الكتابة المسرحية التونسية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

يستحسن أن نستهل الخوض في هذا الموضوع بإبداء الملاحظات التاليّة:

1 - إنّ اختيار سنة 1980 منطلقا لدراسة الكتابة المسرحية التونسية حتى سنة 2000 له مبرّراته ذلك أنّ الدراسين يؤرّخون بمسرحية "غسّالة النّوادر" التي أنتجها "المسرح الجديد" سنة 1980، للقطيعة التي حدثت مع ما كان سائدا في الستّينات والسبعينات، على المستو ين الجمالي والفكري وهو ما أدى إلى تأسيس كتابة مسرحية مغايرة شكلا ومضمونا.

2 - تعدّدت منذ سنة 1980 الهياكلّ المحترفة للانتاج المسرحي، واختلفت الكتابات المسرحية من حيث الأساليب الجمالية والفكرية اختلافا جعل بعضها يتميّز عن بعض من جهتي البنى والمضامين.

3 - سنركّز اهتمامنا هنا على الكتابة النصية لأنّ الكثير من العروض ما لم نشاهده ولا يمكن مشاهدته مادام التوثيق البصري/الفرجوي منعدما أو يكاد.

4 - لن نقوم بمسح شامل للكتابة المسرحية التونسية في كلّ هذه الفترة (1980 - 2000) أي مدّة عقدين كاملين لعدّة أسباب، منها: صعوبة العثور على كلّ النصوص التي قدّمت في هذه الفترة، وغزارة الانتاج النصّي المسرحي، وإنّما سنكتفي بذكر النصوص التي نعتبرها مهمّة وممثلة لتوجّه درامي أو لرؤية جمالية قدّمت إضافات إلى المسيرة المسرحية التونسيّة.

5 - لن تكون اللغة معيارا محدّدا لعملية اختيار النصوص لأنّنا لن نثير هنا مسألة اللغة المسرحية وإشكالياتها الكثيرة خاصة أنّ النقاش حولها مازال متواصلا، ولم يحسم لأي طرف، فأصبح الباحثون يغضّون الطرف نسبيّا على الأقل عن هذه الاشكالية. ولذلك لن نميّز هنا بين العربية الفصحى و"اللّغة العامية". في النصوص التي سنعتمدها باعتبارها تخضع للمقاييس نفسها عند التحليل.

6 - سنركّز عنايتنا على النصوص المكتوبة باللغة العربية أصلا سواء أكانت عامية أم فصحى، وسنشير إشارات عابرة إلى النصوص المترجمة أو المعرّبة أو المقتبسة، لأنّنا نعتبر أنّ هذه النصوص الوافدة لم تضف "الجديد" إلى الكتابة المسرحية التونسية.

7 - لن نتطرّق أيضا إلى نصوص "مسرح الطفل" نظرا إلى كثرتها وتشتّتها وصعوبة الحصول عليها وإلى عدم استجابة الكثير منها لتقنيات الكتابة المسرحية. ولم تثمر بعد تجربة الكتابة للطفل نصوصا ذات نفس إبداعي مميّز يمكن أن يعتبر إضافة في مسيرة الكتابة المسرحية التونسية.

وبناء على هذا يمكننا أنّ نرسم الخطوط العريضة والتوجهات الكبرى للكتابة النصية المسرحية في تونس طوال السنوات المذكورة. لقد عدّ الباحثون المسرحيون التونسيون تكوين فرقة "المسرح الجديد" حدثا مهمّا أفصح عن رغبة المجموعة المكوّنة للفرقة في الافلات من قبضة القطاع العام. وبذلك كانت فرقة "المسرح الجديد" هي الفرقة الثانية المحترفة في تاريخ المسرح التونسي بعد فرقة علي بن كاملة. كان تأثير هذه الفرقة في المسرح التونسي بارزا، سواء على مستوى الهيكلة (شركة ذات مسؤولية محدودة) أو على المستوى الجمالي والفكري (تأليف وإخراج جماعي). وأهمّ تأثير مارسته هذه الفرقة كان على مستوى الكتابة إذ أنّ "المجموعة أجهزت على المؤلف المسرحي بالمفهوم المتعارف عليه وأعلنت موته بتخلّيها عن النص المهيّأ مسبقا" [أحمد حاذق العرف:"المسرح التونسي وعوائق التجاوز"، دار الجنوب للنشر، تونس 1997].

