حسين بن علي باي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1086 - 1153هـ/1675 - 1740م]

هو مؤسس الدولة الحسينية التي استمرّ وجودها من سنة 1705 إلى سنة 1957. قدم والده علي تركي من جزيرة كندية (الاسم القديم لكريت) بعد ضمّها إلى الدولة العثمانية سنة 1669. وتطوّع في الجيش الانكشاري في العهد المرادي. وقد عمل بالكاف وفيها تزوّج من امرأتين إحداهما من قبيلة الشنانفة والأخرى من قبيلة شارن. وأنجب من الأولى ابنه محمد ومن الثانية حسين الذي ولد سنة 1086 هـ/1675م. وقد اقتفى الولدان خطى والدهما في الخدمة العسكرية.

دعي حسين بن علي إلى العاصمة ليكون في خدمة السلطة المركزية. وتدرّج في مختلف الوظائف الادارية والسياسية والعسكرية منذ سنّ مبكرة. وقد وصل في مسيرته السياسية إلى أعلى المراتب في الدولة. يعود أوّل تعيين له إلى عهد محمد باي المرادي إذ عيّنه خزندارا ولمّا يبلغ سنّ العشرين. وكان ذلك قبيل سنة 1964. ثمّ أصبح كاهية. وعندما تولّى رمضان باي عينه آغا صبايحية الترك. واستمرّ في هذا المنصب إلى مارس 1699. وفي سنة 1701 عيّنه مراد باي قايدا على الأعراض مع تمكينه من سلط واسعة. ثمّ عيّنه كاهية دار الباشا مكلّفا بصرف رواتب الانكشارية كما أضيفت إليه لزمة دار الجلد. رغم التقلّبات السياسية التي عصفت بهرم السلطة في أواخر العهد المرادي، تمكّن حسين بن علي من الحفاظ على موقعه بل ودعمه، متنقّلا في خدمة المراديين والمنقلبين عليهم معا. فقد عمل في خدمة محمد باي المرادي. ثمّ هرب إلى قلعة سنان ليدخل بعد ذلك العاصمة رفقة الثائر محمد بن شكر المدعوم من قبل إنكشارية الجزائر، فعيّن حسين بن علي كاهية له (بين نوفمبر 1694 وجويلية 1695). ثمّ بعد أن اندحر ابن شكر عاد ليعمل مع محمد باي الذي صفح عنه. ثمّ عمل بعد ذلك مع أخيه رمضان باي (أكتوبر 1696 - مارس 1699), ورغم الانقلاب الذي أطاح بهذا الباي والذي حمل مراد باي إلى السلطة فإنّ مكانة حسين بن علي لم تتراجع، كما لم تتراجع حتى بعد إزاحة البايات المراديين وتولّي إبراهيم الشريف الذي استبد بالسلطة بعدهم (1702 - 1705).

إنّ استمرار حسين بن علي في السلطة طيلة فترة اتسمت بالكثير من التقلبات السياسية يكشف عن قدرته على التكيّف مع الأوضاع الأشدّ توتّرا. وهو ما جعله يكتسب تجربة سياسية وإدارية فريدة من نوعها. وعندما حدث فراغ سياسي غداة أسْر إبراهيم الشريف من قبل إنكشارية الجزائر في جويلية 1705، قرّر الجند العودة إلى النظام السابق للمراديين الذي يوجد على رأسه داي وباي. فعيّن محمد الأصفر دايا وحسين بن علي بايا. وربّما يعتبر تعيينه تنازلا من الجند الانكشاري لفائدة العنصر المحلّي في فترة اتّسمت بالفراغ السياسي والخطر الخارجي. ذلك أنّ حسين بن علي يعتبر كورغليا أي أنّ والدته تونسية، كما أنّ صلته بداخل البلاد سواء من حيث مولده أو وجوده فيما بعد على رأس قيادة الأعراض تجعل منه عنصرا مهمّا لكسب ثقة الأهالي، يضاف إلى كل ذلك تجربته السياسية والادارية والعسكرية.

ويذكر ابن أبي الضياف ثلاث بيعات له في تواريخ مختلفة، كانت أولاها في 20 ربيع الأول1117 / 12 جويلية 1705 بالقصبة "وشهد بيعته الملأ من العلماء والعسكر وأعيان البلاد"، وهو ما اعتبر فيما بعد مصدرا للشرعية الدينية والتاريخية للعائلة الحسينية. لقد أصبحت البلاد في صائفة 1705 في حاجة إلى من يتصدّى للخطر الذي يشكّله الجند الانكشاري لايالة الجزائر. فما كان من حسين بن علي إلاّ أن عمل على واجهتين: الأولى دبلوماسية بمحاولة عقد صلح مع المهاجمين والأخرى عسكرية بتحصين تونس العاصمة وذلك بحفر خندق وإتمام الأبراج حولها وتحريض الناس على القتال. ولمّا فشلت المساعي الدبلوماسية لم تسقط العاصمة أمام الهجوم العسكري لأربعين ألف جندي من الجزائر. وانتهى الأمر في الأخير إلى انسحاب المهاجمين. وهو ما أسهم في دعم شرعية حسين بن علي وأهليته للقيادة، غير أنّ ذلك كان فاتحة للصّراع بينه وبين الداي محمد الأصفر. وقد انسحب حسين بن علي في الأثناء إلى الفحص لتنضمّ إليه قبائل دريد ورياح وغيرهما، مستعملا كلّ الطرق للاطاحة بغريمه ومستغلاّ ما ارتكبه من أخطاء سياسية سواء في حقّ الأهالي أو تجاه الجند التركي. وقد نجح في ذلك ليدخل أخيرا إلى القصبة يوم 3 جانفي 1706.

