شمس الدين الوادي اشي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

[673 - 749هـ/1274 - 1348م]

نشأته وتعليمه[عدّل]

هو أبو عبد اللّه شمس الدين محمد بن جابر بن محمد القيسي الوادي آشي الأصل، التونسي المولد. هاجر والده من الأندلس ونزل تونس فاستوطنها ورحل إلى المشرق في شبابه الباكر ليتّصل بكبار علمائه في بغداد والموصل ودمشق والاسكندرية. ثمّ عاد إلى تونس في ثلاثينات القرن السابع الهجري/13م ليستقرّ بها، فولد له ابنه محمد سنة 673هـ/1274م، على ما هو مذكور في أغلب الروايات. ولد الوادي آشي في عهد بلغت فيه العاصمة التونسية ذروة مجدها الثقافي فجمعت عدّة علماء وأدباء وآوت الكثير من الأندلسيين المهاجرين بعد سقوط إشبيلية وما والاها من المدن والأمصار التي تشتّت شملها أمام صدمات حروب الاسترداد. تلقّى الوادي آشي ثقافته الأساسية بتونس على ثلاثة أصناف من الشيوخ:

1) التونسيون كأبي العباس البطرني وأبي عبد اللّه محمد بن عبد النور وأبي موسى بن هارون وأبي اسحاق بن عبد الرفيع الربعي وأبي زيد عبد الرحمان الدباغ القيرواني صاحب "معالم الايمان" وأبي القاسم اللبيدي وأبي الحسن علي التجاني وغيرهم. 2) الأندلسيون المقيمون بتونس كوالده جابر الوادي آشي وأبي جعفر اللبلي وأبي العباس بن الغماز البلنسي وأبي محمد عبد اللّه بن هارون القرطبي. 3) الأندلسيون أو المغاربة الوافدون على تونس في طريق الحج كأبي القاسم خلف بن عبد العزيز الغافقي كاتب الإمارة العزفية بسبتة وأبي العباس الغبريني فقيه بجاية وقاضيها وصاحب كتاب "عنوان الدراية".

فكان الطابع الغالب على ما اختاره من الدروس التي تلقّاها عليهم علوم الحديث وكتبه والقرآن الكريم قراءة وتفسيرا واللغة نحوا وأدبا، ولم يجمع من كتب الفقه إلاّ ما كان كافيا لما يتزوّد به المثقف من العلوم التي ليست من اختصاصه. وفي عهد شبابه وتعلّمه تلقّت تونس جماعة متعدّدة من الرحّالين المغاربة الأندلسيين في الورود والصدور. وكان من أشهرهم مؤلفو الرحلات كالعبدري صاحب الرحلة المشرقية والقاسم بن يوسف التجيبي صاحب مستفاد الرحلة والاغتراب وابن رشيد الفهري صاحب ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة وغيرهم ممن كتبوا رحلاتهم في معاجم أو فهارس أو مشيخات أو برامج، وهؤلاء لا يكادون يدخلون تحت حصر.

رحلته الأولى[عدّل]

ولمّا اجتاز الوادي آشي من عمره الأربعين (في سنة 721هـ/1321م) شرع في رحلته الأولى إلى المشرق التي قادته إلى الاسكندرية والقاهرة ثم بيت المقدس والخليل ودمشق ثم مكة والمدينة. وأخذ في كل مركز من هذه المراكز يجمع الروايات ويكثر من الحمل والسماع، فجمع الكثير من الاجازات، وما كان يكتفي بلقاء أكابر أعلام المعرفة في كلّ بلد يدخله وإنّما كان لا يألو جهدا في تتبّع أهل الاختصاص في كلّ معارف عصره فكان يتلقّى في هذه المراكز عن الكثير من علمائها ومحدثيها. ففي الاسكندرية أخذ عن أبي الحسن الغرّافي وهو من مشاهير المحدثين المصريين، وقد تتلمذ له جل المغاربة والأفارقة المارّين إلى الحج، وأخذ عن ابن جماعة الاسكندري وعبد الواحد بن المنير. وفي القاهرة تنقّل بين مختلف المدارس ومعاهد العلم كالمدرسة المنصورية وخانقاه سعيد السعداء وأخذ عن عبد الكريم الحلبي وابن الصلاح ولازم أثير الدين بن حيان الأندلسي الذي درس عليه ثمانية من كتب اللغة والنحو والأدب والأشعار. وفي الشام أخذ عن إبراهيم الجعبري وعن الحافظ ابن عساكر الدمشقي وابن الشحنة وأبي بكر ويوسف المزيين. أمّا بالحرمين الشّريفين فقد أخذ القراءات عن عبد اللّه الدلاصي وأخذ الحديث عن الرضى الطبري المكي. وعاد إلى وطنه تونس ليجلس بها مدرسا فيجتمع حوله الطلبة آخذين عنه ما جمعه من رحلته هذه ويتخرّج عليه أكابر علمائها كعبد الرحمان بن خلدون وابن عرفة وكثير من أبناء طبقتهما.ورحل إلى المغرب والأندلس فرافقه تلميذه ابن مرزوق الخطيب وكان يقرأ عليه في كثير من مراحل رحلته هذه سواء بمدينة بجاية أو بظاهر قسنطينة أو بظاهر المهدية أو بمنزل ابن مرزوق في تلمسان أو بمدينة فاس. وواصل الوادي آشي رحلته إلى شمالي المغرب فدخل طنجة واجتاز إلى الأندلس فدخل غرناطة. ويبدو أنّ أكثر اتّصالاته العلمية ودروسه كانت بمدينتي فاس وغرناطة.