بدأت مجموعة "المسرح الجديد" عملها التجريبي في فرقة قفصة التي كان يديرها رجاء فرحات، وبعد أنّ اكتسبت تجربة في التأليف لمسرحيّات "البرني والعطراء" و"محمد علي الحامي" و"الجازية الهلالية" (كتابة رجاء فرحات أساسا)، ثمّ بعد تكوين الفرقة أنتجت ثلاث مسرحيات هي "العرس" 1976, و"الورثة" 1977 و"التحقيق" 1978. لقد حقّق "المسرح الجديد" قفزة نوعية بمسرحية "غسالة النوادر" سنة 1980 فأصبحت مرجعا للباحثين المسرحيّين التونسيين. وقد أحدثت قطيعة تامّة مع المسرح الذي كان سائدا، إذ استطاعت أنّ تعلن ميلاد توجّه جديد في مسيرة الكتابة النصية المسرحية التونسية:"في غسالة النوادر يصل أفق الاختلاف والمغايرة الذي انخرطت فيه المجموعة إلى حدوده القصوى: إنضاجا لما بدأ في "العرس" و"الورثة" اختبارا وتجريبا، وفي "التحقيق" تحسّسا وتلمّسا وتحقّقا كما كان احتمالا لتشكّل ممكن..." [المرجع السابق]. توّجت مسرحية "غسالة النوادر" جهود الجماعة في الكتابة النصية المسرحية المراوحة بين السرد والتجسيد "وللأمانة التأريخية والفنية فقد توصّلت المجموعة في هذا العمل إلى درجة من التجربة تجلّى فيها نضجها الجمالي، وهو نضج يعدّ رصيدا مهمّا." [فوزية المزّي: "30 سنة من المسرح التونسي"، ضمن تأليف جماعي، منشورات وزارة الثقافة، تونس 1993، ص 149].أثّر هذا العمل المتميّز في كلّ الابداعات الدرامية اللاحقة إلى درجة أنّ نسبة مهمّة من الكتابات النصية المسرحية أصبحت نسخة باهتة لنتاجات هذه المجموعة، خاصة مسرحية "غسالة النوادر" التي أضحت مرجعا لكلّ المشتغلين بالفعل المسرحي. نهلت مسرحية "غسالة النوادر" من الميثولوجيا اليومية للانسان التونسي وغاصت في وعيه الجماعي ولا وعيه الذاتي عبر صياغة امتزج فيها السردي بالتشخيصي.

طبعت مجموعة "المسرح الجديد" الابداع المسرحي التونسي وأثّرت فيه تأثيرا حاسما ثم سكتت فترة حاولت فيها إنتاج عمل آخر فكانت مسرحية "لام". وبعدها تقلّصت المجموعة بموت الحبيب المسروقي أحد مؤسسي الفرقة وانسحاب محمد إدريس. ولكنّ انضم إليها فيما بعد توفيق الجبالي ورجاء بن عمّار ورؤوف بن عمر إلى المجموعة ثمّ انسحبوا بعد تقديم مسرحية "لام". واصلت مجموعة المسرح الجديد مسيرتها واستقطبت عناصر أخرى مثل الأمين النهدي وفاطمة بن سعيدان وزهيرة بن عمّار، وقدّمت مسرحية "عرب"، ثمّ أضافت إليها عناصر أخرى وقدمت مسرحية "العوّادة" (صباح بوزويتة وكمال التواتي) وأتبعتها ب "كوميديا" ثم "فاميليا". انتهى اسم "المسرح الجديد" مع عرض "فاميليا" وأسّس الفاضل الجعايبي بالتّعاون مع زوجته جليلة بكّار شركة "فاميليا" لتنتج "عشّاق المقهى المهجور" و"سهرة خاصة". وقد بقي فاضل الجعايبي وفيًّا لتقاليد "المسرح الجديد" رغم تغيير الاسم. ولئن لم يقدّم إضافات مهمّة تجعله يتجاوز ما قدّمه في مسرحية "غسالة النوادر" فقد اكتسب تقنيات الحرفي القادر على صنع عرض شيّق مبنيّ على متن حكائي جيّد دون أنّ ينغمس في الشكلانية.

