السينما التونسية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

البدايات[عدّل]

لمّا كان الاختراع فرنسيا وتونس مستعمرة فرنسية فإن التونسيين لم ينتظروا طويلا حتى يشاهدوا بأم أعينهم تلك الآلة العجيبة التي أسماها مخترعاها لويس وأوغست لوميار" "السينماتوغراف". ذلك أن أول عرض سينمائي نظّم في تونس كان سنة 1897 أي بعد سنتين فقط من أوّل عرض نظّمه الأخوان لوميار في المقهى الكبير بباريس. أمّا أوّل لقطات صوّرت في تونس فكانت سنة 1896 إذ أرسل الأخوان لوميار مصوّريهم فصوّروا أهم معالم تونس العاصمة مثل باب سويقة وباب البحر وباب سعدون وبعض أسواق المدينة.

ألبار شمامة شيكلي

وقد انبهر شاب يهودي من سكان تونس يدعى ألبار شمامة شيكلي بهذا الاختراع الجديد وظلّ يحاول الحصول على كاميرا لينفّذ عدّة مشروعات بعد أن شاهد الأفلام الأولى التي صوّرها جورج ميلييس وبعد أن أصبحت الأفلام تعرض بانتظام في تونس، إذ تأسست سنة 1907 وكالة لتوزيع الأفلام وافتتحت سنة 1908 أوّل قاعة تجارية للعروض السينمائية.

هايدي شيكلي تمزالي

في سنة 1922 صوّر ألبير شمامة شيكلي أوّل فيلم تونسي قصير بعنوان "زهرة" من بطولة ابنته هايدي شيكلي التي أصبح اسمها فيما بعد هايدي تمزالي. وبعد ذلك بسنتين صوّر أوّل فلم طويل بعنوان "عين الغزال" أو "فتاة قرطاج" من بطولة ابنته أيضا. لئن لم يعتبر عدّة مؤرّخين الشيكلي تونسيّا لأنّه يهودي فرنسي الثقافة إلا أنّ نظرة متأملة في أعماله تكشف أنّه تونسيّ الهويّة وإن كان فرنسي اللّسان.

ظلّت الأفلام يصوّرها في تونس أجانب معجبون بالمناظر الطبيعيّة لهذا البلد التي لا تبعد كثيرا عن أوروبا وتوفّر مختلف العناصر التي يبحث عنها السينمائيون عادة مثل البحر والصحراء والجبل إلى جانب ما تنفرد به تونس من ضوء وأشعة، انبهر بها بول كلي الرسام الألماني الشهير عند زيارته لتونس والقيروان والحمامات في بداية القرن العشرين. لم يتحقق الانتاج السينمائي الوطني إلا بعد الاستقلال وإن كانت السينما قد أصبحت من مقوّمات المشهد الثقافي في تونس منذ الثلاثينات وخصوصا بعد أن عرضت الأفلام المصرية الأولى التي أقبل عليها الجمهور إقبالا شديدا وأصبح الاستغلال السينمائي وإنشاء القاعات السينمائية تجارة مزدهرة انتقلت من العاصمة والمدن الكبرى إلى مختلف مناطق البلاد التونسية.

بقيام دولة الاستقلال تفطّنت إلى أنّ السينما وسيلة مهمّة في عمليّة البناء والتنمية فكان مشروع إنشاء شركة وطنية للانتاج السينمائي سنة 1957 وهي الشركة التونسية للتنمية السينمائية والانتاج، وفي الوقت نفسه تأسّست في صلب وزارة الثقافة مصلحة للسينما. في العشرية الأولى بعد الاستقلال ظل المشهد الفنّي في تونس غير مكتمل إذ برز شعراء وكتاب ومسرحيون ومغنون وموسيقيون ورسّامون لكن لم يبرز سينمائي واحد، ولم ير الجمهور التونسي فلما طويلا من صنع تونسي كتلك الأفلام التي تعوّد على مشاهدتها على الشاشة والقادمة من مصر أو فرنسا أو أمريكا أو إيطاليا، وإن كانت المجلات التي تعنى بالسينما موجودة مثل مجلة "نوادي السينما" التي صدر عددها الأوّل سنة 1958 وكان يرأس تحريرها الطاهر الشريعة.

