عمارة دبش

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[1918 - 1977م]

هو رسّام تونسي من جيل الروّاد، وُلد بأحد الأرياف الجبليّة المتاخمة لمدينة الكاف سنة 1918 وتُوفّي بإحدى ضواحي باريس سنة 1977. عاش طفولته الأولى في أوضاع عائليّة واجتماعيّة صعبة نتيجة مخلّفات الحرب العالميّة الأولى والتقلّبات السياسيّة والاجتماعيّة التي تسبّب فيها الاستعمار الفرنسي، تلك التقلّبات التي أناخت بكلكلها على المجتمع الرّيفي ذي النشاط الفلاحي البسيط. فلامس تأثيرها على العائلات المعوزة والكادحة. وعلى إثر تيتّمه، عاش عمارة دبّش صباه في مركز تربوي تابع لمنظّمة الصّليب الأحمر بنهج الباشا بالمدينة العتيقة، بالعاصمة. وفي هذا المركز الذي أنشأته السلط الفرنسيّة، تلقّى عمارة دبّش تربية خاصة على أيدي المعلّمات الرّاهبات، بعد تبنّيه. و"ربّما في هذا المنعطف حصل شرخه الأوّل، وبدأ نزيف صراعه الباطني بين أصله البدوي الفطري والعربي المسلم ومحيطه الحضري الجديد الذي تحكمه صرامة الطّقوس الكاثوليكيّة وآلام السيّد المسيح" كما كتب الصحفي والنّاقد عمر الغدامسي في نشرة المعرض التكريميّ للرّسام سنة 1999 بتونس.

كانت حياة الفنّان عمارة دبّش تعجّ بالمفارقات. وهو ما جعلها تتّسم بطابع الشقاء والتجاذب بين منازع فكرية وجماليّة محتدمة. وقد انعكس ذلك على ما أنتجه من أثر تشكيلي ثريّ، إذ من مجرّد راعٍ صغير بين الأغنام بجبال الكاف تحوّل عمارة دبّش إلى واحد من أبرز مثقّفي جيله الذين واكبوا أهمّ المنعرجات الثقافيّة الكبرى بباريس، تلك التي وسمت القرن العشرين وانخرطوا في تحوّلاتها وما أفرزته من قيم معرفيّة وجماليّة في الأدب والفلسفة والفنون.

فقد كان الرّجل من أصحاب المواقف الثقافيّة المتأصّلة في مرجعيّاتها الحديثة. وهو ما أهّله لأن يكون من الفنّانين التونسيّين القلائل الذين ربطوا على نحو وثيق بين الممارسة الفنيّة والخطاب المعرفي والتنظيري الذي نشأ معها. وهي خاصيّة نادرة اشترك فيها عمارة دبّش مع زميله وأحد أفراد جيله الرسّام التونسي حاتم المكي (1918 - 2003)، رغم أنّ الأوّل لم ينل الحظوة التي لقيها الآخر في حياته. فبعد أن تلقّفته أيادي الأخوات الرّاهبات في أواسط العشرينات وبعد أن أُمّنتْ دراسته الابتدائيّة بين أحضانهنّ، اشتغل عمارة دبّش (وهو في الخامسة عشرة من عمره) في مركز الفنون الأهليّة (الذي يهتمّ بالحرف الفنيّة والصّناعات التقليديّة) وكان قد انضمّ إليه أيضا كلّ من علي بن سالم (1910 - 2001) وحاتم المكّي، قبل فتح مدرسة الفنون الجميلة بتونس. قُبل عمارة دبّش سنة 1936 للمشاركة في معرض ما كان يسمّى "إفريقيا الفرنسيّة"، ولم يتجاوز وقتذاك، سنّ الثّامنة عشرة. فقد كان لهذا الشاب من النضج الفنّي المبكّر ما أهّله ليستغلّ فرصة هذا المعرض للتعريف بإنتاجه، في زمن لم يكن من السّهل لفنّان تونسيّ الأصل أن يكون له حضور ثقافيّ ملحوظ.

