الرباطات والقشلات والحصون والأبراج

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

الرباطات[عدّل]

رباط المنستير

إنّ مؤسسة الرّباط ونشاطها وتطور وظائفها وتنظيم الحياة بها، قد اقترنت بتاريخ التصوف والمتصوفة الذين سكنوا الرباطات ولازموها للتعبّد والجهاد بعد أنْ كانت المساجد مراكز نشاطهم الصوفي إلى حدود المائة السابعة هـ/13م في كامل حواضر إفريقيّة. وتشير مناقب المتصوّفة إلى أنّ المسجد بقي يستقطب النّشاط الصوفي حتّى المائة الثامنة الهجرية/14م، إذْ كانت بعض المواعيد لا تزال تقام في المساجد (نللّي سلامة العامري، الوَلاية والمجتمع، ص92). ومن هنا نلاحظ تنوّع المصطلحات الخاصة بالرباط وتداخلها على المستوى الوظيفي. فأصبح الرباط يعني أيضا: الحصن والبرج والقصر والمحرس والثّغر والقصبة والمسجد أيضا وقد تشابكت وظائفها طبقا لتداخل وظائف روادها ومُتساكنيها وما اتّصل بنشاطهم العسكري أو الروحي وارتباط ذلك كلّه بالنّشاط الديني الاسلامي الذي راوح بين جهاد الأعداء ومجاهدة النّفس الأمّارة بالسّوء.

وقد ظهر الرباط في بداية الفتوحات الإسلامية مؤسسة عسكرية لحماية حدود الدولة الإسلاميّة الفتية وحماية إنجازاتها وضمان توسّعها فيما بعد بالمدد الذي وفّره الرباط أوْ الحصن للجيوش الفاتحة تلك التي اعتمدت إستراتيجية الكر والفر. ويذكر المؤرّخ البلاذري في كتابه فتوح البلدان أنّ الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطّاب هو أوّل من أرسى نظام دفاع متكامل بعد إنهاء فتح الشام. فقد أمر معاوية بترتيب المقاتلة فيها وإقامة الحرس على مناظرها واتّخاذ المواقيد لها، واعتبر هذا الاجراء العسكري بداية لظهور حركة المرابطة التي كان الهدف منها حماية الثغور بالأساس ولكنها كانت تقوم أيضا بأدوار أخرى حسب الظروف والأوضاع، منها التجاري ومنها الديني التعبّدي.

وفي البلاد التونسيّة تشير الكثير من النصوص إلى وجود الرباط منذ بداية الفتح لإفريقية في أواسط القرن الأوّل الهجري. ولعلّ رباط حسّان بن النعمان ببلدة رادس هو من الرباطات الاسلامية المبكرة التي أنشئت بإفريقية. ويمكن القول إنّ الرباط من حيث هو مؤسسة متطوّرة ذات طابع إسلامي قد اقترن بظهور ما يعرف ب (ولاية الثّغور) في عهد حكم هارون الرّشيد الذي عيّن على إفريقية القائد العسكري هرثمة بن أعين. وكان قد عرف قبل ذلك بحسن تنظيمه لثغور أرمينيا وبلاد الشام ومصر. وقد أسّس هذا القائد في سنة تعيينه أيْ سنة 180هـ/796م رباط المنستير الشهير الذي كان دوره الرئيس في بداية الأمر حراسة السّواحل الاسلامية وحمايتها نظرا إلى العلاقات السلمية بين الدولة البيزنطية والخلافة العبّاسية في أواخر القرن الثاني الهجري/بداية القرن التاسع الميلادي.

ومع حكم زيادة الله الأوّل سنة 202هـ/817م عادت الدولة الأغلبية إلى سياسة التوسّع في البحر المتوسّط (مالطة، صقلية، سردينيا). فانتعشت المؤسسات العسكرية (بإنشاء دار الصناعة بسوسة وتزويد قصرها بمنار. وفي نفس الفترة أحدث عبد الرحيم الزّاهد قصر زياد كملجإ للسّكان ومكانا للمرابطة لحماية الساحل من حملات القرصنة المسيحية) انظر: ناجي جلول: الرباط والمرابطة بإفريقية، مجلة معالم ومواقع، العدد15، أوت 2004، ص19.