لقد أثّر "المسرح الجديد" في كلّ المسرحيّين لذين تابعوا إنتاجه. وهنا نبدأ بالذين تأثروا به تأثّرا مباشرا مثل محمد إدريس الذي انفصل عن "المسرح الجديد" بعد أنّ كان من بناته صحبة فاضل الجزيري وفاضل الجعايبي والحبيب المسروقي. نشط محمد إدريس في المسرح المدرسي والجامعي فكتب عمليْن كان لهما بالغ الأثر في مسيرته المسرحية. وهو يعتبر نفسه "شاعرا يعشق الكتابة، يريد أنّ يبلّغ حلمه الشعري إلى المجموعة"، ثم رافق منصف السويسي فترة في فرقة الكاف، وأسهم في تكوين فرقة قفصة واشتغل مع خيرة المسرحيّين التونسيين في الستينات والسبعينات قبل أنّ يعود إلى العاصمة ليؤسّس مع جماعته "المسرح الجديد" ثم ينفصل عنهم. وكوّن مجموعة "سنمار" وكتب لها مسرحية "إسماعيل باشا" التي وظّف فيها إمكانات جسدية وتقنية ومادية ملحوظة سنة 1986. ولمّا انحلّت مجموعة "سنمار" فضّل محمد إدريس العمل منفردا فكتب مسرحية "حي المعلم"، وهي مسرحية بشخصية واحدة يتداخل فيها التجسيد والسرد ضمن ذكريات محمد إدريس. ثم كتب وأخرج مسرحية "يعيّشو شكسبير" التي حاول فيها أن يخرج هذا الكاتب الكبير من التراجيديا إلى الكوميديا. وكما جرت العادة عند محمد إدريس قد جعل نصّه الدرامي مفتوحا وفيه حاول أنّ يجرّب عدّة أشكال جديدة لم يألفها النص الدرامي التونسي فواصل التجريب مع جماعة "المسرح الجديد" إلى حدّ "تكسير القواعد الانشائية التي تقدّم عليها بعض الأجناس في الكتابة أو الأنواع الجمالية التقليدية حتى انتفت الحدود بين الأنماط وتداخلت فاستحالت التفرقة بين الأصناف الدرامية (كوميديا - دراما- ميلودراما - مأساة) " [محمد مومن:"اتجاهات الابداع المسرحي التونسي"].

ثم كتب محمد إدريس وأخرج "ونّاس القلوب" التي خاض فيها تجربتين: الأولى هي اتجاهه نحو الشرق الأقصى ومسرحه غير المعروف في بلاد المغرب العربي، خاصة "النو" و"الكابوكي"، والأخرى هي تركيزه الاهتمام على الشكل أو الناحية البصرية، أي الاعتناء بالتشكيل البصري في الاخراج المسرحي. وقد تبلورت هاتان التجربتان على نحو أوضح في مسرحية "راجل ومرا" التي شارك بها في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، سنة 1996، وحصل على جائزة أحسن ممثل. ثمّ كتب واقتبس وترجم نصوصا مسرحية أخرى، منها: مسرحية "حدّث" التي اقتبسها أوّلا عن نص "حدّث أبو هريرة قال" لمحمود المسعدي ومسرحية "مراد الثالث" للحبيب بولعراس التي كان علي بن عيّاد قد أخرجها ومثّل شخصيّتها الأولى مع فرقة مدينة تونس، والتي أعاد محمد إدريس إخراجها بتصوّر درامي مختلف. وبسبب الخلاف بين إدريس والمسعدي غيّر إدريس وجهته نحو سيرة عمر الخيّام وشعره وفلسفته ليمسرح منها عرضا وظّف فيه تقنية الاخراج الدراماتورجي والسينوغرافي فكان عملا متميّزا طغى على إنتاج سنة 1998 المسرحية، [عبد الحليم المسعودي، "الصحافة"، 10 جويلية 1998].

