة التي ألبسه المعزّ إيّاها إكراما له عند توديعه:

برود أمير المؤمنين بروده
كساه الرضى منهنّ ما ليس يخلع
له حلل الاكرام خصّ بفضلها
نسائج بالتبر الملمّع تلمع

وهنّأ المعزّ بالفتح وأشاد بحسن سياسة جوهر في المصريّين (طويل) :

يقول بنو العبّاس هل فتحت مصر؟
فقل لبني العبّاس قد قضي الأمر
...غدا جوهر فيها غمامة رحمة
يقي جانبيها كل ّ حادثة تعرو
فلم يهترق فيها لذي ذمّة دم
حرام ولم يحمل على مسلم إصر

عزل جوهر[عدّل]

قال ابن خلكّ ان في ترجمته (380/1) : "وأقام [جوهر] مستقلاّ بتدبير مملكة مصر قبل وصول مولاه المعزّ إليها أربع سنين وعشرين يوما "، وذكر تلطّفه في حمل القضاة على العمل بخصوصيّات الفقه الشيعيّ كالردّ على ذوي الأرحام في الميراث واعتماد الحساب في تقدير الأهلّة وتدرّجه في إدخال الطقوس الشيعيّة كالحيعلة في الأذان والجهر بالبسملة في الصلاة. وذكروا من محاسن سياسته تخفيف الجباية على الرعيّة وتعديل عيار الدرهم والدينار، وبناء الجامع الذي فرغ منه في رمضان 361هـ/جوان 972م. قال ابن خلّكان: "وأظنّ هذا الجامع هو المعروف بالأزهر بالقرب من باب البرقيّة". ودخل المعزّ عاصمته الجديدة في رمضان 362هـ/جوان 973م وأبقى على جوهر نفوذه ومكانته سنة أخرى وأربعة أشهر. قال ابن خلّكان في ترجمة المعزّ (223/5): وفي يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرّم سنة 364هـ عزل المعزّ القائد جوهرا عن دواوين مصر وجباية أمّوالها والنظر في سائر أمّارها. ولم يذكر سبب لنزع السلطة الادارية منه، غير أنّه بقي في خدمة الدولة إلى سنّ الثمانين كما مرّ: فقد جرّد لمحاربة ألفتكين التركيّ والقرامطة بالشام (الكامل 656/8) ولقي منهم ومن الثلج وقلّة العلف أشدّ الشدائد. ونجده بعد وفاة المعزّ (ربيع الثاني سنة 365هـ/ديسمبر 975م) في خدمة العزيز أيضا وفيّا لمواليه راضيا بتأخّر رتبته أمام الأجيال الجديدة، يقول (الخطط 379/1) : لكلّ زمان دولة ورجال، أنريد نحن أن نأخذ دولتناودولةغيرنا؟