فوزي الشتيوي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1950 - 2005م]

فوزي الشتيوي

هو فنان تشكيلي تونسي وُلد بمدينة تونس سنة 1950 وتوفّي بها سنة 2005. عُرف بأعماله في الرّسم الزيتي وفنّ الخزف. وكان له ولع بفنّ الجاز، فاشتغل عازفا على القيثارة صحبة الفنّان فوزي الشكيلي الذي أنشأ ما سُمّي الجاز التونسي دون أن نغفل عن كون هذا الجنس الموسيقي يقوم على الارتجال الفنّي والتّماهي مع تجلّيات لحظة الابداع. وهو ما أثر أسلوبيّا في الانتاج التشكيليّ للفنان، ليصبح سلوكا إبداعيا.

تابع فوزي الشتيوي سنة 1970 بدعم من زميله الرسّام علي خوجة (1947 - 1991) دروسا في فنّ الرّسم بالأكاديميّة الملكيّة للفنون الجميلة بلياج ببلجيكا، حيث حصل على جائزة في الفنون، كما درس بالمعهد العالي للفنون والهندسة المعماريّة والتعمير بتونس، حيث تخصّص في فنّ الخزف وحصل على الأستاذيّة سنة 1977 ثمّ اشتغل بتدريس التربية الفنيّة بالمعاهد الثانويّة التونسيّة.

وفي سنة 1982 حصل على إقامة بالحيّ الدّولي للفنون بباريس لمدّة سنة، فأتيحت له فرصة الاطّلاع على تجارب الفنّ المعاصر وتطعيم تجربته بالفكر الطّلائعي الذي يمسّ المفاهيم الأساسيّة للممارسة التشكيليّة. وقد نشط عند عودته باتّحاد الفنّانين التشكيليّين التونسيّين وخاصّة منذ سنة 1987. فكان متفاعلا مع أطروحات زميله الفنّان إبراهيم العزابي في الهيئة المديرة لهذا الاتحاد، وخاصّة في ما يتعلّق بتكثيف حضور الفنّان التشكيلي التّونسي في الحياة الثقافيّة. وكان فوزي الشتيوي، حتّى آخر حياته أستاذا ومديرا بالمركز الوطني لفنّ الخزف بالعاصمة، الرّاجع بالنظر إلى وزارة الثقافة والمحافظة على التراث.

شارك فوزي الشتيوي في الكثير من المعارض الفنيّة، داخل البلاد، مثل معارض اتّحاد الفنّانين التشكيليّين والمعرض السنوي بصفاقس حيث حصل على جائزة سنة 1995 والمهرجان الدولي للفنون التشكيليّة بالمحرس منذ دورته الثانية سنة 1989. أمّا في الخارج فقد شارك في عدّة ملتقيات وتظاهرات فنية بكلّ من تولوز وباريس والجزائر والقاهرة وبالكويت، كما قدّم معرضا خاصّا وحيدا سنة 1983 برواق التصوير. وكانت أبرز مشاركاته الفنيّة صحبة رفيقي دربه الرسّامَين الحبيب بوعبانة والأمين ساسي اللذين يشترك معهما في التصوّر الجمالي القائم على الجماليّة الساخرة في إخراج الشخوص المرسومة والارتجال الفنّي في تصريف اللمسات وتوزيع الأشكال بنوع من الرّوح الفطريّة. من ذلك، المعرض الذي انتظم بالفضاء الحرّ "التياترو" بتونس سنة 1999. وقد شارك فيه هذا الثالوث بمعيّة الفنّانة شهرزاد رحيّم.

وفي المعرض التّكريمي الذي نظّمه رواق "شريف للفنون" بسيدي بوسعيد بالتعاون مع أصدقاء الفنّان سنة 2007، بمناسبة الذكرى الثانية لوفاته، كتب الأستاذ إبراهيم العزابي في الكتاب الفنّي الذي يُوثّق لمسيرة الفنّان "إنّ الأثر الفنّي لفوزي الشتيوي لا ينخرط ضمن حركة معيّنة، ولكن بالأحرى، ضمن عمليّة تأليف لتيّارين وسما أعماله هما التعبيريّة الألمانيّة وفنّ البوب الأمريكي". وهذا التيّار الثاني هو نوع من الفنّ الشعبيّ الحرّ الذي يحتكم إلى مواقف ثقافيّة ثوريّة ربطت بين السلوك الفنّي وسلوك الحياة اليوميّة في المجتمعات الغربيّة والأمريكيّة خاصّة، سنوات الستّينات، باعتباره ردّ فعل ثقافيّا على اغتراب الانسان في حضارة الاستهلاك. وقد نشط هذا التيّار في الفن التشكيلي والموسيقى وفن الفيديو وتصميم الواجهات المعماريّة.