أمّا توفيق الجبالي فقد أسهم في تنشيط فرقة "المسرح الجديد"، إذ شارك في كتابة نص "الورثة"، كما قام بإنجاز الموسيقى التصويرية لمسرحية "العرس". غادر توفيق الجبالي فرقة "المسرح الجديد" بعد عرض مسرحية "لام"، وأسهم مع رجاء بن عمار ورؤوف بن عمر في تأسيس مسرح "فو" سنة 1979. كما ساعد في كتابة أوّل نص قدّمه مسرح "فو" وهو "تمثيل كلام" (1980). وكان أيضا ضمن مؤلفي نص "عشق" (1982)، ثمّ أسهم مع محمد إدريس في كتابة نص مسرحية "إسماعيل باشا" سنة 1986. وفتح سنة 1986 فضاء التياترو الذي قدّم إضافة مهمّة إلى الفضاءات المسرحية في تونس. وفي سنة 1987 اقتبس عن بريشت نص "مذكرات ديناصور"، وكتب نص "حاضر بالنيابة" سنة 1989, وسلسلة المنوعات المسرحية "كلام الليل" من 1 إلى 9 بين سنوات 1990 و1993، ونص "افهمت إلا" سنة 1992، و"ويل للممثلين" سنة 1994. لا شكّ في أنّ توفيق الجبالي يمثل اتجاها خاصا وتيارا فكريا وجماليا في الكتابة الدرامية التونسية لانشغاله بمسألتين: الأولى بالكلمة، وذلك في الاستلهام من التراث العربي الاسلامي في النصّ أو السرد القصصي باعتباره مظهرا من مظاهر الفرجة التقليدية كالفداوي التونسي أو الحكواتي المشرقي، خاصة في "تمثيل الكلام"، والاخرى اتّجاهه في بعض الأعمال الأخرى اتجاها مختلفا تماما يكاد ينفي الكلمة وذلك بالاعتماد أساسا على الكوريغرافيا ولغة الجسد في علاقتهما بالفضاء الركحي، كما ظهر في "ويل" أو في "عطيل".

وأمّا الاتّجاه المسرحي الذي يعتمد تقنية الارتجال والمتأثر بالمسرح الجديد فهو "مسرح فو" الذي كان توفيق الجبالي أحد مؤسّسيه مع رجاء بن عمار ورؤوف بن عمر والمنصف الصايم. افتتح "مسرح فو" سلسلة أعماله بمسرحية "تمثيل كلام" التي كُتبت طبقا لطريقة التأليف الجماعي المبني على تقنية الارتجال حيث تترافق الكتابة النصية والكتابة الركحية. وبعد انسحاب توفيق الجبالي بقيت رجاء بن عمار صحبة المنصف الصايم فكتب هذا الثنائي الكثير من النصوص التي أغنت الساحة المسرحية. بدأ هذا الثنائي المؤسّس ل"مسرح فو" بكتابة نصوص العروض وإخراجها اعتمادا على السرد الشفاهي منطلقا للبحث واختبارا:"مجنون غرناطة" و"عرق" و"بستان جمالك" و"ساكن في حي السيدة" و"بيّاع الهوى"، ثم اقتبسا رواية جبرا إبراهيم جبرا "البحث عن وليد مسعود" وأخرجا منها عملا مسرحيا ناجحا هو "برج الحمام"، كما اقتبسا مسرحية "فاوست سنة 1997". ومعروف أنّ "مسرح فو" يملك فضاء خاصا به يسمى "مدار قرطاج" بصالمبو. عرفت نصوص "مسرح فو" بأنّها جماعية صيغت بلهجة عامية "مثقّفة". وهي تعتمد على الرقص والحركة أساسا. وقدّم الثنائي رجاء ومنصف عروضا استغل ّ فيها الرقص والكوريغرافيا لتعميق الحسّ الدرامي، كما في "برج الحمام" و"بياع الهوى" و"فاوست"...