مجنون القيروان

ولئن غاب الانتاج في العشرية الأولى من الاستقلال فإنّ الجدل كان قائما حول السينما وكانت حركة نوادي السينما متطورة والنوادي منتشرة في مختلف المدن التونسية يؤمّها عشاق الفن السابع. وكانت الأفلام التي تعرض داخل هذه النوادي تختار بعناية لتكون محورًا لمناقشات ثريّة لا تقتصر على الحوار حول ما تطرحه الأفلام من أفكار وقضايا بل تتعدّاه إلى الخوض في خصوصيات اللغة السينمائيّة، وهو ما أنشأ جيلا ملمّا بخصائص الخطاب السينمائي مطّلعا على مختلف المدارس والاتّجاهات وهو جيل سيكون له دور بارز في الحركة السينمائية بتونس.ولم يظهر في تونس إنتاج سينمائي وطني صميم إلا بعد مضيّ أكثر من عشر سنوات على الاستقلال. ويمكن القول إنّ المشهد السينمائي في تونس يتميّز بثلاث ظواهر فريدة:

ظاهرة السينمائيين الهواة[عدّل]

جيل من السينمائيين الذين تدرّبوا في صلب نوادي السينمائيين الهواة المنتشرة في مختلف المناطق حيث كان يلتقي شبان مولعون بالسينما ويحاولون أن يتخذوها وسيلة تعبير بإمكانات بسيطة لا تستجيب لشروط الانتاج التقليدية (كاميرا خفيفة 16 أو 8 مم، كل ّ أعضاء الفريق متطوّعون وكثيرا ما تكون كتابة السيناريو جماعية) وكانت النتائج في كثير من الأحيان مشجّعة. ولقد استطاع هؤلاء الشبان أن يجربوا استخدام الكاميرا والتمرّس بفنّ الاضاءة وتوصلوا إلى قيادة ممثلين والجلوس إلى طاولة المونتاج وعرض أفلامهم ومناقشتها في مهرجان بعث لهذا الغرض سنة 1964 وهو مهرجان قليبية الدولي لأفلام الهواة. والنتيجة أنّ عدّة مواهب برزت في هذه المدرسة في غياب معهد أكاديمي لم تر الدولة ضرورة لبعثه لأسباب موضوعية (انعدام صناعة سينمائية، توفر إمكان التكوين في دول صديقة وشقيقة). في فضاء الجامعة التونسية للسينمائيين الهواة ومهرجان قليبية الدولي لأفلام الهواة كان ظهور أحمد الخشين ورضا الباهي وعبد الوهاب بودن، فقد أخرج أحمد الخشين في إطار الهواية فلما طويلا بعنوان "تحت مطر الخريف" ثمّ فلم "الدّمية" الذي أنجزه سنة 1966 وكان برهانا كافيا على قدرة هذا الفنان على حذق اللغة السينمائية والتعبير بصدق وحرارة عمّا يخالجه من تصوّرات وخواطر. وأمّا رضا الباهي فإنّ فلمه "عتبات ممنوعة" الذي أنجزه في إطار الهواية أيضا كان شهادة ميلاد فنّان مسكون بهاجس التعبير بالكاميرا واقتحام مناطق محظورة (الجنس) لم تطأها قدم سينمائي قبله. وأمّا عبد الوهاب بودنّ فقد أخرج مجموعة من الأفلام التي مازالت تشهد بنبوغه المبكّر، ولولا تفضيله الفلاحة على السينما لكان علامة بارزة في سجلّ السينما التونسية. والقائمة تطول لتشمل فريد بوغدير الذي أخرج أفلامه الأولى على سبيل الهواية في الفضاء نفسه، وعبد الحفيظ بوعصيدة ومحمد دمّق وسلمى بكّار والطيب الوحيشي.

ظاهرة نوادي السينما[عدّل]

ولمّا كانت السينما اختراعا فرنسيا والفرنسيون قد تفنّنوا في الإفادة من هذا الاختراع وفي جعل السينما أداة مهمّة لنشر الثقافة محليا وخارجيا فإنهم كانوا حريصين في تونس على إنشاء نواد للسينما تعرض فيها على الجمهور أفلام فرنسية أو غربية، فانتشرت النوادي في البلاد التونسية وترسّخت تقاليد العروض السينمائية المنظمة التي يدعى إليها جمهور معيّن له حدّ أدنى من الثقافة السينمائية للمشاهدة والنقاش. وعندما استقلت تونس ظلّت هذه الهياكل موجودة وحلّ التونسيون محل الفرنسيين. وأدخل التونسيون تقاليد جديدة فلم تعد العروض مقتصرة على أفلام فرنسية أو غربية بل شملت الأفلام المصريّة أيضا فتعرّف الجمهور إلى أفلام صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وتوفيق صالح وهنري بركات وكمال الشيخ. وكان أغلب المشرفين على النوادي من الأساتذة والمدرّسين وكان لهم دور في جلب تلاميذهم إلى هذه الفضاءات فأصبحت عروض نوادي السينما مكوّنا مهمّا من مكوّنات التحصيل العلمي والثقافي. وداخل هذه النوادي أصبح شبان كثيرون شغوفين بالسينما فكان اتجاههم نحو التخصّص فيه مثل الطيب الوحيشي والنوري بوزيد، كما أنّ نقادا مثل محمد محفوظ ومصطفى نقبو والمنصف شرف الدين وعبد الكريم قابوس والهادي خليل، نهلوا من ذلك الينبوع.