وبتغيير الأوضاع السياسية والعسكرية والأحوال التاريخية، تتغيّر وظائف الرباط وتتداخل المصطلحات الدالة على الوظيفة أكثر من المدلول المعماري: فعلى سبيل المثال عاد الرباط ليشكل مقرًّا للاقامة الموسمية في عهد حكم الدولة الفاطمية وكذلك الدولة الزيرية بين القرنين الرابع والخامس هجريا/العاشر والحادي عشر ميلاديا حين أضحت تزار في المواسم والأعياد تَبَرّكًا وتيمنًا بما تحويه من رموز روحية وجهادية إذ عاش فيها العبّاد المجاهدون الذين جمعوا بين حياة العزلة والزهد وحياة الجهاد العسكري. وبعد ذلك أصبح الرباط مقرًّا قارًّا لسكنى أهل التصوف والعبادة وملازمته، إذْ تفيدنا كتب المناقب أنّ الكثيرين من الصوفية عاشوا في الرباطات إلى آخر حياتهم، كما حدث لأبي يوسف الدهماني المتوفى سنة621هـ/1224م الذي سكن برباط شقانص بالقيروان (معالم الايمان، ج3، ص 218 و227) . وأورد ابن ناجي أيضا في ترجمة مناقب أبي عبد الله |محمّد بن سحنون الدُكّالي المتوفى سنة 696هـ/1296م (أنّه لزم رباط سوسة إلى أنْ تُوفي) (معالم، ج4، ص38).

وبالاضافة إلى ذلك اتّخذ الرباط محطّ رحال للمسافرين والحجّاج. وهي وظيفة جديدة لمؤسسة الرباط لم تكن متداولة قبل نهاية القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي. وثمّة أيضا رباط قد اختصّ بطائفة صوفية معيّنة مع الابقاء على وظيفة إيواء الحجاج والمسافرين. وعندما أصبحت للرّباطات موارد قارة منذ المائة الثامنة هـ/14م، فقد انعكس ذلك على الحياة بالرباط. فأصبحت لهذه المؤسسة هيكلة وتنظيم أدقّ وأشدّ صرامة، إذ برزت خطّة (شيخ الفقراء) و(خدمهم) ومن ثمّة أضحت لمؤسسة الرباط هيكليّة لم تعهدها من قبل مع اقترانها بسكنى قارة للفقراء وهو ما استوجب حداًّ أدنى من التنظيم والتسيير (الولاية والمجتمع، ص107) . ولا شكّ في أنّ هذا التطور حوّل الرباط من مؤسسة احتضنت النشاط الصوفي إلى مؤسسة مندمجة متماسكة تنتمي إلى مرحلة التصوف شبه المُنظّم. وفي هذا الصدد يبدو أنّنا أمام الهيكل التنظيمي نفسه الذي اعتمدته الزّاوية من قبل، بما في ذلك البعد الاصلاحي الذي اقترنت به وظيفة المرابطة في الوسط الأعرابي في العهد الحفصي وهي أساسا توعية القبائل ونهيها عن الاعتداء على غيرها وحثّها على التوبة وإتباع المذهب السنّي.

ومن الرباطات والحصون والقصور والقلاع المشهورة نذكر: قصبة مدينة تونس وحصن أبي المهزول (منزل بورقيبة) والقصر الكبير بالمنستير ورباط أبي صقر بغار الملح وقصر المنار ببلدة سيدي بوسعيد وحصن قليبية وقصور لمطة وصفاقس ونفطة.

