استئناس الجمل وحيد السنام في البلاد التونسية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

Camelus Dromedaruis تنتمي الإبل بكل أنواعها وأينما تعيش اليوم إلى الثدييات المجترّة، لكنّ شكلها يختلف من منطقة إلى أخرى والسبب هو أنّها لا تملك كلّها سناما. ففي حين تفتقر له الفصائل التي تنمو اليوم في القارة الأمريكيّة، يتميّز جنس "الكاميليس" Camelus هو الاخر بسنام أو اثنين قبل أن تستقرّ هذه وتلك في الأماكن التي تعيش فيها اليوم، كانت كلّها قد انطلقت من منطقتي فشئا وغهقنيثة بشمال أمريكا، يرجّح أنّها مركز ظهور الجمل الأول PROTYLEPUS في العصر الحجري القديم، ومن ثمّة لا يستبعد أن يكون هذا الجمل دون سنام وانحدرت منه الأصناف الأربعة التي تعيش اليوم في جبال Andes ومناطق أخرى من جنوب أمريكا، وهي أصناف دون سنام ورغم أنّ بعضهم يدرجها في جنس واحد هو اللاّما خغخم باختلافه على جنس Camelus, فإنّه لابدّ من اعتبارها أربعة فصائل وهي: الغونق - الفيكونة - البكّة - اللاّما والسنام الذي يميّز جنس الكاميليس عن الجمل الأمريكي هو عبارة عن كتلة من الأنسجة الدهنيّة الخالية من العظام. تستخدمها الابل في فترات الجفاف لتخزين الماء والطاقة، وهذا ينطبق على الكاميلس العربي الافريقي الذي ينمو في المناطق الصحراوية، ولابدّ أن تكون هناك خاصيات أخرى لجمل آسيا ذي السنامين خاصّة أنّه يعيش في وسط طبيعي مغاير لوسط الجمل العربي.

وقد يكون جمل آسيا الملقّب ب Camelus Bactrianus نسبة إلى Bactriane الاسم القديم لشمال أفغانستان، قد يكون انحدر من PROTYLEPUS مثل الأصناف الأربعة الأخرى ومرّ إلى آسيا عبر مضيق Behring وهناك تغيّر شكله.

وربّما تكون آسيا مركزه الأصلي، استقرّت بعض فصائله في عدّة مناطق منها وخاصة آسيا الوسطى، هاجرت مجموعات إلى شبه الجزيرة العربية وهناك انحدر منها ذو السنام الواحد جملنا العربي الافريقي المعروف ب Dromearius Camelus الذي اخترناه محور هذا البحث بتركيز الاهتمام على أصل وجوده في البلاد التونسية.

إن شبه الجزيرة العربية هي محطته الأولى وتعتبر اليوم أقدم منطقة أدمجته وذلك حوالي 3000 سنة ق.م. وفي الألفية الأولى ق.م. سجّلت له مصر مشاركة في حملات الملك الآشوري "أسرحدون" على أراضيها.

إن وصول ذي السنام الواحد إلى البلاد التونسية في العهد الروماني مثلما اعتاد المؤرخون الاشارة إليه، ما هو إلاّ نتيجة منطقية للمسلك الذي استعرضت مراحله، ومع هذا فإنّ فرضيّة ظهوره في فترة أقدم من ذلك بكثير غير مستبعدة خاصّة إذا اعتمدنا على بعض الاكتشافات الأثرية. وهي بقايا عظام إبل تعود إلى العصر الحجري القديم، أثبتتها مواقع أثرية موزّعة هنا وهناك في شمال إفريقيا نذكر منها الغُمَاري - علي باشا - عين الطايع - القطار - ترنفين. وإذا ما استثنينا جمل ترنفين الذي اكتشفه POMEL ولقّبه ب TOMASII نظرا إلى قامته الطويلة ولهذا السبب بقي محلّ شك، فإنّ البقية تشي بوجود مركز مغاربي لجملنا الأول مستقلّ عن مراكز أمريكا وآسيا. وفي هذا السياق نذكّر باكتشافات موقع القطار في الجنوب الشرقي لمدينة قفصة التونسية، عظام الابل، ولبقايا وحيد القرن، وهذا الحيوان أثبتته حفريات واد العكاريت بشمال مدينة قابس.