إنّ للجامعة التونسية لنوادي السينما وللجامعة التونسية للسينمائيين الهواة فضلا كبيرا في صقل عدّة مواهب. وقد استطاع هذان الفضاءان أن يقوما مقام المعهد الأكاديمي بل لعل أحد الأسرار في تفرّد السينما التونسية من حيث الموضوعات والتقنيات متأت من كون أغلب مخرجيها تعلّموا السينما خارج جدران المعاهد الأكاديمية التي كثيرا ما تحصر تحصيل الطلاب في نماذج وقوالب نظريّة ولا تمنحهم الحريّة في التجريب.

ظاهرة سياسة الدعم السينمائي[عدّل]

لقد ظلّت تونس منذ ثلاثينات القرن الماضي سوقا لعرض الأفلام الأجنبية ومجالا لشركات التوزيع لترويج أفلامها وظلّ هذا القطاع غير خاضع لأي إجراءات حمائية حتى في السنوات الأولى من الاستقلال. ولم تفكّر الدولة في تقنين توريد الأفلام وإخضاعه لشروط معينة إلا في بداية السبعينات حين أصبح توريد الأفلام من اختصاص الشركة التونسية للتنمية السينمائية والانتاج بل إنّها في وقت ما أصبحت تحتكر هذا النشاط لكنّ ذلك لم يدم طويلا، ففي نهاية السبعينات سمح لموزعين خواص بالنشاط من جديد. وقد تساءل السينمائيون منذ البداية: لمَ لا يكون لقطاع التوزيع والاستغلال دور في الانتاج السينمائي ؟ وطرحوا سؤالهم في صيغة أخرى: لمَ لا تموّل السينما نفسها بنفسها؟ وظلّ هذا السؤال مطروحا بإلحاح. وكانت وجهة نظر السينمائيين هي أنّ توظّف الدولة أداء على عرض الأفلام الأجنبية في تونس وتجمع تلك الأداءات في صندوق تكون وظيفته دعم الانتاج السينمائي بتقديم منح ومساعدات للأفلام التي تتوفّر فيها شروط محدّدة. وهي أطروحة ستجد طريقها إلى التنفيذ في بداية الثمانينات إذ صدر الأمر عدد 823/81 المؤرخ في 23 ماي 1981 والخاص بطرق التصرّف في صندوق تنمية الانتاج والصناعة السينمائية، وهو صندوق تتأتى مداخيله من ضريبة موظفة على الموزّع عند حصوله على تأشيرة استغلال تجاري لكل فلم أجنبي روائي طويل ومن ضريبة موظفة على مداخيل القاعات قدرها 6% من مجمل المداخيل. وتكوّنت لجنة المساعدة على الانتاج السينمائي، وكانت تضمّ إلى جانب الرئيس اثني عشر عضوا يمثلون مختلف الهياكل والجهات المعنية بالانتاج السمعي - المرئي فضلا عن ممثلي المهن السينمائية (الغرفة النقابية لمنتجي الأفلام والجامعة التونسية لنوادي السينما والجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي ومؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية واتحاد الكتاب التونسيين) وممثلي وزارة الثقافة والغرفة النقابية لموزعي الأفلام ومستعمليها. وقد استطاع هذا الصندوق أن يوفر فرصة للمنتجين لينجزوا أفلاما عدّة نالت الاهتمام لجودتها مثل "ريح السد" للنوري بوزيد و"عصفور السطح" لفريد بوغدير و"الهائمون" للناصر خمير و"صمت القصور" لمفيدة التلاتلي. ورغم أنّ السينما التونسية أنتجت في الثلاثين سنة الماضية عددا قليلا من الأفلام فإنّ تنوع هذه الأفلام وثراءها غطّى على تواضع الناحية الكميّة.

