الحبيب بوعبانة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1942 - 2002م]

الحبيب بوعبانة

هو رسام تونسي، ولد بحي الزاوية البكرية قرب الحلفاوين بالمدينة العتيقة بتونس سنة 1942 وتوفي بمدينة تونس سنة 2002. عاشر الحبيب بوعبانة فرشاة الرّسم منذ الصّغر، بممارسة الرّسم التزويقي الشعبي في ربوع مدينة تونس، قبل أن يتردّد على مدرسة الفنون الجميلة بتونس سنة 1954 ليدرس التقنيّات الأوّليّة لفنّ الرّسم في ورشة الأستاذ هونري سعادة والخزف الفنّي في ورشة الأستاذ عبد العزيز القرجي. ولم يتسنّ له مواصلة الدّراسة في هذه المدرسة، إذ دفعه ميله إلى العصاميّة والتعلّم الذاتي إلى البحث عن آفاق أخرى تساعده على إغناء تجربته وتحرير ذائقته الجماليّة.

بعد اشتغاله مدرّسا لمادّة الرّسم بالمعهد الثانوي بقفصة (1962 - 1994) ثمّ مصمّما غرافيكيّا لمنشورات الديوان الوطني لمحو الأميّة وتعليم الكبار سنة 1966 وبعد اهتمامه بالكتابة المسرحيّة إذ نشر بمجلة الفكر مسرحيّة عنوانها الدوّامة، تفرّغ منذ سنة 1968 لتجربته الفنيّة. فنظّم أوّل معرض فردي له سنة 1977،بصالون الفنون بتونس. ومنذ سنة 1982، مارس إلى جانب تجربته في فنّ الرّسم، الكتابة الصحفيّة في بعض الجرائد والمجلات التونسيّة. فنشر عدّة مقالات أفصح فيها عن مواقفه من القضايا الثقافيّة والاجتماعيّة وحرّر أركانا قارّة حتّى آخر حياته.

ومن أهمّ معارضه الفرديّة ما قدّمه بأروقة ارتسام بتونس سنة 1983 ورواق التصوير بتونس سنة 1985 وشيم بالمنزه السادس سنة 1988 وعين بصالامبو، سنتي 1990 و1991، كما نظّمت له وزارة الثقافة سنة 1999 معرضا استعاديّا لمسيرته الفنيّة بدار الفنون بالبلفيدير. أمّا أهمّ مشاركاته في المعارض الجماعيّة والسنويّة فكانت بمعارض الفنانين التشكيليين التونسيين منذ سنوات الثمانينات والمعرض السنوي الأوّل للفنّ التونسي المعاصر بمركز الفنّ الحيّ بمدينة تونس، حيث حصل على الجائزة الثانية للمعرض، كما كانت له مشاركات ب قاعة عمارة دبّش سنة 1986 وبالفضاء الحرّ التياتر وفي سنوات التسعينات، صحبة رفيقيه الأمين ساسي وفوزي الشتيوي، بالخصوص. وحصل الحبيب بوعبانة سنة 1988 على الجائزة الوطنيّة للفنون التشكيليّة وسنة 1994 على الجائزة الكبرى لمدينة تونس.

