نفزاوة

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

نفزاوة في الأصل قبيلة بربرية بُتريّة، كانت تعيش بالجنوب التونسي، ويمتدّ مجالها إلى طرابلس الغرب، ثمّ استوطنت عدّة بطون منها أرجاء أخرى من المغربين الأوسط والأقصى وحتى الأندلس، غير أنّ شهرة هذه القبيلة تستمدّها أساسا من المنطقة التي تحمل اسمها والتي توجد في الجنوب الغربي محاذية شط الجريد من الجهتين الشّرقية والجنوبية.

واحة جمنة نفزاوة

أمّا إداريا فقد كانت نفزاوة أحيانا تابعة لبلاد الجريد، إلاّ أنّها أضحت في عهد الحماية الفرنسية وحدة إدارية يشرف عليها مكتب للشّؤون الأهلية. وبعد الاستقلال أُلحقت بولاية قابس ثم أصبحت ولاية سنة 1981، تمسح 22 ألف كم2، وتعدّ 400 143 نسمة طبقا لاحصاء سنة 2004. ولقد عرفت نفزاوة منذ القديم بكثرة قراها إلاّ أنّ أهمّ مدنها حاليا قبلي ودوز.

تاريخها[عدّل]

إنّ ما كان يميزّ منطقة نفزاوة قديما عزلتها وصعوبة الوصول إليها، وطالما تعرّض الرّحّالة والجغرافيون العرب لصعوبة اجتياز الشّطّ الذي يفصلها عن بلاد الجريد. وكانت الكثبان الرّملية وقلّة المياه جنوبا، حاجزا طبيعيا أسهم في تلك العزلة، ولذلك كانت الإشارات إليها مقتضبة في كتب الرّحلات. ذُكرَ اسم نفزاوة لأوّل مرة في القرن 1م، إذ أدخلت إلى منطقة الليماس (Limes) الرومانية، وحدّدت أراضيها سنتي 29 - 30م وكانت تُعرف آنذاك باسم قبيلة النبجني (Nybgenii)، غير أنّ الوجود البشري بالمنطقة يعود إلى فترات سحيقة إذ عثر على عدّة أدوات ما قبل تاريخية بمواقع عدّة، ولعلّ أهمّها الحجارة التي وجدت بعين برمبة والتي تعود إلى ما قبل التاريخ وقد استعملت آنذاك للصيد. ويحسن ذكر أهمّ المحطّات التّاريخية، إذ اكتسبت نفزاوة أهمّيتها في العهد الروماني بفضل موقعها المتقدّم في الليماس، وارتقت عاصمتها آنذاك توريس تامليني (Turris Tamalleni) (تلمين الحالية) إلى رتبة بلدية (Municipium). ولعل ما يدلّ على مكانتها وجود أسقفية بها في القرن 4م. وفي بداية القرن 5م ناصرت الحركة الدوناتية قبل أن تخضع من جديد للسّلطة المركزية وهيمنة المذهب المسيحي الرسمي.واستمرّ هذا الوضع إلى أن قدمت جيوش الفتح إذ مرّ بها جيش عقبة بن نافع وأسّس بتَلْمين ذاتها الجامع الذي مازال يحمل اسمه، كما مرّ بها جيش حسّان بن النعمان متعقّبا الكاهنة.

وفي القرن 2هـ/8م، انتشرت فيها الدعوة فتبنّى سكانها من البربر معارضة سلطة الولاة العرب من داخل المنظومة الاسلامية. وفي هذا الإطار زحفت قبيلة ورفجومة النفزاوية سنة 140هـ/757م على القيروان وسيطرت عليها وهو ما أثار الإباضية الذين هبّوا لتخليص القيروان من ورفجومة. ومن ذلك التّاريخ أخذت المنطقة تتحوّل من المذهب الصفري إلى المذهب الإباضي، وهو ما تجسّم سياسيا في تبعيتها للدولة الرّستمية. وقد قامت قلعة درجين قرب نفطة بدور همزة الوصل بين جناحي تلك الدولة: المغرب الأوسط من جهة وجبال نفوسة بطرابلس من جهة أخرى.

وبقيت لتلك القلعة بعض الأهمية إلى أنّ دمرتها جيوش المعز سنة 437هـ/1045م، وقد كان للانتشار الهلالي الذي وقع بعد بضع سنوات فقط كان أعمق تأثيرا في المنطقة سواء من الناحية المذهبية أو البشرية. فقد اتّجه المذهب الاباضي نحو التراجع حتى اضمحل تماما في القرن 7هـ/13م. أمّا بشريا فقد استوطنت نفزاوة قبائل الشريد وزغب الذين أصبحوا لعهد ابن خلدون "عامة أهلها". على مستوى آخر، كانت نفزاوة ملجأ للثائرين، ولعلّ أهمّهم آنذاك بنو غانية، إذ اتخذها يحيى بن غانية قاعدة له، انطلق منها للسيطرة على عدة مناطق بالبلاد التونسية قبل أن تنتفض عليه فيعود إليها سنة 601هـ/1204م ويخرب طرّة عاصمتها آنذاك. ويبدو أنّ المنطقة قد تراجعت كثيرا في العهد الحفصي وهذا ما نستشفه من شهادات كلّ من ابن خلدون والتجاني والحسن الوزان.