الأفلام التونسيّة الطويلة[عدّل]

أنتجت تونس أوّل فلم سينمائي روائي طويل سنة 1966 وقد عرض على الجمهور في 20 مارس 1967 بمناسبة الاحتفال بعيد الاستقلال. وعلى مدى عقود ثلاثة تواصل الانتاج السينمائي بوتيرة منتظمة وهي معدّل فلمين طويلين في السنة.

تنوع الاتجاهات والرؤى[عدّل]

شريط الفلاقة لعمار الخلايفي

كان موضوع التحرّر الوطني محور الأفلام الأولى التي أنتجت في كثير من البلدان وخصوصا تلك التي ظهر فيها الانتاج السينمائي الوطني غداة الاستقلال مثل الجزائر وتونس والسينغال وبوركينا فاسو. وقد وجد عدد من المخرجين التونسيين في النضال الذي خاضه الشعب التونسي ضد المستعمر مادة سينمائية فكان "الفجر" الذي صوّر سنة 1966 وقد حاول فيه مخرجه عمار الخليفي إبراز جانب من جوانب المواجهة بين الأهالي والمستعمر ثم كان فلم "الفلاقة" لنفس المخرج وفلم "سجنان" لعبد اللطيف بن عمار. ورغم أنّ الأفلام الثلاثة تدور حول موضوع واحد فإن رؤية مخرجيها تختلف اختلافا بيّنا. ف"الفجر" و"الفلاقة" يسيطر عليهما منطق ميلودرامي إذ تقدم الأحداث والشخصيات برؤية أحادية الجانب وبنمطيّة وبأسلوب نثري تقريريّ لا بحث فيه ولا ابتكار. أمّا مخرج "سجنان" فتوخى أسلوبا مغايرا إذ قدم شخصياته برؤية أقرب إلى الواقعية ومزج بين الذاتي والموضوعي بكفاية عالية بحيث يلتبس العمل النقابي بالعمل الوطني وتتداخل الشواغل الذاتية والشواغل العامة في لغة تعتمد الصورة أساسا للخطاب وتقدم المشاهد بحساسية مرهفة تضفي على الفلم شاعريّة واضحة.

أفلام التحوّلات الاجتماعية[عدّل]

وفي السياق نفسه يمكن إدراج أغلب الأفلام التونسية التي أنتجت في السبعينات من القرن العشرين، فبعد نخوة الاستقلال بدأت تظهر المشكلات الاجتماعية الناتجة عن الاختيارات الاقتصادية التي أقرّتها الدولة الناشئة والمرتبطة بنمط التنمية الذي اعتمد في السنوات الأولى من الاستقلال. ففي تلك الأفلام صدى للتحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع التونسي. فإبراهيم باباي في فلم "وغدا" يتناول موضوع النزوح الريفي من المناطق الريفية إلى العاصمة مدفوعين بحلم الحصول على عمل سهل مريح يجنّبهم عناء العمل الفلاحي وخشونته، لكنّهم في المدينة يواجهون مشكلات لا تحصى ويكتشفون أنّ الأبواب ليست مشرعة في وجوههم وأنّ الحصول على عمل مريح سراب وأضغاث أحلام. وقد انتقد باباي في فلمه ذاك بنبرة عالية الاختيارات الاقتصادية التي جعلت مناطق البلاد الداخلية محرومة من الخدمات ومن فرص التنمية والاستقرار في حين ركزت المشروعات في المدن الكبرى وعلى الشريط الساحلي. وفي فلم "تحت مطر الخريف" لأحمد الخشين يعالج المخرج مشكلات اجتماعية من منظور آخر إذ يعرض ما تعانيه ربّة أسرة اضطرتها الظروف للعمل لاعالة أسرتها. وفي الفلم تعريض بالنظام الاجتماعي الذي لا يوفّر الحماية الاجتماعية لمن هم في حاجة إليها. وستكون النبرة أعلى في فلم "شمس الضباع" لرضا الباهي إذ يبرز الآثار السلبية التي تنجرّ عن تحويل كثير من المناطق الساحلية إلى مناطق سياحيّة، فيصوّر الفلم قرية فلاحية يعيش أهلها من الفلاحة والصيد، لكنّ مستثمرين أجانب يأتون ويحوّلون القرية إلى منتجع سياحي فتنقلب القيم والمفاهيم ويصبح الفلاحون باعة متجولين للبطاقات البريدية. أمّا الصيادون فيستغلون مراكبهم في الترفيه عن السياح وإذا اشتاقوا إلى السمك اشتروه معلّبا.

