محمد ماضور

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1148 - 1226هـ/1735 - 1811م]

هذا الأديب العالم هو ثالث المحمّدين في الأسرة الماضوريّة النازحة من الأندلس سنة 1019هـ/1610م، فرارا بدينها. استقرّ أوائلها ببلدة "سليمان" الحاليّة، بعد تحوّلهم عن قرية الجديدة من ضواحي قرنبالية، تفضيلا لتلك لخصبها، وطيب مناخها. ولنضارتها سمّيت بنت تونس. ولقب "ماضور" وارد بالظاء" في شجرة مخلوف، وبالضاد في المصادر الأخرى، كالاتحاف، فلعلّ صيغة ماضور اسم فاعل أي صانع المضيرة أو صفة سلوكيّة، أو خلقية بزنة فاعول. ولا نميل إلى خطإ مطبعي، وارد في كتابة ماضور (شجرة مخلوف ص 366) بالظاء، وإنّما هو تخفيف لهجي "أندلسي" لاسم منظور القيسيّ جدّ محمد ماضور، وكان عالم أشبيلية وقاضيها (ت520هـ/1126م). وعلى هذا فيكون ماظور اسما، لا لقبا، ومشتقّا من نظر وخفّفته اللّهجة الأندلسيّة فحولته إلى ماظور، بدل ناظور لاعتبار صوتيّ. وإذا كان ماضور عربي النجار، أندلسيّ الاآباء الأوائل فإنّه تونسيّ الوطن، مولدا ومنشأ كأّبيه وجدّه.