القشلات[عدّل]

القشلة: لفظة تركية أصلها (قاشلاغ) ، كما كان العثمانيون الأتراك ينطقونها (قشلاق) ويعني بالعربية (الثكنة) . وأصلها (قيش) ومعناه الشتاء، وقد أطلقت على الثكنة العسكرية وأصلها يعني المشتى أي مقر الشتاء. وفي سنة 1574م إثر حلول العثمانيين الأتراك بالبلاد التونسيّة بدعوة من أعيان مدينة تونس لتحريرها من الجيوش الاسبانية وتخليصها من آخر الملوك الحفصيين المتواطئين مع المستعمر الاسباني كانت الأولوية عند الجيش الانكشاري بعد طرد الاسبان استتباب الأمن بالبلاد وإعادة التنظيم لهياكل الدولة المنهارة. فأعطيت الأولوية للجانب الأمني والعسكري سواء في عهد الباشوات أو العهد المرادي أو حتّى طيلة العهد الحسيني الذي جدّت فيه اضطرابات داخل الأسرة الحاكمة. فإلى جانب تجديد الحياة العسكرية بالقصبة ودعمها ظهرت بمدينة تونس وتحديدا في عهد حمودة باشا الحسيني ووزيره الأكبر يوسف صاحب الطابع (1782 - 1814م) ، حركيّة في ميدان الترميم والبناء والتشييد شملت الكثير من المنشآت الدينيّة والسّياسية والاقتصادية، إلاّ أنّ التحصينات العسكريّة نالت نصيب الأسد من إنجازاته العمرانية العسكرية تحسّبا لأيّ هجوم من عساكر الدايات بالجزائر. فعمل على إنشاء الكثير من القشلات وتوظيف بعض الفنادق أو الخانات حتى بلغ عدد القشلات تسع عشرة قشلة تتوزّع كما يلي:

  • ثلاث قشلات قبالة جامع القصر موجّهة نحو الجنوب.
  • ثلاث قشلات بسوق السكّاجين: الأولى موجّهة نحو الجنوب، الثّانية موجّهة نحو الغرب، أمّا الثّالثة فهي موجّهة نحو الشرق وهي من إنجاز يوسف داي (1610 - 1637م) .
  • قشلتان بسوق الجرابة: الأولى موجّهة نحو الشمال والثانية نحو الجنوب.
  • قشلتان بسوق الخرادجيّة، موجّهتان إلى الجنوب.
  • قشلة بسوق الكبابجيّة، موجّهة نحو الشمال.
  • قشلة بسوق البركة عُرفت بالعقبة، موجّهة نحو الغرب.
  • قشلة بسوق العطّارين عرفت ب: (خان العصفوري) ، موجّهة نحو الغرب. وهي من مآثر حمودة باشا الحسيني بداية القرن 19 سنة (1814م) .
  • قشلة خان الديوان، موجّهة للغرب.
  • قشلة سوق العطّارين المنسوبة لمؤسّسها (الأسُ طى مراد) اتخّ ذت مقراًّ للمكتبة الوطنية إلى سنة (2008 م) . وهي موجّهة نحو الشمال.
  • قشلة خان الدجّاح، وهي قبالة العطارين، موجّهة نحو الجنوب.
  • قشلة قُرب سوق الخرّاطين، موجّهة نحو الجنوب.
  • قشلة فندق الزبيب بسوق الزنايدية والمعروفة بقشلة الزنايدية. وهي موجّهة نحو الجنوب. وقد أنشئت سنة (1806 م) .
  • وأخيرا قشلة بسوق القشّاشين قرب زاوية سيدي عامر، موجّهة نحو الشمال. وهي أيضا من إنجاز حمودة باشا الحسيني (1814م). (الأرشيف الوطني التونسي، وقفية حبس بتاريخ 13 ربيع الثاني1210هـ/7 نوفمبر1795م) .