ويستمرّ هذا الاتجاه حتى بداية الثمانينات فنرى صداه في "عزيزة" لعبد اللطيف بن عمار إذ يعرض القيم الجديدة التي أصبحت تسيطر على المجتمع وعلى الشباب خصوصا إذ أصبح الحلم بالثراء السريع هو الهاجس اليومي لشريحة من الشبان الذين لفظتهم المعاهد والكليات ولم يجدوا شغلا. كما يقدم الفلم صورة المرأة التي ظلّت رغم الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن تحريرها أسيرة عقلية متخلفة مازالت تسيطر على أذهان الكثيرين من الرجال. ويخلص الفلم في النهاية إلى أنّ العمل وحده يمكن أن يحرّر المرأة من خضوعها للرجل. وفي "ظلّ الأرض" يتناول الطيب الوحيشي موضوعات ذات صبغة اجتماعية صميمة مثل الآثار الجانبية للهجرة لا سيّما إهمال الأرض واضطرار الشباب إلى الهجرة لجمع ما يكفي من المال لبعث مشروع ما. لكنّ بعضهم يعودون في توابيت مجسّدين إجهاض الحلم الذي ظلّ يراود عائلات بكاملها. وفي الثمانينات ظهر اتجاه جديد سعى إلى التعبير عن وجوه من الحياة الاجتماعية في تونس بتصوير تجارب شخصية وخبرات ذاتية قام بها مخرجون تدربوا طويلا على الكتابة السينمائية وانفتحوا على تجارب أجنبية وتأثّروا بها (يوسف شاهين، إليا كازان) ، وهو اتجاه سينما المؤلف. ولئن كانت سينما المؤلف في بعض البلدان ترفا فكريا أو اختيارا واعيا ومضمرا أو تمرّدا على نمط سينمائي سائد يفرضه المنتجون عموما فإن سينما المؤلف في تونس ظاهرة تكاد تكون طبيعية أو هي نتيجة لخصوصية المشهد السينمائي التونسي. وفي تونس لم تطرح قط مسألة سينما المنتج أو السينما التجارية لأن المنتج مفقود. فالسينما التونسية هي سينما ناشئة لم يمض على ولادتها سوى ربع قرن. وفي هذه الفترة تحوّل المخرجون مكرهين إلى منتجين لأنهم أرادوا أن ينجزوا أفلاما فلم يجدوا الأطر القانونية فأصبح لكل مخرج شركة إنتاج. إن ّ تحولّ هؤلاء المخرجين إلى منتجين لم يكن وراءه دوافع اقتصادية، ذلك أنّ الفلم التونسي لا سوق له، ومن ثمّة فلا يرجى ربح مادي من إنتاجه، وتلك إحدى معضلات السينما التونسية. وتاريخ السينما في تونس مليء بالمفارقات التي تؤكد ذلك، ففلم "سجنان" مثلا لم يبرمج قط في القاعات التجارية وكذلك فلم "السّامة" لناجية بن مبروك أو "الملائكة" لرضا الباهي و"طوق الحمامة المفقود" لناصر خمير و"رقية" للفيتوري بلهيبة.

ف"الهائمون" لناصر خمير يتناول من منظور شخصي علاقة العرب بتراثهم في الأندلس. و"الملائكة" يبرز سطوة المال ونفوذه وانتصار قيم الانتهازية على قيم الوفاء والبذل. و"السامة" يبرز المصاعب التي تعترض فتاة شابة تقرر التمرّد على نواميس مجتمع رجالي متخلف، أمّا "ريح السدّ" للنوري بوزيد فهو يكشف عن عورة مجتمع يمارس الاضطهاد والظلم فيفرز المعطوبين. وفي شريط "عرب" للفاضل الجعايبي تصوير للعقلية القبلية والعشائرية التي مازالت تتسبّب في الكثير من المصائب والمآسي. أمّا فلم "رقية" فهو تجسيد لمعاناة أرملة تعيش في إحدى قرى الجنوب قدرها أن تواجه تخلّف المجتمع وتزمّته. وفي "صفائح من ذهب" للنوري بوزيد تصوير لمعاناة مثقّف يساري معطوب اكتشف زيف الشعارات التي ناضل من أجلها بقراءة ذاتية لحقبة السبعينات وكتابة ذاتية أيضا لتجربة عاشها المخرج نفسه. وفي "طوق الحمامة المفقود" يعود الناصر خمير إلى الأندلس ليقدّم فلما عن العشق وعن استحالة التواصل. وفي "عصفور السطح" يعيد فريد بوغدير بناء الحياة اليومية في حي الحلفاوين في تونس في الخمسينات ويصور الخيبات التي عاشها وهو طفل يتدرّج نحو المراهقة.

