العلاقات الاجتماعية في تونس

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

أجمع الرحالة الأجانب الذين زاروا البلاد التونسية في القرون الماضية على سهولة التعامل مع التونسيين أو سكان إفريقية كما كانت تسمى سابقا إذ وجدوا لديهم كرم الضيافة وحسن القبول والائتمان على حياتهم وممتلكاتهم. إنّ طبيعة البلاد التونسية المتكونّة أساسا من سهول متّصلة بالبحر (1300 كلم من السّواحل) ومتّسمة بضعف التّضاريس المرتفعة مقارنة ببلدان المغرب العربي (معدل الارتفاع: 300م بتونس، 900م بالجزائر و800م بالمغرب) جعلت من تونس بلدا متفتّحا على الشّعوب المجاورة يغري منذ العصور الموغلة في القدم الغزاة والفاتحين، وموطنا للتمازج والاختلاط بين الأجناس، فقد تمت أكثر الغزوات لبلدان المغرب العربي عن طريق تونس (الفينقيون، الرّومان، البيزنطيون، العرب، الأتراك). ولكن لم تستهو تونس الغازين فقط، بل استهوت أيضا الزّائرين والتّجار منذ عهد الفينيقيين حينما جعلوا من المرافئ التونسية نقاط التقاء بين التّجار القادمين من عدّة بلدان كما أنّ السّاحل التّونسي الجنوبي الآهل بالسّكان يوفّر ممّرا آمنا وإطارا مضيافا للقوافل التّجارية الرّائحة أو القادمة من الصّحراء وجنوبها وإليهما. إضافة إلى ما سبق، كانت تونس قبلة لموجات اللاّجئين الفارّين من الكوارث الطبيعية والاضطهاد الدّيني والسّياسي (الأندلسيون، اليهود، الجزائريون، الليبيون...).

جعلت هذه العوامل الجغرافية والتّاريخية من المجتمع التونسي مجتمعا متقبّلا للغير، يسهل التّعامل معه، وهو ما يفسر التّجانس الكبير لعناصره رغم اختلاف أصولها. وقد طبعت هذه السّمات العلاقات داخله. وفيما يلي عرض لها:

العلاقات الأسرية[عدّل]

تختصّ الأسرة التّونسية التّقليديّة بالامتداد والتّوسّع فتشمل زيادة على النّواة الأسريّة (الأب، والأم، والأبناء)، الأجداد والأحفاد، وأحيانا أعضاء آخرين من الأسرة مثل الأعمام والعمّات... يتقاسمون المسكن نفسه، ويتعاطون المهنة ذاتها داخل الضّيعة أو المتجر، أو الورشة العائليّة. وتتّسم العلاقات الأسريّة بالتّضامن الكلّي بين الأفراد، وبأهميّة السنّ في تسيير شؤون الأسرة (الأصغر سنا يمتثل إلى من يفوقه سنّا) وبتقسيم الأدوار حسب الجنس.

وكانت الأسرة التونسية إلى وقت غير بعيد الملاذ الوحيد للفرد ضدّ الصّعوبات التي تعترضه في الحياة، فتحميه وتساعده قدر الإمكان على تجاوزها، وفي المقابل يدين لها بالولاء المطلق. ومنذ الاستقلال تطوّرت الأسرة التونسية تطوّرا ملحوظا بتأثير عوامل اجتماعيّة واقتصادية عدّة، فتقلّصت الأسرة الممتدّة، وأصبحت الأسرة النّواتية المتكوّنة من الوالدين والأبناء الأنموذج السّائد. ورغم التّطور الذي طرأ على الأسرة التونسية في اتّجاه استقلال الزّوجين في حياتهما الخاصّة عن العائلة الكبرى، فإنّ علاقات متينة مازالت تربط الأفراد المنتمين إلى العائلة الواحدة أو الأسرة الممتدّة وإن ابتعدوا في السّكن واختلفوا في ظروف العيش وتباينوا في المكانة الاجتماعية، ويتجلى ذلك خاصّة في تبادل الزّيارات والتّضامن في الظّروف الصّعبة.

وبتطوّر نظام الضّمان الاجتماعي في تونس، الذي غطّى (سنة 1997) 69,79% من التونسيين تقلّصت الحماية الماديّة للأسرة، لكن حافظت على دورها العاطفي باعتبارها إطارا اجتماعيّا يوفّر الشّعور بالاطمئنان والرّاحة النّفسية ويلبّي الحاجة إلى الانتماء. ولعلّ أهمّ مؤشّر على محافظة الأسرة التونسية على دورها العاطفي إزاء أفرادها هو عدم تخلّيها عن مسنّيها، فبقي عدد المراكز المخصّصة لايواء المسنّين مستقرّا في حدود 11 مركزا منذ 15 سنة ولم يتجاوز عدد نزلائه 750 فردا، وانحصر مثلا عدد مطالب الايواء المقدّمة في سنوات (1995, 1996, 1997) في حدود 300 مطلب. وقد وجدنا أنّ أكثرهم يفتقرون إلى الرّوابط الأسريّة (44% لم يتزوّجوا، 3,83% ليس لهم أبناء، 13% مطلّقون). وكانت نسبة كبيرة منهم تعيش حياة هامشية قوامها التسكّع والتّسوّل.