لم تشتغل عائلته بالزراعة في سليمان، بل كانت إحدى العائلات القلائل التي اختارت سبيل الدّرس والتنوير، مواصلة لما كانت عليه أصولها في الأندلس علما وقضاء. لذلك كانت مدرسة محمد ماضور هي المنزل; فبعد حفظه للقرآن بمنهجية الكتّاب الأندلسي، أخذ أوّلا عن والده بمسقط رأسه، وعن غيره ببلدة سليمان على الأرجح والمظنون أنّ حفظه للقرآن كان مبكّرا، وفي محيط عائلي متنوّر عاش تلمذته الأولى على والد عالم، قاض، مدرّس وإمام، واع بأصول التربية، ومشارك في حركة الإحياء العلمي. وبالضرورة أنّ ماضور الأب كان قد تخرج في الزيتونة، وعن أعلام فيهم الكثير ممّن تخرج عليهم الورغي. ولمّا كان هذا قد شغلته السّياسة واحتكره ديوان الانشاء لعلي باشا الأوّل فلم يلازم الدّرس ولا التدريس، فإنّ ماضور الأب سافر إلى الشرق، مكتمل التكوين فتزوّد من الأزهر، وأخذ عن طائفة من أعلامه منهم العدوي والحفني والدّرّي والطّحلاوي. وفي حجته سنة 164هـ/1751م حمل ماضور الأب بعض مؤلفاته إلى شيوخه، فقرّضوها وفي هذا اعتراف بكفايته ومنزلته، وإشارة مهمّة إلى شواغل هذه الأسرة العلميّة، والدينيّة ذات المناخ المثالي في التّربية والتّعليم. ولقد كان اشتهار ماضور الأب بالشرق وعلوّ منزلته بوطنه، حافزَ جدّ ومثابرة لهذا الابن وزيادة عناية من الأب، وسائر الأسرة به. وقد استكمل دراسته على والده بعد رجوعه من الحجّ سنة 1164هـ/1751م واستغرق هذا الاستكمال ستّ سنوات ليصبح عمره اثنين وعشرين عاما بانتهاء سنة 1170هـ وحلول سنة 1171هـ. ونرجّح أنّ الشاعر استوفى دروسه على والده، ومن شاكله ببلدة سليمان قبل 1171هـ/57 - 1758م ولكنّ اضطراب الأحوال أيّام علي باشا الأوّل وزحف أبناء عمّه، أولاد حسين بن علي الذين قضوا على حكمه، وتدمير أتراك الجزائر للعاصمة. جعلت الأب يؤجّل إرسال ابنه إلى العاصمة; فلمّا استتبّ الحكم لأولاد حسين بن علي وتولّى الأمر محمد باي، استأنف جامع الزيتونة نشاطه، فالتحق الشاعر عندئذ بهذه الكعبة العلميّة. ولمّا لم يكتف الأب بالزيتونة، وبل ضمّ إليها الأزهر فمن الطبيعي أن لا يكتفي الوالد بأن يقتصر ابنه على بلدة سليمان فالأب نسج على منوال جدّه، ولا بدّ للإبن من أن يكون على مثال أبيه; فلذلك توجّه إلى الزيتونة، وكانت في النّصف الثاني من القرن الثاني عشر كعبة العلم، ومطمح القصّاد. ولمعرفة علماء الزيتونة الذين درس عليهم ماضور الإبن، وصفهم ابن أبي الضياف بأنهم "أعلام من أئمة الاسلام" وهم: حسين البارودي شيخ الاسلام الحنفي، ودرس عليه العلوم عامّة، وقاضي باردو وابن جهته منصور المنزلي في علوم البلاغة، وحمّودة إدريس في القرآن، وحمّودة باكير في العربيّة. وهؤلاء الأربعة أساتذة في العربيّة وعلومها، وهناك شيوخ آخرون درس ماضور عليهم، وأجازوه، وهم: مفتي تونس وعالمها الرّياضي محمّد الشّحمي و"شيخ التّربية والحقيقة وإمّام الطريقة" محمّد الغرياني، ومحمّد بيرم الأوّل الحنفي، والفقيه الموثّق الشيخ القلشاني. ويظهر أنّ إجازة هؤلاء الأئمّة الثمانية لماضور، أهّلته لأن يتصدّر للتدريس بالجامع الأعظم. ولا ندري المدّة التي قضّاها في المشيخيّة لأنّا نجهل السّنة التي تخرج فيها، ولا أقلّ من أنّ تكون ثماني سنوات. ولا نشكّ في أنّه كان يتردّد على مسقط رأسه، في عهديه التّلمذي والمشيخي إذ كان والده هناك القاضي والمدرّس، والإمام، والرّجل الثاني بعد والي الولاية، إن لم يكن الأوّل فيها. وجاءت سنة 1199هـ/1784 - 1785م لتكون نقطة تحوّل في حياة ماضور; فقد مات والده، وشغرت مناصبه. وبرغبة من أهالي سليمان ودون رغبته هو، اضطرّ إلى مفارقة العاصمة ليحلّ محلّ والده في جميع خططه. ونفسّر كرهه للعودة إلى مسقط رأسه بحبّه لمهنة التدريس بالجامع الأعظم وتعلّقه بالعاصمة وطبعه المرح الشاعري النافر من كلّ خطّة لها صلة بالسّلطة والسلطان، وسنّه التي ماتزال تمدّه برحيق الشباب، وهو الأديب الرقيق قبل أنّ يكون العالم المتورّع الزاهد. فلذلك كره العودة وشكا لبعض صحبه مهنة القضاء بعد أن باشرها. وله الحق في هذا الكره، فقد قضّى قرابة ثلاثين عاما بالعاصمة بين درس وتدريس. وعرفنا من أدبه أنّ له إخوة اسم أحدهم أحمد، وأنّ له أختا حثّها على أن ترفض من اختاره لها أبوها، وهو ليس بكفء لها في مقطوعته الدّالية التي صوّر فيها أيضا لون الحياة النّاعمة التي تتمتّع بها الأسرة وجرأته على أن يدعو أباه بالوائد. وفي هذا الشعر يكشف أيضا هذه العلاقة المتقدّمة السابقة لذلك العصر، ذلك أنّه كان الأب الآمر النّاهي في الأسرة، ولا أحد يجرؤ على الاعتراض عليه. كذلك عرفنا من شعره ورسائله أنّه تزوّج ولا يكون ذلك إلاّ بعد موت أبيه ورجوعه لبلدته سنة 1199هـ/84 - 1785م، وأنّه أنجب الأبناء وأنّ الأوبئة حصدتهم سنة 1221هـ/1806م. ولعلّ موته بعد ذلك بخمس سنوات كان من أثر هذا المصاب المروّع. وهو يذكرنا بابن أبي دينار قبله الذي أصيب بما أصيب به ماضور بعده.