وقد انضاف إلى هذه القائمة فلم "صمت القصور" لـمفيدة التلاتلي الذي يعكس أيضا تجربة شخصية ويظهر المعاناة التي كانت المخرجة طرفا فيها وإن لم تكن الشخصية الرئيسة. من خصائص هذه الأفلام أنّ مخرجيها هم أنفسهم الذين كتبوا لها السيناريوهات، ومن ثمّة فهي أفلام مؤلفين بل إنّ بعضها اعتبر سيرة ذاتية لأصحابها مثل "ريح السد" و"صفائح من ذهب" و"السامة" و"عصفور السطح" و"صمت القصور". وهي تعكس جانبا مهمّا من حياة مخرجيها، كما تمتاز بحساسيّة فائقة وبصدق شديد في تصوير الشخصيات والأحداث.

تكمن المفارقة في أنّ هذا النمط من الأفلام لا يحقق في العادة نجاحا تجاريا بل هو موجّه إلى النخبة، إلاّ أنّ بعض السينمائيّين استطاعوا حلّ هذه المعادلة أو المعضلة التي استعصت على الحلّ في بعض البلدان رغم عراقتها في مجال الابداع السينمائي (مصر، الهند، فرنسا) . ومن المفارقات العجيبة في تاريخ السينما التونسية أنّ الأفلام التي حاولت أنّ تساير بعض الأنماط الانتاجية التقليدية قد باءت بالفشل الذريع فنيا وتجاريا في حين حققت بعض الأفلام التي لا تحمل مواصفات تجارية نجاحا منقطع النظير ربما لأنّها أفلام مؤلفين فيها شحنة عالية من إبداع أصحابها وجهدهم. حاول رضا الباهي سنة 1984 خوض تجربة الأسواق الخارجية وخصوصا العربية فاعتمد في فلمه "الملائكة" على ممثلين مصريين هما : كمال الشناوي ومديحة كامل فقاما ببطولة الفلم وكان حوار الفلم باللهجة المصرية اعتقادا من المنتج أنّ ذلك من شأنه أن يفتح أمامه الأسواق العربية، وهو ما لم يحدث فجاء الفلم باهتا وغير واقعي لأن وقائعه تجري في تونس في حين تتحاور الشخصيات باللهجة المصرية. وكأن رضا الباهي لم يقتنع بأنّ المسألة لا تتعلق بلهجة أو جنسية الممثلين بقدر ما تتعلق بالصدق والأصالة فأعاد الكرّة مع ممثلين عالميين: جيلي كريستي وبان كازارا وجان كارماي لكنّ الفلم الذي شاركت في إنتاجه أطراف عدّة جاء فضفاضا مترهلا بلا روح بسبب التنازلات التي قدّمها المخرج لمنتجي "الذاكرة الموشومة".

موضوعات وأساليب بعدد المخرجين:[عدّل]

لئن تناول الجيل الأوّل من المخرجين القضايا المتعلقة بالكفاح الذي خاضه التونسيون من أجل الاستقلال (الفجر، الفلاقة، سجنان) ثم القضايا الاجتماعية المرتبطة بمجتمع نام حديث العهد بالتحرّر من الاستعمار ومن قرون تخلّف (تحت مطر الخريف، وغدا، حكاية في منتهى البساطة، في بلاد الطررني، إلخ...) ، فإن الجيل الثاني من المخرجين تناول موضوعات ذات صلة بالتجربة التي عاشها اجتماعيا وسياسيا وثقافيا. والجدير بالملاحظة أنّه لا يوجد تقريبا مخرجان اثنان تناولا الموضوع نفسه، فالموضوعات كانت على عدد الأفلام. وقد أفرز هذا التنوع إحساسا بأن السينما التونسية أصبحت غزيرة الانتاج وهي التي في الواقع لا تنتج أكثر من فلمين في السنة. وهذه الأفلام التي تنوعت موضوعاتها تعكس تمكّن مبدعيها من أدوات الكتابة السينمائية. فأفلام السبعينات ظهر فيها تعثّر الخطوات الأولى. أمّا أفلام العشرية الماضية فقد عكست امتلاك أصحابها لناصية الكتابة السينمائية السليمة مع الانفتاح على مدارس مختلفة في التعبير السينمائي. فالنوري بوزيد في فلمه الأوّل "ريح السد" مارس كتابة كلاسيكية تعتمد السرد وتحريك الشخصيات في مسارات متوازية حينا ومتشابكة حينا آخر للوصول إلى بؤرة صراع تنفجر فيها المواقف وصولا إلى الذروة فالحل. أمّا في فلمه الثاني "صفائح من ذهب" فإنّ كلّ المسارات متشابكة والحاضر ممزوج بالماضي والذكريات تتخلّل الوقائع الاتية والحلم غير مفصول عن الحقيقة والزمن السينمائي يصبح أحيانا مساويا للزمن الواقعي. أمّا ناجية بن مبروك في "السامة" فقد اعتمدت أسلوبا صورت فيه الواقع من الزوايا التي تظهر فظاظته مركّزة الاهتمام على البعد الاجتماعي والنفسي في رسم شخصية بطلتها بأسلوب بسيط مؤثّر يذكّر بأفلام الواقعية الجديدة التي ميزت أعمال جيل كامل من المخرجين الايطاليين، في حين يركّز الناصر خمير عنايته على البعد التشكيلي في أسلوب كتابته; ففي "الهائمون" استغلّ الامكانات التشكيلية التي تتيحها الصحراء بكثبانها واتّساع مداها كما استغلّ ما تمنحه الهندسة المعمارية العربية الأصيلة من فرص لابتكار نسق متميز في الاطار السينمائي، فجاء "الهائمون" و"طوق الحمامة المفقود" مشتملين على قيمة تشكيلية عالية طغت على المضمون الذي بدا غير واضح في الفلمين أو بدا باهتا أمام الاحتفاء الزائد بجمال الصورة والديكور والملابس.