وفي عهد الأتراك العثمانيين تركزت بنفزاوة حامية من الجيش الانكشاري انتصبت غير بعيد عن موضع طرّة وكلّفت بحفظ الأمن وتسهيل جمع الضرائب، كما استقبلت المنطقة في بداية هذه الفترة موجات من المهاجرين من البلاد الطرابلسية. وفي القرن 18م تركت الحرب الحسينية الباشية أثرا عميقا بالمنطقة إذ انقسمت قراها إلى صفين متصارعين عرف أحدهما بشداد والاخر بيوسف، وحتى إداريا أُقرّ هذا التقسيم وهو ما أدّى إلى استمرار النزاع بين الصفين. ومن أبرز محطّات ذلك النزاع تدمير بلدة قبلي سنة 1857م من قبل المحلة وحرق بلدة جمنة سنة 1879م. وقد أدت هذه النزاعات إلى إنهاك المنطقة فلم تسهم إلى حدّ كافٍ في مقاومة الاحتلال الفرنسي إذ لم تتعرّض كتيبة الجنرال فيلبار في ربيع 1882م إلى مقاومة تذكر. ومع ذلك فقد أُخضعت نفزاوة للادارة العسكرية الفرنسية بإشراف مكتب للشؤون الأهلية، اختيرت قبلي مقرا له، وأحكمت به السيطرة على المجتمع المحلي، غير أنّ ذلك لم يمنع أبناء المنطقة من الاسهام في الحركة الوطنية وفي الانتفاضات المسلحة وخاصة منها انتفاضة المرازيق سنتي 1943 - 1944. من جانب آخر أصبحت نفزاوة في العهد الاستعماري منفًى للوطنيين إذ أبعد اليها خليفة بن عسكر النالوتي في الحرب العالمية الأولى والحبيب بورقيبة سنة 1934 ومحمد شنيق وثلاثة من وزرائه سنة 1952، إلا أنّ العهد الاستعماري كان من جهة أخرى منطلقا لتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة.

اقتصادها[عدّل]

لئن اشتهرت نفزاوة قديما ببعض الصناعات كالزجاج والأقمشة بطرة، فإن الاقتصاد المحلي كان ومازال يرتكز على الواحة، إذ تشكّل المياه والنخيل العامل الرئيس في حياة الاستقرار. وقد أشار البكري (ق 5هـ/11م) ثمّ التجاني (ق 8هـ/14م) إلى توفّر المياه والبساتين بالمنطقة، وامتدح التجاني خاصة جودة التمور والسفرجل والاجّاص، إلا أنّ المعطيات الاحصائية لم تتوفّر إلاّ منذ قرن ونصف تقريبا وذلك بفضل الدفاتر الجبائية، ومن ذلك الوقت تطور عدد النخيل بالمنطقة من 323 ألف نخلة سنة 1862 إلى 1950 ألف نخلة سنة 1996: ويعود هذا التطور إلى عدة عوامل من أهمها:

  • توفر المياه، فقد حفرت أوّل بئر ارتوازية سنة 1908 وبلغ عدد هذه الابار 78 سنة 1956 و328 بئر حاليا، كما حُفرت منذ بداية الثمانينات الابار العميقة التي يبلغ عددها حاليا 27 بئرا.
  • ارتباط المنطقة باقتصاد السوق، وهو ما يتطلب توفير الأنواع الممتازة من التمور. وفي هذا الاطار تطور عدد نخيل الدقلة من بضع عشرات فقط سنة 1862 إلى 170 ألف سنة 1946 و000 550 1 حاليا. وتجدر الاشارة إلى أنّ نفزاوة قد افتكت من الجريد مركز الصدارة من حيث إنتاج التمور. وبالإضافة إلى النخيل فإنّ المنطقة تنتج عدّة ثمار أخرى (الرمان، التين، العنب، الزيتون...) كما تطورت بها منذ بداية الثمانينات زراعة الباكورات بفضل انتشار البيوت المكيفة (729 بيت سنة 1996).

ولئن بقي الاقتصاد النفزاوي يرتكز أساسا على الفلاحة وما يرتبط بها من صناعات صغيرة (9 محطات لتكييف التمور) إضافة إلى بعض الصناعات التقليدية فقد أقيمت بها عدة وحدات سياحية، وأصبحت دوز مركزا مهماًّ للسياحة الصحراوية. وقد أدّى المهرجان الدولي للصحراء في هذا الإطار دورا مهمّا في جلب السياح وترويج المنتوج الصحراوي. لقد أدت التحولات التي طرأت على الاقتصاد المحلي في القرن العشرين إلى تطور حياة الاستقرار حتى اندثرت حاليا حياة التنقل والترحال وانحلت الوحدات القبلية.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • باجية صالح، الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، 1396/ 1976.
  • الباروني، سليمان بن عبد الله النفوسي، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، مطبعة الأزهارالبارونية، دت.
  • Peyras J,et Trousset P,"Le lac Tritons et les nom ancien de Chott El Jérid",Antiquités Africaine,1988,pp188-189