ولم تحل إقامته بسليمان بينه وبين الاتّصال برجالات عصره من كبار العلماء، مثل شيخ مدينة تونس والمفتي محمّد بيرم الحنفي. ولقد كانت له سمعة طيّبة عند رجال السّياسة الحريصين على أن يروه عند كلّ زيارة يزورون فيها الوطن القبلي كالقائد السهيلي أبي الفضل. ورغم خدماته الاجتماعيّة ومدّ يد العون لكلّ ضعيف، ومضطهد كدفاعه عن بعض الطلبة، فإنّ حياته ببلدته لم تسلم من المشكلات; فقد ضايقه أهلها ونالوا منه كما نال منه بعض أقاربه، إلى حدّ أنّه استنجد بالباي نفسه. ويفضح حياة هذه القرية التي يتعايش فيها الخنى والخيانة، والحسد والجهل والجمود، كما صوّر ذلك في مقامته. ولا نستطيع الحديث عن ماضور الأديب قبل أن نتوقّف ولو باختصار عند ماضور العالم، فإنّ ما تلقّاه من علوم رياضيّة وعلوم دينيّة وخاصّة عن أولئك العلماء الثمانية، قد أثمر. وكان ماضور يجيد استعمال الاسطرلاب والأرباع وهي من المخترعات العلميّة عند العرب، وكان الدارسون القدامى يكبرون تفوّقه في العلوم الهندسيّة والعلوم الحسابيّة. أمّا في مجال التأليف فقد ترك أعمالا متنوّعة الأغراض والفنون منها المختارات في الأدب والتعاليق المختلفة في ثنايا تآليف غيره ومنها الكتب التي دارت موضوعاتها على نواح متعددة دينيّة وغير دينيّة. ولكنّ الأهمّ هو ديوان شعر ليس بصغير، نسخة واحدة تفاوت عدد القصائد فيها بتعدد النسّاخ بدليل قول ابن أبي الضياف: "ولشعره ديوان معروف".

وإذا كان تكوين ماضور طريفا، جامعا بين العلوم الرّياضيّة والعلوم الدينيّة والعلوم العربيّة، ومنتجا فيها، فإنّ أطرف ما ترك من إنتاج هو إبداعه في الشعر والنثر وقد جمع شعره ونثره وحققهما الأستاذ الهادي حمودة الغزّي بعنوان أعمال ماضور الأدبية. وضروب نثره ثلاثة:

  • مقامة.
  • مجموعة من الرسائل.
  • إجازات.