أمّا في "عرب" فإنّ الفاضل الجزيري والفاضل الجعايبي مارسا أسلوبا أقرب إلى الفنّ التعبيري في نقل مسرحية إلى فلم سينمائي فاستغلاّ ما تتيحه الكاميرا من إمكانات لشحن الصورة: القسوة والاختناق والمأزق، وهي الأحاسيس التي غمرت مشاهد الفلم وعبّرت عن مزاج شخصياته. فمن خصائص سينما الثمانينات هذا التنوّع في الرؤية وفي الموضوعات وهذا الحذق الكبير للتعبير الفلمي وهذه العلاقة التي طالما ظلت مفقودة بين السينما التونسية وجمهورها. أمّا الفلم القصير فيعتبر رافدا مهمّا من روافد الابداع السينمائي في تونس. وقد ازدهر إنتاجه خصوصا في الثمانينات من القرن العشرين إثر إنشاء صندوق تنمية الانتاج والصناعة السينمائية. ففي البداية كانت الأفلام القصيرة تنجز حسب الطلب (أفلام صناعية أو أفلام إعلامية أو أفلام تطلب إنجازها هيئات رسمية) . ثمّ أصبح الفلم القصير في العشرية (1985 - 1995) مجالا إبداعيا للبعض بحيث يختار المخرج الموضوع الذي يلحّ عليه دون أن يملي عليه أحد موضوعا بعينه أو مواصفات بعينها. لذلك أفرز هذا الهامش من الحرية أفلاما شديدة التفرّد.

أمّا مخرجو الأفلام الوثائقية في تونس من 1985 إلى 1995 فقد خلّصوا الفلم الوثائقي من التقريرية لينطوي على بعد روائي، فتحوّل مشروع فلم عن مسرح مدينة تونس من مجرد وثيقة عن معلم ثقافي وحضاري إلى تحفة فنية فيها احتفاء بالمسرح وبأهله: "ثلاثة شخوص يبحثون عن مسرح" لكلثوم برناز "أنشودة حب" لمسرح مدينة تونس الذي كاد يزول لتقوم مكانه مشروعات تجارية. كان ذلك دافعا للمخرجة على حفظ هذا المعلم التاريخي والثقافي في شريط حسّاس فإذا ما هوى يوما تحت معاول الاستثمار فإنّ صورته ستظلّ راسخة في الذاكرة فتحفظ ذكريات الذين وقفوا على خشبته. وتستوقفنا المخرجة عدّة مرات لتقدّم لنا في مشاهد غير وثائقية الفنانين الذين ملأت أصواتهم فضاء المسرح مثل يوسف وهبي وأمينة رزق وجورج أبيض وحبيبة مسيكة والشيخ العفريت وصليحة وعلي الرياحي.