فقد أخذ عنه بفاس ثلّة من كبار شيوخها الذين تولّى بعضهم بعد ذلك قضاء الجماعة بها وغيرها من المدن المغربية كأبي عبد اللّه بن محمد بن أحمد القشتالي ومحمد بن يحيى الغساني البرجي وعبد اللّه بن محمد الزقندي ومحمد بن أحمد بن محمد الشريف وعلي بن أبي بكر بن السبع المكناسي ومحمد بن إبراهيم الصفار. أمّا غرناطة فقد زارها سنة 726هـ/1326م، فأخذ بها عنه وزيرها وكاتبها لسان الدين بن الخطيب، ومحدّثها وحافظها فرج بن قاسم بن لب الغرناطي، وفقيهها وأديبها أحمد بن علي المعروف بابن خاتمة.

رحلته الثانية[عدّل]

رجع إثر ذلك إلى تونس ليقضّي بعض السنوات في التدريس وليغادرها مرة أخرى في رحلة ثانية للمشرق بدأها سنة 734هـ/1334م، وعاد فيها إلى المدن التي عرفها في رحلته السابقة لا للتعلم والسماع هذه المرّة ولكن للتعليم والاسماع ليكون شيخا يتلقّى عليه الطلبة من المشارقة بمصر والشام. وكان من أشهر تلاميذه الحافظ شمس الدين الذهبي صاحب المؤلفات الشهيرة والعلم البرزالي صاحب الأسانيد العالية ومحمد بن اللبان وإبراهيم الشامي المبرزان في القراءات وغيرهم كثير. وقصد بعد ذلك الحجاز، فأقام بالحرمين مجاورا سنين طويلة فاتت العشرة أعوام كان فيها مدرّسا للكثير من أمهات الكتب الحديثة والقراءات واللغة والنحو. وكان من تلاميذه الفقيه إبراهيم بن فرحون صاحب كتاب الديباج المذهّب الذي خصّه فيه بترجمة واسعة وذكر أنّه سمع عنه الموطأ برواية يحيى بن يحيى في الحرم النبوي الشريف سنة 746هـ/1346م، وتحدث عنه فقال: "إنّه أحد شيوخنا وشيخ كثير من أهل زماننا".

وعاد إلى تونس سنة 748هـ/1347م، فوجدها خاضعة للسلطان أبي الحسن المريني الذي وفد عليها بجيوشه والكثير من علماء المغرب فعقد فيها مجالسه العلمية جامعا بين أهل العلم من التونسيين والمغاربة مثيرا بينهم المناظرات الحادة والمناقشات المثمرة التي لا شكّ في مشاركة الوادي آشي فيها، إذ جمعت الكثير من العلماء حتى من هم في درجة تلاميذه كابن عرفة في عهد شبابه. وفي سنة 749هـ/1348م، أصيبت الثقافة في المغرب العربي في الكثير من علمائها وجهابذتها الذين أودى بحياتهم الطاعون الجارف ومنهم محمد بن جابر الوادي آشي.

برنامج شيوخه ومروياته[عدّل]

مات الوادي آشي ولم يترك إلا تآليف قليلة قياسا إلى ما كان يتمتع به من مكانة في المعرفة وكثرة رحلاته العلمية. فلم تذكر له المصادر غير كتاب في الحديث جمع فيه أربعين حديثا سماها الأربعون البلدانية، وترجمة للقاضي عياض السبتي صاحب كتاب الشفاء وأسانيد لكتب المالكية وبعض التعاليق المفيدة، وبرنامج في شيوخه ومروياته. وهي كتب لم تُبق لنا الأيام منها غير برنامج شيوخه الذي وجدت منه بعض نسخة قديمة في المكتبة النورية بصفاقس ونقلت إلى المكتبة الوطنية بتونس ونسخة كاملة قديمة في مكتبة الأسكوريال وهي نسخة حسنة إلا أنّه أدخل عليها اضطراب كثير عند تسفيرها. ذكر الوادي آشي في برنامجه هذا شيوخه من تونسيين ومشارقة ومغاربة فبلغ عددهم 270 شيخا. وأورد في الجزء الثاني من هذا البرنامج الكتب التي درسها عليهم وأخذها عنهم، فبلغ عددها 237 كتابا.وبرنامج الوادي آشي هذا من أهمّ الكتب التي تقدم لنا صورة واضحة جلية للثقافة التونسية والحركة العلمية بإفريقية في العهد الحفصي ومدى ما أسهمت به النخبة من المثقفين التونسيين في مجال الحضارة الإسلامية في القرنين السابع والثامن الهجريين/13 - 14م.