واستقرّ له الأمر في أثناء ذلك بعد القضاء على إبراهيم الشريف الذي كان أسيرا بالجزائر والذي توجّه إلى تونس بقصد استعادة سلطته، كما قضى بعد ذلك بسنوات على مطالبين آخرين بالسلطة ادّعى أحدهم سنة 1713 أنّه ينحدر من المراديين. يلخّص ابن أبي الضياف عهد حسين بن علي بقوله "كانت أيّامه كالخصب بعد الجدب والأمن بعد الرّعب والسّلم بعد الحرب كثير المآثر والخيرات". ومثل هذا المديح قد درج عليه الاخباريون الذين عاشوا في بلاطات أبنائه من بعده. لكن إلى أيّ حدّ يمكن الاقرار به؟ من الثابت أنّ للرجل بعض المآثر إذ اهتمّ بالمنشآت التعليمية. فبنى مدارس بالحاضرة (الحسينية الصغرى والنّخلة) وسوسة والقيروان وصفاقس ونفطة، كما اهتّم بالمنشآت المائية ومنها فسقية الملاسين "مورد الحاضرة"، كما أقام عددا من القناطر بضواحي العاصمة وفي داخل البلاد. لكنّ عهده تخلّلته من جهة أخرى حرب أهلية مدمّرة.

عندما تولّى حسين بن علي السلطة لم يكن لديه أبناء. فما كان منه إلا أن تبنّى ابن أخيه علي بن محمد وسهر على تربيته وتكوينه. ولمّا بلغ السابعة عشرة من عمره فسح له المجال لممارسة السلطة بتعيينه للخروج بالأمحال. ولكنّه رزق في الأثناء ثلاثة أولاد من جارية جنويّة الأصل، هم على التوالي محمد الرشيد (1710) وعلي (1712) ومحمود. وما أن اشتدّ عود ابنه البكر محمّد حتى بدأ يفكّر في تقديمه على حساب ابن أخيه "ومحبّة الولد طبيعية في البشر، وله أسوة بمن تقدمه من الملوك" كما يقول ابن أبي الضياف. وحتّى يعوض ابن أخيه ما خسره استجلب له لقب الباشا من الأستانة وكلّف ابنه محمد باي بالسّفر للأمحال، غير أنّ علي باشا ما لبث أن خرج في فيفري 1728 من العاصمة باتجاه جبل وسلات ثائرا على عمّه. وكان ذلك بداية حرب أهلية دامت طويلا، انقسمت البلاد طيلتها بين شقين: حسيني نسبة إلى حسين بن علي وباشي نسبة إلى علي باشا. وكان من أنصار الشقّ الأول مدن القيروان وسوسة والمنستير والمهدية وصفاقس وقبائل جلاص والهمامة وأولاد عون وأولاد سعيد... دام الشوط الأول من تلك الحرب قرابة السنة والنّصف (فيفري 1728 - أوت 1929) وقد أسفر عن هزيمة علي باشا وفراره إلى الصحراء ثمّ إلى الجزائر حيث أسر. ثمّ أطلق سراحه. وأرسل معه سنة 1735 جيش للاستحواذ على عرش تونس. فبدأ شوط ثان من تلك الحرب الأهلية، انهزم فيها حسين بن علي في سبتمبر من تلك السنة.فانسحب إلى القيروان. ولم يبق له نفوذ إلا في بعض المدن في وسط البلاد وخاصة في الساحل على حين دخل علي باشا العاصمة واستولى على السلطة فيها.

استمّر وجود حسين بن علي وأبنائه بالقيروان بضع سنوات دارت في أثنائها عدة معارك بين الجانبين، كانت آخرها تلك التي حاصر فيها يونس ابن علي باشا القيروان وتمكّن من دخولها في صفر1153 هـ/13ماي1740، في حين تسلّل حسين بن علي إلى خارجها. فلحق به يونس. وقتله. وبعث برأسه إلى والده علي باشا. ودفن بتربة الباي. رغم النهاية المأسوية لحسين بن علي، فإنّ مصير أبنائه كان أسعد حالا إذ عادوا بعد سنوات إلى السلطة التي استمرّت بأيدي سلالتهم لمدة قرنين ونصف.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • ابن عبد العزيز حمودة بن محمد، الكتاب الباشي، تحقيق محمد ماضور، الدار التونسية للنشر،1970.