أمّا التّطور المهمّ الآخر الحاصل في العلاقات الأسريّة التّونسية، فهو تقلّص الهوّة التي كانت تفصل بين الأدوار الرجالية والأدوار النسائية فازداد اشتغال المرأة خارج المنزل وأصبح الزوج أكثر استعدادا لمساعدة زوجته في الأشغال المنزليّة، ولم يعد عامل السنّ محدّدا رئيسيّا للعلاقات الأسريّة بل فقد الكثير من قيمته لفائدة عوامل أخرى مثل المستوى الاقتصادي والتّعليمي لأفراد الأسرة، لكنّ بقي للمسنّ رغم ذلك دور معنويّ وهو المحافظة على اللّحمة الأسريّة، والتّدخّل لفضّ الخلافات.

علاقات التّضامن[عدّل]

إنّ علاقات التضّامن بين التونسيين (تويزة، معونة، عولة، لمّة...) ضاربة في القدم وبعضها يحمل إلى الآن كلمات أمّازيغية مثل "تويزة" التي تعني المساعدة الجماعية، وقد ورد ذكرها في كتابات المسافرين الأوروبيين منذ القرن الثامن عشر. ويمكن أنّ تكون علاقات التّضامن ناتجة عن واجب ديني (إعطاء الصّدقات، أداء الزّكاة...) كما يمكن أن تمثّل نوعا من التّعاون الطبيعي للتّغلب على مصاعب يعجز الفرد عن مجابهتها بمفرده، مثل تجميع القوى، ووسائل الانتاج لمساعدة فلاّح من المنطقة على بعض الأعمال الفلاحية قبل فوات أوانها (حراثة، جمع الصّابة..) أو لتعويض ما فقده من ماشية نتيجة مرض أو كوارث طبيعية، علما أنّ المتبرّع بالمساعدة قد يحتاج إليها هو نفسه في يوم ما، فلا يمكنه حينئذ التّنصل من الواجب الجماعي.

وتؤدّي علاقات التّضامن دورا مهمّا في اندماج الأفراد داخل مجموعاتهم وتلبية حاجاتهم إلى الانتماء وإزالة شعورهم بالعجز، وتتجاوز العلاقات الأسرية لتشمل الجوار، وروابط الصّداقة، والانتماء الجهوي والقبلي. وتتجلى قيم التّضامن بين التونسيين في ثلاثة مظاهر قد تكون متّصلة أو منفصلة بعضها عن بعض : أوّلها تبادل المساعدات الماديّة في المناسبات السّعيدة أو الأليمة في شكل أموال وموادّ غذائية، وأطعمة، وحيوانات، وهدايا مختلفة، ثمّ تبادل الخدمات (حراثة، حصاد، بناء منزل، حفر بئر، إعداد المؤونة للنّساء...) وأخيرا مواساة المنكوبين. كما لا يقتصر واجب التّضامن على فئة دون أخرى (الفئة الميسورة مثلا)، بل يشمل كل ّ شرائح المجتمع، ولكن إذا كان الأغنياء يسهمون أكثر من غيرهم بمساعدات مالية وهدايا، فإنّ الفقراء يقتصر دورهم عادة على أداء خدمات في الأفراح والأتراح.

ولئن بقيت تقاليد التضامن متجذّرة في الذّات التونسية، فقد تطورت بعض مظاهرها، وكذلك بعض آلياتها. فبعد اقتحام المرأة التونسية مجال العمل خارج المنزل، أصبحت تحتاج إلى من يرعى أبناءها بالبيت في حالة مرضهم مثلا، فتطلب مساعدة الأقارب والجيران على حين تقلّصت تقاليد إعداد المؤونة لتوفّر كلّ الموادّ الغذائية في السّوق بما في ذلك المواد الغذائية التّقليدية. وبالإضافة إلى ما سبق، أصبح التّشغيل والسّكن يتصدّران علاقات التّضامن خاصّة في الأوساط الحضرية التي يقيم فيها حاليا 61% من التونسيين في شكل تدخّل لتشغيل عاطل عن العمل، أو المساعدة على اقتناء مسكن. وقد بينّت دراسة حديثة عن التصّنيع بصفاقس، أنّ نجاح الكثير من المؤسسات الصناعية لأصيلي هذه المدينة يستند إلى العلاقات الأسرية وشبكات الأصدقاء.