وأمّا المجموعة الأخرى التي تأثرت ب "المسرح الجديد" بصفة غير مباشرة فهي مجموعة "المسرح العضوي". ومعظم المنتمين إليها هم تلاميذ لمجموعة "المسرح الجديد" في فترة إشرافهم على "مركز الفن المسرحي" في سنتي 1974 - 1975. تكوّنت هذه المجموعة من عزالدين قنّون وفتحي العكّاري ومصطفى الشريف وعبد المجيد الجلولي، ولسعد حواسني. وأوّل ما يلفت النظر هو التسمية ذاتها التي تحيلنا مباشرة على غرامشي (Gramsci) ومثقّفه العضوي، من حيث هي إشارة واضحة إلى المنحى السياسي لهذه المجموعة. ولكنّ هذه الاشارة إلى لفظ الالتزام السياسي لم تكن واضحة في إنتاج المجموعة، إذ بقيت التسمية دون محتوى "العضوي" بالمعنى الغرامشي للكلمة. بدأت أعمالها المسرحية بنصّ جماعي هو "الصفقة" قدّم في فرنسا ثم وُزّع بتونس في صيف 1981. وتتابعت مسرحيات الفرقة: "ليلة ضائعة تعود" و"خرّفني يعيّشك" و"منقع غزال". وكتب عز الدين قنون عدّة نصوص هي: "قمرة طاح" و"المصعد" و"طيور الليل"، و"حبّ في الخريف". وكان عزالدين قنون مخرج هذه النصوص. وقد آمن جماعة "المسرح العضوي" بأن "حضوريّة" الفعل المسرحي في نظرهم تعتمد على إيجاد نوع من "الواقعية العجائبية" (réalisme fantastique) إشارة وتلميحا إلى تأثّرهم بمسرح أمريكا اللاتينية (مسرح أوغستو بوال بالخصوص). وتعتبر مسرحية "حبّ في الخريف" أفضل ما كتب عزالدين قنون.

المجموعة الأخيرة التي أثرت في الكتابة المسرحية التونسية والتي تأثرت أيضا ب"المسرح الجديد" هي مجموعة "المسرح المثلّث" وعلى رأسها الحبيب شبيل الرسّام والمسرحيّ المعروف كتابة وإخراجا وديكورا.كتب شبيل "أشخاص وأزياء" و"أولاد باب اللّه" و"خيوط الليل" و"القافزون" و"السرك" و"قصر اللوح" و"الدرس" و"الدولاب" و"الكرنفال" و"سنفونية". إنّ أوّل عمل كتبه هذا الفنّان يعود إلى سنة 1974: "أولاد باب اللّه" لفرقة المغرب العربي. والحبيب شبيل رسام يرى المسرح صورة، والكلمات عنده تصوّر كما تصوّر الريشة. لكنّ كتابته ليست نهائية، لذلك أدرجناها ضمن الكتابة الجماعية لأنّه يُقَدّم لممثليه "نصاًّ أولياّ يفسرّ لهم عناصره ونظرته إلى العمل عموما، ومن هنا يبدأ عمل الممثل على الارتجال..." [نجيب عبد المولى: "المسرح المثلّث..." بحث درامي، المعهد العالي للفن المسرحي، تونس 1996]. لذلك يبقى نصّ الحبيب شبيل جدلي المنحى حسب رأي الممثلين وأحاسيسهم وانفعالاتهم. وهي طريقة اتبعتها كلّ المجموعات بَدْءًا بالمسرح الجديد وانتهاء بالمسرح المثلث، فطغى التأليف الجماعي على التأليف الفردي، إذ "أصبح النص المرتجل أي النص المكتوب من وحي الركح وايقاعاته تقليدا سائرا". [محمد مومن: المرجع المذكور].

وظهرت بعض النصوص الأخرى ولكنّها بقيت دون مستوى النصوص التي تحدثنا عنها آنفا وهي التي كانت في مجملها نتاجا لقناعة "تقنيّة" حول تصوّر مؤلفيها للكتابة الجماعية (بطريقة من الطرق جزئيا أو كليا). ونجد كُتّابًا آخرين آمنوا بقدرة المبدع الذاتية فأسهموا على طريقتهم في مسيرة الكتابة الدرامية التونسية، نذكر منهم: محمد رضا الكافي الذي كتب مسرحية "سينما سينما" التي قدمتها فرقة مدينة تونس وأخرجها محمد كوكة وهي مسرحية تعالج العلاقة الزوجية في ضوء التوترات الاجتماعية والنفسية بين الأزواج في فترة الثمانينات، تلك التوترات التي رافقت التحوّلات الاقتصادية العالمية وانعكاسها على التونسيين.