لئن أفاد بوعبانة في السبعينات من التيّارات التجريديّة السائدة، فكان تعاطيه مع العناصر اللمسيّة والخطيّة في شكل علامات وحروف باستخدام آليات التركيب والتحليل فإنّ اهتمامه ب التشخيصيّة الحرّة منذ الثمانينات قد فتح له آفاقا إبداعيّة شاسعة مكّنته من تحرير تعامله مع فضاء اللوحة خارج المستلزمات الأكاديميّة، بأسلوب يستمدّ قوّته من عفويّته في إنشاء شخوصه المرسومة وسرعته في الأداء، بمادّة الأكريليك، السريعة الجفاف. ومثل هذه العفوية الجريئة مكّنت الفنّان من تصريف انفعاله الجماليّ بروح لَعبيّة (Ludique) دون حواجز أو مستلزمات. فقد أفاد بذكاء من درس الفنّ الحديث في مروره من المشهديّة إلى التداعي الحرّ في صلب نزعة تصويريّة مستقلّة تقوم على إعادة بناء الشخوص بمزاجيّة خشنة لا تبالي بمتمّمات الكيان التشخيصي للشّكل بقدر ما تهتمّ ببنيته في الفضاء، بوصفه طيفا أو ملمحا عامّا وما يفرزه من علاقات شكليّة وضوئيّة ولونيّة. وقد يروق للناظر أن يلمح في لوحة بوعبانة شيئا يسيرا من ماتيس وفلامنك وغيرهما من روّاد النّزعة التّوحّشيّة في الفنّ الحديث وما بعد الانطباعيّة. ولكن شخصيّته الأسلوبيّة واتّساقها مع مكوّناتها الرّؤيويّة المعيشة أقوى من أيّ إحالة مرجعيّة. فبمقتضى هذه الرّوح العفويّة، نحن بإزاء فنّ تمكّن من استثمار فكر تشكيلي طلائعيّ ومن الاسهام في مراكمته بالممارسة، فكرٌ يستمدّ قيمته من داخل المراس المتواصل في الورشة وله جذور في الحياة الشخصيّة للفنّان والمناطق غير الشاكلة في الذّات، بعيدا عن التّنظير المفاهيمي وقريبا من التّعامل الفطريّ في لحظته الخام، دون تكلّف أسلوبي.

على هذا النّحو تمكّن الفنّان من تحقيق التطابق بينه وبين فنّه. فلوحة الحبيب بوعبانة هي بطاقة وجوده وهويّته. وهي مرآته الشخصيّة التي تكشف له ما لا يمكن أن يراه في شخصيّته. فهو يرتسم، على نحو أو آخر، بين ما يرسم من شخوص أعياها قلق الحضارة وضجيج الشارع وأنهكتها نواميس الوعي الإنساني فلاذت إلى النية في عالمها الداخلي في حلاوة الغموض وضبابيّة الملمح.

وبتسريعه لفعل الأداء، تمكّن الفنّان من استرجاع اللحظة الطفوليّة الخام في إدراك الألوان إلى حدّ الارتجال المبدع، إذ لا يبالي الفنّان بتنافر الألوان المتجاورة على القماشة مثل الأخضر والأحمر. وهكذا فإنّ لوحة بوعبانة مشحونة بنزق الحياة وذاكرتها اليوميّة اللاّرسميّة وهواجسها الأكثر سريّة. فلحظة الرّسم جزء من الحياة اليوميّة للرسام. ومن ثمّة، يتصالح اليومي والمعيش والعابر مع لحظة الفنّ، كما يستفزّ الشكل الفنّي الايقاع الداخلي لمجال "الأنا" الأكثر ذاتية وحميميّة لدى الفنّان. إنّ لحظة الرسم لدى بوعبانة هي لحظة ردّ الفعل تجاه ضغوط الحياة بكل ما تقوم عليه من منطق صارم أو كذب وتصنّع. وهكذا، تأتي لحظة الرّسم مغرقة في العبث الجمالي واللّعب الفنّي والسّخريّة أيضا. لقد انفتح الشكل الفني على ظواهر اللاّتنظّيم في إيقاع الانسان المعاصر. وانفتحت اللوحة على أزمات الذات الداخليّة وما تجرّ وراءها من تناقضات صارخة في بنيان الذات الاجتماعيّة للعالم.

وقد تجلّى الموقف السّاخر في فنّ بوعبانة من عدم الاكتراث بتوازن الذات والموضوع، إذ تبعث اللوحة شيئا من غسق الضوء وفتنة اللون في هشيم الذات الاجتماعيّة، تلك الذات الهائمة التي خارت قواها وأعيتها الصّراعات القيميّة والماديّة وانبعثت منها الحيرة وأربكها الاستفهام. كأنّنا بإزاء لوحة متمرّدة هي منزلة تصفية حسابات قديمة وجديدة مع التاريخ الشخصي للفنّان. لذلك كان لا بدّ أن تحتاج فرشاة بوعبانة إلى شيء يسير من المحرّضات والجرأة، حتّى ترسم هذه الأنا في عزّ انفعالها وتفصح عن مخزونها الدّفين وتقول اللاّمباح بنوع من الطّرافة وخفّة الرّوح.