أمّا الآليات الجديدة للتّضامن، فقد برزت في شكل تعاون بين المنتمين إلى السلك المهني الواحد أو المشتغلين في المؤسسة نفسها عند تعرّضهم لضغط خارجي، أو عند مجابهة أحدهم أو بعضهم صعوبات خاصة، وهو تضامن يستند إلى روابط الزّمالة والدّفاع عن مصالح مشتركة. ويختلف عن "العصبيّة" بعبارة ابن خلدون أو عن التّضامن الالي بعبارة دوركايم. لكنّ هذا النّمط الجديد من التعاون لم يقض على النمط القديم بل تعايش معه.

العلاقات المهنية[عدّل]

إنّ الدّارس لتاريخ تونس الاجتماعي، يلاحظ أنّ العلاقات المهنية بين مختلف الأطراف المتدخّلة في عملية الانتاج تأسست على الشّراكة أكثر ممّا تأسست على التّأجير الذي لم يترسّخ من حيث هو علاقة مهنية إلاّ بعد دخول المستعمرين لتونس بانتصاب الحماية الفرنسية. وتجدر الإشارة إلى وجود عدّة أنماط تقليدية للشّراكة، لعلّ أهمّها استغلال الأراضي عن طريق "الخمّاس" الذي يتحصل على خمس الانتاج مقابل عمله، و"الربّاع" الذي يتحصل على ربع الانتاج مقابل عمله، و"المغارسي" الذي يتحصل على نصف ما تم غرسه بعد أنّ تثمر الأشجار التي غرسها. أمّا الحرف والصناعات التّقليديّة، فقد كانت مؤطرة بإشراف "أمناء" تتحدّد مهمّتهم في مراقبة الانتاج واحترام قيم العمل والترقية المهنية للحرفيين.

وبعد أن أصبح التّأجير نمطا سائدا في تونس بداية من انتصاب الحماية خاصّة في القطاعات العصريّة، مثل الصّناعة، والنّقل، والمناجم، كان الشغل يخضع لما تنصّ عليه كلّ العقود المدنيّة التي تعبّر عن التقاء إرادتين مستقلّتين (المؤجّر والأجير). ولكنّ بعد استفحال الأزمة الاقتصادية في أواخر العشرينات وارتقاء "الجبهة الشعبية" بفرنسا إلى الحكم سنة 1936 تدخّلت سلطة الحماية لفرض قانون شغل ملزم لكل الأطراف. ونظرا إلى اختلاف ظروف العمل وملابسات الانتاج من قطاع إلى آخر، فقد فشلت سياسة التّأطير القانوني لعلاقات العمل التي اتبعتها الدولة، ورجعت حرّيّة التّفاوض إلى النّقابات المهنية، فظهرت لأوّل مرّة الاتفاقيات المشتركة (الأمر الصادر في 20 نوفمبر 1939) ثم مرّت علاقات العمل بجمود طيلة الحرب العالميّة الثانية تلتها فترة تدخّل الدولة في تنظيمها، وارتبط النّضال النّقابي بالنّضال السياسي من أجل تحرير البلاد من الاستعمار بدءا بانبعاث الاتحاد العام التونسي للشّغل (20 جانفي 1946) وانتهاء إلى اغتيال مؤسّسه فرحات حشاد في 5 ديمسبر 1952.

وبعد الاستقلال، أقرّ الدستور الجديد للبلاد التونسية الحقّ النّقابي، وصدرت أوّل مجلّة تونسية للشغل في 30 أفريل 1966، فأصبحت السياسة التعاقدية بين الأطراف الثلاثة (نقابة الأجراء، ونقابة الأعراف، والدولة) حجر الزّاوية للعلاقات المهنية منذ التّخلي عن الأنموذج الاقتصادي التعاضدي سنة 1969. وإلى حد هذه الفترة، أثمرت هذه السياسة اتّفاقية إطارية مشتركة (20 مارس 1973) تضبط المبادئ الأساسية للتّأجير وظروف العمل، تلتها مجموعة من الاتفاقيات القطاعية المشتركة بلغ عددها 49 اتفاقية سنة 1997. وأدّى التّطور الاجتماعي والاقتصادي على الصعيد الوطني في الفترة الراهنة والتحولات التي جدّت في العالم في كلّ المجالات إلى تطوير الاتفاقية الاطارية المشتركة (15 أكتوبر 1992) وإلى مراجعة مجلة الشغل مرتين (الأولى في 21 فيفري 1994 والثانية في 25 جويلية 1996) في اتّجاه إدخال مرونة أكثر على العلاقات المهنية.