ويمكن أن نذكر أيضا في هذا المجال حمدي الحمايدي الذي كتب "الدالية" للمسرح العضوي و"الشقيقة" لفرقة مدينة تونس و"ماء البحر"، كما اقتبس الكثير من النصوص من المسرح الغربي. أمّا التجربة المتميزة التي نشأت بعيدة عن "المسرح الجديد" ومؤثّراته فهي تجربة نور الدين الورغي الذي يمكن اعتباره من أغزر كتّاب المسرحيّات باللهجة العامية ومن أنجحهم فنّيا. بدأ الورغي حياته المسرحية في فرقة الكاف مع كمال العلاّوي بنص "عبد الرحمان ولد الكاهية، ثمّ انتقل إلى فرقة جندوبة التي تأسست سنة 1978. كتب واقتبس وترجم مع محمد المديوني بعض النصوص: "موش عجب يقدر يصير" وهو أوّل عمل قدمته فرقة جندوبة، و"ترحيّم". ثم انفصل عن محمد المديوني وكتب مسرحية "يمّة راني وليدك"، وكانت هذه المسرحية عملا متميّزا في فرقة جندوبة، إلاّ أنّه لم يستطع أن يحقّق ما يصبو إليه ضمن هذه الفرقة فقرّر تكوين فرقته الخاصة صحبة زوجته الفنانة ناجية الورغي وتمّ ذلك سنة 1984, خاصّة أنّ هياكل الانتاج الخاص بدأت تتكاثر بعد أن استطاعت فرقة "المسرح الجديد" أن تحقق نجاحا جماهيريّا واسعا.

وتتالت النصوص التي مثّلتها فرقة "مسرح الأرض" وهي: "خميسة" 1983 و"فجرية" 1984 و"نوّار الكلتوس" 1985 و"حبّة رمّان" 1986 و"قربة بالعسل" 1987 و"حبق" 1988 و"نسمة وريحان" 1989 و"عشق وزنود" 1990 و"حاجة أخرى" 1991 و"إليك يا معلمتي" 1992 و"ريح ومديح" 1993 و"العارم" 1994 و"تراجيديا الدّيوك" 1995 و"حرقوس" 1998. ينطلق نور الدين الورغي في كتابته المسرحية من الركح ليعود إليه، ومن ثمّة فهي كتابة شديدة الالتصاق بالعرض/الركح وبعيدة عن الغنائية التي طغت على معظم النصوص المسرحية "الفصيحة" وأسهمت على نحو أو آخر، كما كتب بعضهم، في تهميش الكاتب المسرحي باعتبار أنّ أغلب من كتبوا للمسرح بالفصحى قد جاؤوا إلى المسرح من حقل الأدب. لذلك عمد المسرحيّون المحترفون إلى إعادة صياغة نصوصهم دراماتورجيّا. تميّز نور الدين الورغي بعمق الحسّ الدرامي وشاعرية اللغة المستعملة التي اكتسبها من حسّه الريفي المرهف وتكوينه الثقافي المتين، إذ بدأ يكتب الشعر بالفرنسية قبل أنّ يدخل عالم الكتابة المسرحية. وإذا تصفّحنا كتاب عمر بن سالم حول الرصيد المسرحي التونسي نجد أنّ الكثير من الكتّاب باللهجة العامية أسهموا إلى حدّ بعيد في تطوير الابداع الدرامي التونسي، نذكر منهم : عيد الحكيم العليمي وأحمد عامر، وحمادي المزّي الذي أتيحت له فرصة إخراج نصوصه قبل أنّ يخرج بعض نصوص عز الدّين المدني. كتب حمادي المزّي جلّ نصوصه باللهجة العامية مثل "أحبك يا متنبي" و"أليف لاشيء عليه" و"الدهليز" وغيرها. لكنّه بدأ في السنوات الأخيرة يميل إلى الاخراج أكثر من الكتابة. ولا يمكننا أن نقلّل من أهميّة ظاهرة الممثّل الواحد (One Man Show) في المسرح التونسي، وهي تجربة أقدم عليها عدّة مسرحيّين منذ فترة طويلة منهم: محمد إدريس في "حي المعلم" ونور الدين الورغي في جلّ أعماله. وقد استفحلت هذه الظّاهرة فأسالت حبرا كثيرا، وأثارت جدلا ونقاشا بين المهتمّين بالعرض المسرحي، خاصة بعد عرضي الأمين النّهدي "المكّي وزكيّة"، ورؤوف بن يغلان "مَثَلًا". وقد صدرت دراسة مهمّة لمحمود الماجري في مجلة "الحياة الثقافية" ["التمثيل الفردي، قديما وحديثا" العدد 88/أكتوبر 1997] انتهى فيها إلى اعتبار هذا النوع من العروض الدرامية "حالة مرضية يمرّ بها المسرح التونسي".