أمّا مقامته فقصيرة، وبعض رسائله أطول منها. وهي تقوم على ما قامت عليه المقامة التقليديّة من محدّث هو أبو الذكاء، وراو هو أبو النّصائح. وموضوعها اجتماعي يقوم على تعرية قرية تحفل بضروب العيوب ولعلّها بلدته سليمان. وتخرج المقامة عن العرف التعليمي، وعن اللغة القاموسيّة. وتعدّ بداية إرهاص لتحول المقامة التونسيّة إلى فنّ الأقصوصة بداية من خمرية الورغي ومرورا بمقامة ماضور هذه. أمّا رسائله فلم تخرج عن محور المقامة، اجتماعيا، إذ صوّرت ظروفه والبيئة السليمانية خاصّة والتونسيّة بوجه عام. وموضوعاتها: الغزل والتعازي كتعزية المفتي الأكبر في والده وهو بيرم الأوّل، وتعزية "باش كاتب" في والدته، ثم ما تلقّاه هو من التعازي في أبنائه. ومن موضوعات رسائله الأخرى: وساطاته الخيريّة لاعفاء بعض الطلبة من الأداء الحكومي، والشفاعة في بعضهم وتلك نزعة خيريّة متأصلة وموروثة. ومن رسائله ما كتبها بمنزلة النّافذة، يسجّل بها حضوره في النطاق الرّسمي كتهانيه لمن تقلّد خطّة سلطانيّة، وكاعتذاره لأبي الفضل السهيلي، القائد، حين تغيّب عن التّرحيب به في سليمان. وتلك الرّسائل بمختلف موضوعاتها الاجتماعيّة تبرز مكانة ماضور الجهويّة و"القوميّة"، وما تحلّى به من تجرّد وعفاف وتنزّه. وبناء رسائله يقوم، أحيانا، على الاستهلال بالشعر القديم وقد يطول هذا الاستهلال وقد يقصر، ثم يكون الموضوع. وعادة ما يكون إخوانيا، متّصلا بحياته وحياة أهل عصره. وله قدرة حكائيّة مميّزة حتّى إنّ بعض رسائله التي تحدّث فيها عن مسؤول سابق رافقه في سفره وكان سببا في إحراق رحله، تعدّ من أطرف الرسائل في الأدب العربي وكأّنّها مقامة. ويمكن أن نسوّي بينها وبين رسالة الغراب العبائيّة المتكلّفة في هذه التسمية بالمقامة. فحياة ماضور من خلال رسائله تلك مأزومة مثقلة بهذا التمزّق الرّوحي بين ضرورات العيش في سليمان وذكريات الشباب في جنّته العاصمة تونس. ولم يسلم وهو في ذروة مجده من النقد والحسد، وهو ما سبّب له التبرّم بل التمرّد. ويبقى اللّون الثالث من نثره الفنّي وهو الإجازات كإجازته لرجل أراد أن يقدّم على جماعة العيساويّة، وهو ما يدلّ على أنّه إلى جانب مناصبه المهمّة، كان شيخا طرقيّا بل كان زعيما في الطريقة العيساويّة، يحتاج إليه في الرأي والتزكية. ويجمع ماضور في أسلوب نثره عامّة، بين دقّة الصنع وخفّة اللّفظ وقصر الجمل، وبالأخصّ في نثره الوصفي مع قدرة على التّصوير، وبراعة في استخدام فنون البيان أكثر من الورغي، وإنّ جمعهما الافتتان بالأدب الأندلسي ككتاب نفح الطيب. ولئن كان ماضور ناثرا ساجعا، فقد سلم من طرائق متكلّفة، من أمثال الغراب، ويشترك مع الورغي في قوّة البناء، أسلوبا.

وإذا كان هناك من يذكرنا به فالمعاصر له حمّودة بن عبد العزيز، لاتّفاقهما أحيانا في سهولة اللّفظ، وصفاء العبارة، وإحداث هذا التّناغم الموسيقى العام في الأسلوب. ولو أردنا أنّ نصف الكاتب ماضور وصفا موجزا، لقلنا إنّه أراد أن ينثر فشعر. ولكنّ ماضور يبقى دائما شاعرا قبل أنّ يكون ناثرا وأغراض شعره تقليديّة، تدور على المدح، والرثاء، والهجاء ولكنّ أهمّها الغزل. وطرافة مديحه من حيث الموضوع هي قصره على أساتذته كأبيه أوّلا، ثمّ الشحمي، ومنصور المنزلي، والغرياني. وأمّا مدحه لذوي السلطة فلا تتجاوز قصائده الثلاث. اثنتان منها في علي باي حين أبطل الخمرة، ومن شكواه ممّا يحدث في جهته. وأمّا ثالثة الثلاث ففي القائد أبي الفضل السهيلي.أمّا مدح المدن فلا نجد غير قصيدة واحدة مدح بها سوسة وأهلها ردّا على هجاء الغراب لهم. وقيمة مدائحه تتجلّى في الجانب الاجتماعي. وأمّا مراثيه فمعظمها نظم موزون مقفّى، وتواريخ شعريّة معزولة عن صدق التجربة، وصدق العاطفة. ومن مراثيه هذه رثاؤه لوالده المتوفّى سنة 1199هـ/1785م، وكذلك رثاؤه لابن عمّ والده، ولكنّ ينقصها التوهّج العاطفي. فهل كان ماضور الابن على نفرة مع أبيه، وقد عرفنا قبلا أنّه أنكر عليه تزويج أخته ممّن ليس بكفء لها؟ (كامل)

