المناطق الصحراوية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الصحراء التونسية

تقع البلاد التونسية في الجزء الشرقي من شمال إفريقيا، شأنها شأن جل البلدان المغاربية الأخرى. ويفرض عليها موقعها الجغرافي هذا أن تتنوّع مناطقها إلى عدة مناطق بيوفيزيائية متتالية ومتداخلة. لكنّ المفارقة المناخية، بين هذه المناطق، واضحة بتدرجها من الشمال إلى الجنوب، حيث تتتالى المناطق حسب ازدياد درجة الحرارة وتراجع درجة الرطوبة إلى أنّ تنعدم باستقرار الحرارة الدائمة في المناطق الصحراوية الجافة.

لو قمنا بترتيب هذه المجموعات المناخية لقلنا إنّ مناطق البلاد التونسية تنقسم في الواقع إلى قسمين مهمين: المناطق ذات الرطوبة العالية والمستحبة، والمناطق القاحلة والجافة، غير أن تدرّج المناخ من الشمال إلى الجنوب يحول دون إمكان الحسم علميا في تباين المنطقتين بوضوح، نظرا إلى تداخل المقاييس والمعايير العلمية وتشابكها في تعريف كلّ من المناطق القاحلة والأخرى. وعلاوة على هذا التباين يمكن تحديد هذه المناطق حسب الموارد الطبيعية (تربة، مياه، كساء نباتي...) وعوامل التصحر (انجراف، انجراد، تدهور الكساء النباتي...). لكن تبيّن أخيرا للعديد من المتخصّصين أنّ العامل البيومناخي، بالتحديد، هو الوحيد الذي يحدث أوّل فاصل في الفرز بين تتالي المناطق الجغرافية وتفاوتها. ويعتمد هذا العامل جمليا على كمّية الأمطار السنوية وربطها بدرجات الحرارة في كلّ منطقة على حدة.

من هذا التدرج البيومناخي يمكن أنّ يحسم الأمر في تحديد المناطق القاحلة علميا أي من الناحية البيوفيزيائية. لكن لو أضيفت إلى المقياس المناخي العناصر الأخرى المكوّنة للمناطق القاحلة (نوعيّة التّربة، توفّر المياه، تأثير الحرارة،...) فإنّه يمكن أن يبرز هنا تصوّر مناطق غير قاحلة وأخرى قاحلة، أي منظومة بيئية يمتزج فيها بصفة دائمة جفاف السهوب ورطوبة الواحات، وليس التدرّج كما هو الحال في التقسيم الأكاديمي البحت، من أعلى نسبة في الرطوبة إلى أقصى درجة في الجفاف، وهذا ما تطرّق له المتخصّصون في العديد من مداخلاتهم. ولو أدمجنا العامل الانساني في عملية التحديد هذه لاتضحت مقاييس التقسيم العلمية والاجتماعية. فالدمج بين الواقع الجغرافي والانتشار الطبيعي للتجمّعات السكانية في ربوع المناطق يلزم العارف أنّ يختار هذا العنصر الأخير باعتباره قاسما مشتركا لتحديد كلّ المناطق ما دام يبقى الانسان نقطة الاستدلال لكل تحديد زمني أو جغرافي. عند اعتبار هذا القاسم المشترك في عملية الفصل بين المناطق الرطبة والمناطق القاحلة، يبرز، حتى على المدى التاريخي، العنصر الإنساني المحدد الأخير في المنظومة البيئية للتمييز بين هذه وتلك. وبالتالي يمكن تحديد هذه المناطق من خلال انتشار التجمعات السكانية ونوعيتها.