كلّ هذه الحيوانات التي تؤرّخ للعصر الحجري، هاجرت ربوعنا في إحدى حقبات هذا العصر وربّما فيما بعد، هاجرت نحو المناطق الاستوائية والمدارية مرورا بالصحراء، ولا يستبعد أنّه في خضمّ ذلك هاجر معها جمل القطار وتوقّف بالصحراء وجعل منها وسطه المفضّل. إنّ المجموعات البشرية التي عاصرته آنذاك، رسمته على صخور موزعة في عدة نقاط، ورسمت معه أبقارا وخيولا. وهذه الحيوانات لا تنمو إلاّ في الأوساط المعشّبة. وهو ما يجعلنا نتصور آنذاك صحراء أكثر انتعاشا بالماء من اليوم. وتجمّعات هذه الصخور هي اليوم مواقع أثريّة تنتمي إلى مناطق قاحلة لا تنفي وجود الجمل، وهي مندرجة ضمن التراث العالمي نذكر منها فزّان - ايير - إدْرَار والخلاصة أنّه بعد هذه الهجرة المحتملة نحو الصحراء الافريقية أو الانقراض، لم يعد هناك أثر للجمل لا في الحضارة الجلمودية ولا عند الفنيقيين. بل حتى في بداية الحضور الروماني لسنا وَاثقين من وجوده إذ جرت العادة أن نحترز على أي حدث لا يسجّله المؤرخون اللاتينيون وذلك في ما يخصّ الفترات التي عاصروها، شأن المؤرخ بلين صاحب التاريخ الطبيعي الذي غضّ الطّرف عن جملنا، مع العلم أنّه لم يذكر الحمار أيضا.

وإلى أن نتأكّد من إدماجه في البلاد التونسية من قبل الجيوش الرومانية انطلاقا من مصر عبر فزّان، وذلك بالبحث عن مزيد من الشواهد في الجنوب التونسي سواء شواهد منقوشة، مرسومة أم مدفونة. تقتصر على حدث مهمّ في النصف الثاني من القرن الأول ق.م. هو استيلاء قيصر في أثناء حملته على منطقة الساحل التونسية على 22 جمل على ملك القائد يُوبا الأول 1er Juba.

ومنذ تلك الفترة فصاعدا أصبح عنصرا من عناصر المشهد الروماني وآثار الفسيفساء والخزف وغيرها والمدونة في متاحفنا ومواقعنا تترجم عن ذلك.

إنّ تحدّي ذي السنام لكلّ الفضاءات وكلّ الأزمنة يتجسم في أنّه نما ضمن كلّ أنواع المجتمعات سواء أكانت حضرية أم قروية، بدائية أم متطورة. وعدد أفراده كان في تطوّر مستمرّ خلال القرون الوسطى كما أشار إلى ذلك ابن حوقل وحتى بعد زحف بني هلال. واستعرض ليون الافريقي في القرن السادس عشر المناطق التي يكثر فيها هذا الصّنف من الجمال وهي صحراء نوميديا وليبيا وبلاد البربر.

وفي القرن التاسع عشر اكتسح التل الأعلى سهول وادي مجردة، وتقدّم نحو بقية المناطق تدريجيّا ولربّما هاجر بعضها في فترة ما بعد أن كان سيّدا عليها وأخصّ بالذكر المناطق الساحلية الشرقية التي غزاها في الفترة الرومانية ولعلّ الشواهد من الطين والفسيفساء التي كشفت عنها مواقع تعود إلى تلك الفترة وتنتهي اليوم إلى مدن سوسة والجم وقابس تنهض أدلّة على ذلك.

واليوم يسترجع هذه المكانة بفضل حليفه الجديد منذ بداية القرن 20 وهو الذي يخوّل له مشاركة فعّالة في الدورة الاقتصادية، هذا الحليف هو السياحة. ومع هذا التفّتح على المناطق المعتدلة تبقى الصحراء الموطن الأصلي الوحيد لضمان الاستمرار إذ لا يمكن لأيّ كائن داخلها باستثناء الإبل أن يتحمّل التجفّف بنسبة 40% مع العلم أنّ الانسان لا تتعدّى قدرته على التحمّل 20%.