عُرفت لوحة الشتيوي في الثمانينات بتلك المفردات التي تتجاور في تناظم لتكوين الفضاء التشكيلي. فكلّ مُفردة هي عبارة عن لوحة تحمل بورتريه للشخصيّة نفسها. وهي غالبا ما تكون شخصيّة الفنّان ذاته. ولكن بين الصّورة والأخرى تغيير في بعض الملامح على المستوى التّشريحي، من جهة، وعلى المستوى التّشكيلي من جهة أخرى. وهكذا، تكون اللوحة رصدا لجملة من الحالات والأمزجة التي تطرأ على صورة الذّات في لحظات مختلفة. فصورة الوجه تتقلّب من ملمح إلى آخر. فهي تضحك أو تبكي أو هي مذهولة أو تتأمّل تشكيليّا. وبين هذا وذاك، تحتمل وجودا إشكاليّا مُرتبكا.

أما منذ بداية التسعينات، فقد تحرّر الفضاء الفنّي للوحة الشتيوي من هذا التّرصيف المُفردي، ليفسح المجال أكثر فأكثر إلى ارتجاليّة الفعل الفنّي وحركيّة الايقاع الضّوئي الذي يحكم توزيع الشخوص وما يحيطها من علامات في الحياة اليوميّة. وعلى غرار أسلوب بوعبانة وساسي، اعتمد الشتيوي مقاربة جريئة في تقديم شخوصه، فشوّه ملامحها وأخضع بناها التصويريّة إلى طراوة اللمسات ومرونة المادّة الزيتيّة وحركيّة الخطوط وتقابلات الداكن والمضيء. وهكذا، تحوّل الثّقل التشخيصي إلى مجموعة كيانات تشكيليّة خام تستعرض مسار تكوّنها التدريجي على القُماشة بنوع من "الفنتزة" والهُوام. وفتنة هذا العالم المُتخيّل الذي يحتمل سينوغرافيّة عجائبيّة تُحرّض النظر على الاستقراء الرّمزي والاشكالي، في الوقت نفسه الذي تَصرفه عن اعتماد الرمزيّة الفجّة والمجهزّة.

إنّ إدماج الشخوص في هذا الغموض بنوع من التراجيديا الاشكاليّة هو الباب الذي فتحه الشتيوي صحبة بعض رفاقه التونسيّين (بوعبانة، ساسي، قاره بيبان، الحرباوي...) ، في شكل حساسيّة فنيّة لامعة لها خصوصيّاتها النّوعيّة والشخصيّة، للولوج المتجدّد إلى قلب المنظومة الطلائعيّة للفنّ الحديث وهو يتطلّع إلى الأساليب المعاصرة في مقاربة الشخوص والتّعاطي معها من داخل مُقتضيات التّصويريّة الحرّة وسخاء اللغة التشكيليّة نفسها. وهو باب يمكن تأصيله داخل الفتوحات التي أهدتها إلى الفنّ الحديث تجارب كبرى من قبيل مارك شاغال وأماديو مودغلياني وفرنسيس بيكون وجماعة الفنّ الفطري الخام بباريس. وخاصّة منذ النّصف الأوّل من القرن العشرين، حين أخذت تترسّخ قيمة الاستقلاليّة في العمل التّصويري والنّظر إلى الشخوص المرسومة من حيث هي كيانات تشكيليّة من صنيع الفن وليست مجرّد انعكاسات لهيئات طبيعيّة أو مرجعيّات ماقبليّة تحدّد طريقة الادراك الفنّي. ومن هذا الجانب تسجّل لوحة الشتيوي انخراطها الفاعل في أهمّ محاور التاريخ الفنّي الحديث والمعاصر على نحو ما.