هذا أبوك يريد دفنَك حيّة
فابكي لنفسك إنّك الموؤودَه

ولئن لم يعرف ماضور بالهجاء فإنّ ما نظمه - وهو القاضي العفيف - ثريّ بالاقذاع والافحاش، مع العلم أنّ شعره الهجائي قليل نادر. ومماّ يلحق بهذه النّدرة من شعره شعر الخمر، والشعر الدّيني. ولا ندري أسباب انصراف ماضور عن هذا الموضوع الأخير رغم أنّ الشعر الديني كان سمة عصره وهو المجيز لمن أراد أنّ يتقدّم على الجماعة العيساويّة. ويبقى الموضوع الذي استفرغ ماضور فيه شعره هو الغزل بنوعيه المذكر والمؤنّث. وإذا ساغ لقاض ومدرّس، وإمام، أن يتغزّل بالمؤنّث باعتباره شاعرا والشعراء "يقولون ما لا يفعلون"، وأن يتقبّل عصر ماضور مثل هذا الغزل فإنّه من العسير عرفا، أن يستسيغ أهل عصر الشاعر غزله المذكّر. وكان ماضور يفصل في شخصه وعواطفه إن لم نقل نزقه، من حيث هو شاعر، وبين صفات القاضي، والإمام، والمدرّس، وعلى مذهب "لكلّ مقام مقال، ولكلّ سلوك حيثيّة." وكان في شعره الغزليّ حريصا على ذكر معشوقيه ومعشوقاته متّخذا خاصة طريقة التّرصيع بتوزيع حروف أسماء الأحبّة في أوائل أبيات القصيدة أو المقطوعة، فإذا جمعت تلك الحروف عرفت أسماء أحبّته. وللشاعر توصيات لرسله. وتقلّ ترصيعات ماضور بأسماء النّساء ومنهنّ شلبية المورالية. وكان لعائلة هذه الفتاة حضور سياسي لعصر الشاعر وعلى أيّام علي باي بن حسين. وكان أحد أبنائها واليا على الوطن القبلي وأهين بالعزل لظلمه. وقد تكون شلبية تلك بنت الوالي أو إحدى قريباته; فلذلك تغزل بها ورصّع باسمها. ولماضور أصحاب يساعدونه على قضاء أوطاره، ولا يتحرّج من كان ينوّه بهدايا صويحباته من باقات الزهور. ورغم ما يظهره ماضور من تكتّم، فإنّه لم يسلم من العتاب، والغيرة عليه بسبب شعره، وينسيك بشعره صفة القاضي والمدرّس والإمام ويعطيك شعره الغزليّ صورة الشاعر المتّقد العاطفة، المحبّ، المتحرّق، وإنّ وصفه صاحب "الاتحاف" بالعفّة.

لكنّ ماضور يبقى طلعة القرن الثاني عشر/18م الحسيني بين سائر الشعراء; فقد أضرب عن قصور الملوك، ونجا بنفسه عن تهافت الغراب، وأشباهه فهجر فنّ المديح، واستقلّ بخططه الشرعيّة في بلدته من جهة، وتفرّغ لعواطفه وملذّاته. وصوّر ذلك كلّه في جلّ شعره، وبعض نثره ليؤكد ضمنيا في ديوانه أنّه لا يمدح إلاّ النساء والغلمان، ولا يضع عدسته الشعريّة إلاّ على حياة عصره، ليترك لنا نصوصا هي وثائق اجتماعيّة نادرة، زيادة على طوابعها الفنيّة. ولئن كان غزله غزلا غير عذري، فإنّه في الجانب الفنّي مجدّد وتمدّ قصائد غزله ومقطوعاته قريحة خلاقة في التصوير بديباجة أندلسية مطعمة بديباجة مدرسة الشعر التونسي للقرن الثاني عشر الهجري/18م، القائمة في أصولها على استهداء بالتّراث من حيث الموضوع، والصياغة الأسلوبيّة بالرجوع إلى عيون الشعر العربي والنسج على منواله، احتذاء لا تقليدا. فكان بذلك علامة مضيئة على طريق الشعر التونسي الحديث، والفنّ المقامي نحو الأقصوصة والحكاية الذاتية.