والملاحظة الأخيرة نختصرها في قولنا إنّ معظم المخرجين المسرحيين التونسيين جربوا الكتابة الدرامية: المنصف السويسي وعبد القادر مقداد وكمال العلاوي والعجمي حويج والمنجي بن إبراهيم وغيرهم، لكنّ عملهم الأساس باعتبارهم مخرجين طغى على نشاطاتهم الأخرى، دون أنّ نستثني المنصف السويسي الذي كتب "إليّ يتقال وإليّ ما يتقالش" وهي مسرحية قدمت سنة 1999 وأبرزت مواهب كاتبها في الابداع والتمثيل معا. وقبل أن نبدأ في التّعريف ببعض الكتابات المسرحية بالفصحى نبدي بعض الملاحظات:

1) إن الاقبال على النصوص المكتوبة باللغة العربية الفصحى قليل، لذلك ابتعد عدّة مخرجين وخاصة المتميزين منهم عن تقديم مثل هذه النصوص.

2) عندما لاحظ كتّاب المسرح باللغة العربية الفصحى أنّ نصوصهم تُنْشر للقراءة (إن نشرت) أو تهمل، فتر تحمّسهم للكتابة ولم يواصل إلاّ القليل منهم.

3) اختار مديرو الفرق الضغط على المصاريف، وتجنّبوا التعامل مع بعض كتّاب المسرح.

كلّ هذه العوامل جعلت الكُتّاب والأدباء يبتعدون عن الكتابة للمسرح، ولذلك نجد أنّ الكثير منهم بدؤوا تجربتهم في السبعينات أو حتى قبلها. فقد بادر عزّ الدين المدني مثلا بالكتابة المسرحيّة منذ أواسط الستينات ومازال ينتج حتى الان. وقد تزعّم تيارا خاصا في الكتابة المسرحيّة التونسيّة، وهو ما اصطلح على تسميته بالمسرح التراثي، إذ حاول، خاصة في البداية، أنّ يُنَظّر لتأصيل الكتابة المسرحية صحبة كوكبة من المسرحيّين العرب شرقا وغربا.وأثمر هذا التوجّه نصوصا استندت إلى الانشاء التراثي، والتجأت إلى أنماط فرجويّة تقليدية عرفتها المجتمعات العربية الاسلامية، فمزجت بينها، ولكنّها وجدت نفسها تصبّ في تيارات غربية، خاصة رؤية برشت الملحمية، هذا من الناحية الشكلية. أمّا من ناحية المضمون فإنّ هذا التوجّه لم يخرج على ما اصطلح على تسميته في الغرب بالدراما التاريخية. وفي السنوات الأخيرة كتب المدني "قرطاج" و"كتاب النساء" و"حفلة البكالوريا" و"ابن رشد" ومازال المدني يؤمن بأنّ "النص هو العمود الفقري للحفل المسرحي في معظم الأحيان وليس هو بجزئية صغيرة، كما يدّعي ذلك بعض المخرجين الغافلين أو المؤمنين بما يُسَمّى بالخلق الجماعي ["روّاد التأليف المسرحي" - بالاشتراك مع محمد السقانجي - الشركة التونسية للتوزيع، 1986]. وأمّا الكاتب الثاني المعاصر للمدني فهو سمير العيادي الذي بدأ كتابته للمسرح مع فرقة الكاف بمسرحية "عطشان يا صبايا" و"البعد" و"سندباد" و"عليسة" و"صابرة" بالعربية الفصحى، وكتب بالدارجة "خبز وطماطم وكرضونه" و"الزازية الهلاية" و"تحت السور". اجتهد سمير العيادي مسرحيّا ليمنح نصوصه لمسة خاصة بالنهل من التراث العربي الاسلامي (ألف ليلة وليلة) والتراث التونسي (جماعة تحت السور)، و (بيرم التونسي). وتعتبر مسرحية "سندباد" من أنضج نصوصه الركحيّة. ولم يكتف بالكتابة إبداعيّا باللغة العربية الفصحى أو الدارجة بل ترجم واقتبس الكثير من النصوص، نذكر منها "الأم كوراج" لبرشت و"هذا فاوست آخر" لجوته.