وفي "رباط" لحميدة بن عمار لا نرى تسجيلا بالصورة والصوت لرباط المنستير بل نشاهد عالما ناطقا بحياة المرابطين وتشخيصا لمظاهر الزهد والتقوى بإعادة بناء صوتي فقط لطقوس عبادتهم ومن تجوال الكاميرا في زوايا الرباط الذي أعاد إليه حميدة بن عمار الحياة. وفي "الحضرة" لمنصف ذويب ينطلق المخرج من ظاهرة الحضرة باعتبارها احتفالا شعبيا صوفيا ليغوص في أعماق الوجدان الثريّ بالتخيّل بلغة سينمائية رشيقة جعلت الفلم في منطقة التماس بين الوثائقي والروائي، فيه قوة الوثائقي من حيث هو وثيقة للتسجيل والحفظ وفيه طرافة الروائي وتشويقه وغموضه. ومنطقة التماس هذه يندرج ضمنها الكثير من الأفلام التي أنتجت في الثمانينات مثل: "اللود" لحميدة مخلوف و"البشير خريف" لعلي العبيدي و"نظرة نورس" لكلثوم برناز و"من قرطاج إلى واقادوقو" لخالد البرصاري. ورغم أنّ الفلم القصير لا يبدو مهيّأ ليكون روائيا أو دراميا لأنّ ذلك يستدعي امتدادا للشخصيات وعرضا لنسيج كامل من العلاقات ومن المواقف والأمزجة والدوافع والمبررات فإنّ عدّة مخرجين في تونس من 1985 إلى 1995 استطاعوا إنجاز أفلام روائية قصيرة تحمل تماما كالأفلام الطويلة مضامين وأفكارًا ومواقف، وتقدّم شخصيات لها أبعادها النفسية والاجتماعية وكلّ ما تستدعيه قواعد البناء الروائي. ففي "حكاية الحكاية" استطاع المخرج علي العبيدي خلال خمس عشرة دقيقة أن يبرز لنا انتهازية بطله الذي جاء ليقابل خطيبة رفيقه المختفي في ظروف غامضة ولأسباب سياسية أو نقابية، فيبيح لنفسه أن يكذب على الفتاة وأن يستدرجها إلى فراشه.

وفي "البرقع" لتوفيق الرايس تصوير لمعاناة فتاة تجد نفسها ملزمة باتباع نواميس اجتماعية معينة وبالخضوع لسلسلة من الطقوس والشعائر التي تصاحب استعدادها للزواج بحيث عليها أن تظلّ ملثّمة حتى لا ينفذ إليها نور القمر وإلا فإنّها ستتحوّل إلى عروس بحر نصفها آدمي ونصفها الاخر سمكة. لكن في ليلة مقمرة تتخلّى الفتاة عن حجابها وتخرج إلى القمر متجهة إلى البحر لتغطس فيه فتغتسل من أدران خرافات العجائز. وفي "ثلاثي نهوند" لبلقاسم الجليطي تصوير لثالوث من الفنانين المسنّين الذين جمعهم حبّ الموسيقى وآلف بينهم فظلّوا يلتقون في المدينة العتيقة ليتسامروا ويعلّموا الموسيقى لفتاة صغيرة تتردد عليهم بين الحين والاخر. لكنّهم يختفون الواحد بعد الاخر دون أن يحسّ باختفائهم أحد ودون أن يتحرّك شيء في المدينة وكأّنّ الفنّ الأصيل لم يعد يثير الاهتمام. أمّا "الموت أمامكم" لمحمد دمق فهو صفارة إنذار لمدمني التلفزة التي يعتبرها بعضهم أداة لتعميم الغباء وتبليد الأذهان. بطل الشريط رجل يتابع بشغف شديد مسلسلا فيخيّل إليه أنّه يشارك في البحث عن المجرم فيشي إلى المفتش على الشاشة بمرتكب الجريمة. لكنّ المفتش لا يغفر له ذلك فيطلق عليه النار من جهاز التلفزة. وعندما تأتي زوجته من المطبخ حاملة له القهوة تجده مضرجا في دمائه. وفي "تستور" وثّق لطفي الصيد جمالية التراث المهدّد بحداثة غير واعية عبر نسق روائي مؤلّفا بين المعمار والتقاليد والقيم الانسانية. وباستعراض هذه النماذج يتّضح لنا أنّ الفلم القصير هو أحد روافد الابداع في تونس، وثائقيا كان أو روائيا أو مزيجا من الاثنين.

لقد استطاعت السينما التونسية في أقلّ من ثلاثين سنة أن تلفت إليها الانتباه بجودة الأفلام التي أنجزها مخرجون تونسيون يتحلّون بمنتهى الجرأة والأصالة فجاءت الموضوعات والأطروحات شاهدة على تواصل مخرجيها مع المجتمع التونسي المتطوّر.