وفي أعقاب الحرب العالميّة الثانية انجذب عمارة دبّش إلى الحركة الثقافيّة التي نشطت بباريس. فعاشر الفلاسفة الوجوديين الذين اكتشف فيهم دعما لتطلّعاته الانسانيّة نحو التحرّر. فقد "كان مناخ التحرّر بباريس ملائما لشخصيّة عمارة دبّش" على حدّ تعبير المؤرّخ الفنّي الفرنسي باتريك أبايريس، إذ كانت للرّجل استفادة من الفيلسوف جون بول سارتر وقد تفاعل مع مؤلّفاته، كما عايش نداءاته الثوريّة من أجل حريّة الإنسان واستقلال الشعوب. ولقد اشتغل الرسّام في فترة إقامته بباريس في مجال رسم البورتريه وتصميم الكتب والمعلّقات، كما ابتكر رسوما فنيّة (لم تنشر) هي بمنزلة قراءات تشكيليّة لمؤلّفات عدّة كتّاب لمعوا في تلك المرحلة بباريس، مثل الأديب والفيلسوف ألبار كامي. وفي سنة 1962 عاد عمارة دبّش إلى تونس لفرض وجوده مرّة أخرى داخل الوسط الثقافي والاسهام في بناء النهضة الفنية لتونس المستقلّة.

ولكنّه واجه صعوبة بالغة في الاندماج وتأكيد توجّهاته الفنية والفكرية ومحاولة العثور على موطإ قدم بين أوساط الجمهور يمكّنه من تجسيد حضوره، خصوصا أنّه قد جلب معه من الخبرة الفنيّة والرّؤية الجماليّة ما بدا غير مألوف داخل بنية الذائقة الفنيّة السائدة لدى عدّة رسّامين تونسيين وقتذاك. فقد كانت أعماله بمنزلة استفادة ذكيّة من تراكمات تجربة الفنّ الحديث بفرنسا وتمثّلا شخصيّا لها وخلاصة لافتتانه بأثر المعلّم الفرنسي بول سايزار، الرسّام الانطباعي الذي يرجع إليه الفضل في التبشير بالنّزعة التكعيبيّة في فنّ الرّسم الحديث والمعلّم الاسباني الأصل بابلو بيكاسو الذي حقّق انتصارا باهرا في معركة تحرير الشكل من ملمحه السطحي والذي أعاد تركيب عناصر العالم من خلال تحريك الخطوط.

لقد حاول الوحيد تقريبا أن يلج معترك الحياة الثقافية السائدة في الستينات والسبعينات، حين سيطرت مقولات التأصيل والتّجذير واستعادة الذاكرة الثقافيّة (العربية الاسلامية) لصياغة مشروع الهويّة. فبحث له، بنوع من التحدّي، عن مدخل لائق يمكّنه من اختراق بنية الذّائقة. فشارك في بعض المعارض التونسيّة بالدّاخل والخارج مثل معرض الرّسم التونسي بلندن سنة 1964 والصّالون التونسي سنة 1968 بتونس، كما أقام معرضا شخصيّا ضمّ 215 لوحة فنيّة سنة 1967. ولكنّه كان الوحيد تقريبا في منزعه. فلم ينخرط في تيّار أو مجموعة فنيّة على شاكلة جماعة مدرسة تونس لفنّ الرّسم أو على شاكلة الرسّامين الشبّان في "مجموعة الستّة". وبالرّغم من تعاطف بعض الفنّانين الشّباب معه مثل الرسّام عبد المجيد البكري، فإنّ ذلك لم يحل دون عودته إلى فرنسا سنة 1974. وسواء تعلّق الأمر برسومه الخطيّة على الورق أو بلوحاته الزيتية التي تنفتح على مشارب أسلوبيّة متنوّعة، من انطباعيّة وتكعيبيّة وتجريديّة فإنّ إنتاجه الفنّي زاخر بمعاني الانسانيّة السّامية وهي تسجّل "توقا إلى المثاليّة والانعتاق من هموم عالمنا الأرضي". ولقد "كانت حياته حافلة حبّا وعشقا وشغفا إبداعيّا وتنقّلا، لهثًا وراء السّراب إلى أن همدت روحه فجأة على نحو مأسويّ فغادرنا بقرار منه ذات خريف يوم 11 نوفمبر 1977 بضاحية نوفال لوشاطو بفرنسا" على نحو ما كتب عبد المجيد البكري في دليل المعرض التكريمي للرسّام عمارة دبّش الذي نظّمته وزارة الثقافة بتونس برواق التصوير سنة 1999، بمناسبة الذكرى الثانية والعشرين على وفاته. وكان ذلك بالتعاون مع أصدقاء عمارة دبّش. وقد جاء هذا المعرض بعد تظاهرة فنيّة انتظمت بمنتدى "فضاءات تشكيليّة" بالنادي الثقافي الطاهر الحدّاد لتكريم الرسّام بمبادرة من الصّحفي عمر الغدامسي. وتخليدا لذكرى واحد من أبناء تونس المبدعين، أصدر البريد التونسي سنة 1988 طابعا بريديّا يحمل صورة لإحدى لوحات عمارة دبّش الانطباعيّة، هي عبارة عن مشهد طبيعي من شاطئ أميلكار رسمه سنة 1942.