وأمّا البشير القهواجي فقد بدأ حياته المسرحية مع الفرق الجهوية عندما كتب نصّ مسرحية "المحارب البربري" الذي قدمته فرقة الكاف سنة 1977 بإخراج لكمال العلاوي، فأعلن عن ميلاد كاتب مسرحي، جاء من الشعر إلى المسرح مؤسّسا لكتابة درامية شعرية بدت أكثر وضوحا في نص "بيارق الله" الذي يمكن اعتباره من أفضل النصوص المسرحية التّونسيّة، كما كتب القهواجي بعد ذلك مسرحية "سيد أوروك" التي استوحى أحداثها من الأساطير البابلية وأساسا ملحمة جلقامش. وأمّا نصّه الأخير الذي قدّمته فرقة قفصة بإخراج عبد القادر مقداد فهو نص "أبو القاسم الشابي"، باللغة العربية الفصحى، تخللته بعض المقاطع بالدارجة. وأمّا عمر بن سالم الذي ترك بصمات على الكتابة الدرامية التونسية فقد كتب مسرحية "يوم اللاّت" (صدرت عن اتحاد الكتّاب العرب بدمشق وأخرجت هناك) وهي مستوحاة من الأساطير العربية الجاهلية. وكتب "العابثون بالحب أو المجانين"، و"عشتاروت" وهو نص شاعري اللغة عميق الحس الدرامي، يستحضر في مضمونه عشتاروت إلهة الحب والجمال والخصوبة عند البابليين. ويمكن اعتبار هذا النص من أهمّ النصوص المسرحية التي عادت إلى المنابع الأسطورية للمسرح. ومن ديكور عشتاروت استوحى مسرحيته "برج بابل"، ثم كتب "ليلى والسلطان" و"أسفار العهد الغابر" و"سجّان الملك الصالح". إنّ النصوص التي وظّف فيها عمر بن سالم الأسطورة كانت أكثر درامية وأكثر استجابة لتقنيات الكتابة المسرحية الحديثة في تونس.

وأمّا أحمد عامر فله بعض النصوص بالعربية الفصحى منها "اللعبة" و"لن يقبر الأحياء" و"هؤلاء عاهدوا الأرض"، ولكنّ أهمّ نصوصه كتبها بالدارجة، وخاصة تلك التي أخرجها عبد القادر مقداد لفرقة قفصة، مثل "حمّة الجريدي" و"الجراد" وغيرها. وأمّا عبد الحكيم العليمي فقد كتب أيضا مجموعة من النصوص بالفصحى، من أهمها "وكر النسور" التي أخرجها المنجي بن إبراهيم وقدّمها المسرح الوطني بإدارة منصف السويسي. ويمكن أنّ نعتبر أنّ أهمّ نصوصه هي تلك التي كتبها بالعامية، وخاصة تلك التي قدّمتها فرقة قفصة مثل مسرحية "العريش" و"عرس هارون" التي أنتجها مركز الفنون الدرامية بقفصة وأخرجها عبد القادر مقداد.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • محمد مسعود إدريس ، بيبليوغرافيا المسرح التونسي،1881-1965، المعهد العالي للفن المسرحي ودار سحر للنشر، تونس ،1994.
  • تاريخ المسرح التونسي:نصوص ووثائق، دار النشر المعهد العالي للفن المسرحي، تونس، 2007.
  • دراسات في تاريخ المسرح التونسي،المعهد العالي للفن المسرحي ودار سحر للنشر، تونس، 1994.
  • تأليف جماعي، دراسات في المسرح التونسي، وزارة الثقافة، إدارة المسرح، تونس، دت.
  • جماعي، قرن من المسرح التونسي،الدار العربية للكتاب، وزارة الثقافة تونس،2001
  • بن سالم عمر، الرصيد المسرحي بوزارة الثقافة، مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، تونس، 1993.
  • يحي محمد في الدرب المسرحي،الشركة التونسية للتوزيع، تونس،1983.
  • وناس مصطفى، منطلقات وتوجهات التجربة المسرحية في تونس، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1985.
  • السقانجي محمد، فرقة مدينة تونس للمسرح،شركة كاهية للنشر، تونس،1982.
  • المدني عز الدين السقانجي محمد، رواد التأليف المسرحي في تونس، الشركة التونسية للتوزيع، تونس،1986 .
  • Abbassi Ezzeddine, L’écriture théâtrale en Tunisie post coloniale 1964-1982.Mutation et problèmes, thèse de troisième cycle sous la direction de jacqueline Jomaron, Paris X , Décembre,1985.