ونشير في هذا السّياق أيضا إلى أنّ هذه القشلات تختلف في حجمها (هناك قشلة ذات طابق علوي كما هو حال إحداها بسوق الخرادجية) ، ومن ثمّة تختلف في مساحاتها وعدد غرفها التي تتراوح بين 22 و48غرفة. لكنّها تشترك في التخطيط الهندسي نفسه المشابه لتخطيط الفنادق والوكالات مع بعض التحويرات الوظيفية. من ذلك أن بعض تلك القشلات كانت في الأصل عمائر خُصّصت لايواء التّجار والمسافرين ثم استولى بعضهم عليها أو اشتروها أو اتخذوها بديلا عن عمائر أخرى، لاستعمالها قشلات للجيش الانكشاري التركي: فحَوْلَ الصّحْن الكبير تنتظم غرف (الوجق) وهذه الغرف تكون مسبوقة بأروقة من الجهات الأربع، كما حَوَتْ كل قشلة مسجدا خاصا بغرفة الوجق. وهو مستطيل الشّكل مغطّى بقبّة طولية; هذا إضافة إلى مطعم ومخزن للأسلحة ومقٍرّ للادارة العسكرية للقشلة.

الحصون[عدّل]

وإلى جانب هذه الثكنات الداخلية، أنشئت في الفترة الحسينية وبالخصوص في عهد حمودة باشا (أواخر القرن 18م وبداية القرن 19م) ، بمدينة تونس بالذات (وإلى جانب مدن أخرى مثل بنزرت وغار الملح والكاف وباجة.. وغيرها من المدن والمواقع الاستراتيجيّة) عدّة حصون ومنشآت العسكرية حول المدينة وذلك على غرار:

  • حصن باب الخضراء الكبير الذي لاتزال آثار سوره شاهدة على عظمته إلى اليوم.
  • حصن قريب من حصن باب الخضراء بحومة الحفير في اتّجاه باب العسل، يُعْرَف بحصن الوزير يوسف خوجة صاحب الطابع.
  • حصن الشّيخ سيدي يحيى السليماني المعروف بحصن باب العسل.
  • حصن باب سيدي عبد السّلام.
  • حصن باب أبي سعدون.
  • حصن باب خالد، بجوار زاوية سيدي قاسم الجليزي. وقد كان يُعرَف باسم هذا الوليّ الأندلسي الذي اشتهر باحترافه الخزانة وتخصّصه في أرقى أنواع الجليز الأندلسي.
  • حصن عنابة.
  • حصن باب الشيخ سيدي علي الڨرجاني.
  • حصن المُصَلّى أو جامع السلطان.
  • حصن باب الفَلّة.
  • حصن باب عليوة (أوْ علاَوَة) .
  • وأخيرا الحصن الثاني عشر. وهو حصن باب البحر. (راجع في ذلك: أرشيف أملاك الدّولة، دفتر اوقف حمودة باشاب لشهر ذي القعدة1217هـ/8 مارس 1803م) .

الأبراج[عدّل]

تشير الوثيقة المذكورة، إلى أنّ حمودة باشا أمر أيضا بإنشاء أوْ إعادة بناء مجموعة من الأبراج حول المدينة. وهي:

  • برج زوارة (بين باب أبي سعدون وبرج الرابطة) .
  • برج الرابطة.
  • برج فليفل.

وذلك بالاضافة إلى بناء أو إعادة بناء مجموعة أخرى من الأبراج بالأحواز الجنوبية والغربية والشمالية. وهي:

هذا وقد أوقف الباي المذكور الكثير من الرباع والزياتين والمخازن والحوانيت لفائدة هذه المنشآت العسكرية بما في ذلك الأسوار المحاطة بربضيْ باب سويقة وباب الجزيرة لصيانتها وترميمها وتوفير ما تحتاجه من السلاح والماء والزيت للاضاءة، إلى جانب جرايات الجنود وغيرها من الحاجات والمصاريف.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • جلول ناجي، الرباطات البحرية بإفريقية في العصر الوسيط،تونس، مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية، 1999.
  • المرابط رياض، الرباط ومجتمع المرابطين إلى نهاية القرن الثالث هـ، شهادة الكفاءة في البحث، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 1988.