رغم أنّ المجتمعات القبلية والعشائرية والبدوية سبقت بكثير المجتمعات العمرانية الحضرية، فإن المناطق القاحلة كانت، على مدى التاريخ، أكثر بداوة من المناطق الرطبة. والسبب الأساس لهذا الفارق هو أنّ الواقع الجغرافي للمناطق القاحلة ألزم على مجموعاته السكانية ديمومة الحركية الفارضة للتكتلات "البيواجتماعية" المتفرقة. ولو اعتمدنا هذا التقسيم عنصر أساسيا للتعريف بالمناطق القاحلة للبلاد التونسية لوصلنا إلى التباين التالي: وعلاوة على أنّها مناطق ذات عوامل مناخية طبيعية متماشية تدريجيا إلى الجفاف التام (الصحراء) فإنّها تحتضن تجمّعات بشرية بدويّة وواحية، وهذا هو الفارق الوحيد بينها وبين المناطق ذات الرطوبة العالية نسبيا. من هذالمنطلق "البيو - اجتماعي" يبرز تداخل الواحة والبادية في المناطق القاحلة عنصرا أساسيا لتكوينها ولتشكيل الفارق بينها وبين المناطق الأخرى. فالمناطق دون الواحات ومياهها المتدفّقة، ودون البادية ومراعيها الشاسعة، لا تعتبر مناطق قاحلة. تمسح هذه المناطق بالتحديد المتّفق عليه علميا 65000كم2 أراضي متصحرة، وما يقارب 59000 كم2 مهددة بالتصحر، أي حوالي 39,73 و36,06% من المساحة الجملية للبلاد التونسية.

ولو اعتمدنا تقسيم المناطق المحددة حسب العامل "البيو - اجتماعي" الذي يرتبط بين الواحات والبداوة لأفرزنا بالبلاد التونسية المناطق التالية وهي مطابقة لنفس المساحة المحددة علميا:

1 - الطابق المناخي القاحل العلوي والسفلي (upper and lower) ومساحته 49225 كم2 ويتقاسمه الوسط والجنوب للبلاد (32,2% من المساحة الجملية للبلاد التونسية).

2 - الطابق الصحرواي ومساحته 65209 كم2 ويقع كليا بأقصى الجنوب محتويا على 42,7% من المساحة الجملية للبلاد التونسية.

تمسح هذه المناطق، حسب إحصاء وزارة الفلاحة 9,8 مليون هكتار أي ما يقارب 60% من المساحة الجملية للبلاد التونسية. ولو اكتفينا في هذا التحديد بالطابقين المناخيّين القاحل السفلي والصحراوي لوجدنا أنّ المناطق القاحلة تشمل فعليا الطابق القاحل السفلي والصحراوي، الجنوب وأقصاه، حيث توجد المناطق الممتدة ما قبل الصحراء، وحيث تتداخل الواحات والبادية إلى الصحراء ذاتها (90345 كم2 = 59,1% من المساحة الجملية للبلاد التونسية).

تنقسم هذه المناطق القاحلة إلى مناطق طبيعية متتالية من الساحل إلى الدّاخل، أو من البحر إلى الصحراء على النحو التالي: الجفارة أو المنبسطات الساحلية، سلسلة جبال مطماطة، نجد الظاهر الذي يقع وراء الجبال، مناطق الواحات الصحراوية، نفزاوة بواحاتها المزروعة غربي شطّ الجريد وجنوبيّه. أمّا الفاصل بينها وبين واحات الجريد في شماله والمتاخمة لاخر منطقة طبيعية للبلاد التونسية فهو الصحراء. تأخذ الواحات نصيبها من هذه المناطق القاحلة على ما يقارب 32345 هك وهي تمثل 11% من جملة واحات البلدان المغاربية (271000 هك) وتحتضن الواحات التونسية ما يقارب 3500000 شجرة نخيل. وتقع هذه الواحات متناثرة على امتداد كامل المناطق القاحلة التي تحتوي أيضا على الفيافي والمراعي والجبال والغابات ومتّسعات منها الصالحة للزراعة وأخرى غير صالحة. وعاشت على مدى السنين في هذه المناطق مجموعات سكّانية عرفت طوال الزمن البداوة والترحال، وأخرى عرفت بملازمة القرى الجبلية والواحات، لكنّ المعروف عن هذه التجمّعات أنّ أكثرها كان على هيئة قبائل وعشائر منتشرة حسب الجهات على طول فيافي المناطق القاحلة. وقد رُصدت أهمّ هذه التجمعات في أوائل القرن العشرين على النحو التالي:

منطقة الجنوب الشرقي[عدّل]

وتشمل هذه التسمية التاريخية منطقة بالجنوب الشرقي للبلاد التونسية تحيط بقابس من الخط الفاصل بين سواحل صفاقس وسواحل خليج قابس على مستوى شط الجريد شمالا إلى واد الزاس جنوبا حيث تبدأ المنطقة الساحلية التي يطلق عليها قديما اسم ورغمة.

الأعراض[عدّل]

  • القبائل والعشائر: بني يزيد، الحزم، الحمارنة.
  • سكان الواحات: قابس، شنني، غنوش، بوشمة، المطوية، وذرف، الحامة، تبلبو، كتانة، مارث...
  • القرى الجبلية: مطماطة، بني عيسى، تمزرت، توجان، زمرتن، بني زلطن.

ورغمة[عدّل]

  • القبائل والعشائر: غبنتن، حرارزة، حوايا، توازين، ودارنة، جليدات، أولاد سليم، عكارة، أولاد عبد الحميد.
  • سكان القرى الساحلية: جزيرة جربة، مدنين، أم التمر.
  • القرى الجبلية: غمراسن، شنني، قرماسة، الدويرات، بني بركة، بني يخزر.

الجنوب الغربي[عدّل]

الجريد[عدّل]

سكان واحات توزر: توزر الوديان، نفطة - تمغزة، شبيكة.

سكان الصحراء[عدّل]

يتكوّنون من قبائل وعشائر صحراوية: الغريب، الصابرية، عوين.

نفزاوة[عدّل]

  • القبائل والعشائر: المهاملة، الغياليف، الحوامد، أولاد يعقوب، العذارى، المرازيق...

سكان الواحات: قبلي، بازمة، جمنة، بشري، تلمين... كانت هذه المجموعات تعدّ ما يقارب 140000 نفر في أواخر القرن 19م. ووصل عدد هؤلاء السكان (تعداد 84 - 1989 وإلى غاية 1991)1243400 نسمة (14,92% من سكان البلاد التونسية) يتوزّع 25,97% من هؤلاء السكان على كثير من البلدان مكونين 160534 مهاجرا أي 28,2% من مجموع المهاجرين من البلاد التونسية. إداريا تنقسم أهم المناطق القاحلة، ما بين 1984 و1998 إلى أربع ولايات متفرعة إلى 28 معتمدية و210 عمادة. تحقّق في هذه المناطق نماء يتفاوت من جهة إلى أخرى وحسب مواقعها الجغرافية فبرزت المناطق الساحلية أكثر من الأخرى بما تحقّق فيها من تنمية شاملة مصحوبة بزحف ريفي مكثف أرسى روافد مدن عمرانية كبيرة. وبقيت المناطق الداخلية غير محظوظة لقساوة طبيعتها، وظلّت فيها مسيرة التنمية الاقتصاديّة والفلاحيّة أقلّ من الأولى. ونظرا إلى هشاشة بعض الموارد الطبيعية لجل المناطق يبقى التصرف في مواردها، الطبيعية منها والبشرية، أحسن مقياس لمدى نموّها وتقدمها الحضاري، فازدهرت فلاحة الواحات المعتمدة على زراعة النخلة (3500000 نخلة منها 48% دقلة نور لسنة 1994) وفلاحة السباسب المخصّصة لغراسة الأشجار المثمرة، وخاصة الزيتونة (14270900 شجرة لسنة 1993) وتربية الماشية، ومن أهمّها الابل (51740 رأس لسنة 1986). وللمناطق القاحلة موارد أخرى تنمو بها كالصناعة والتجارة وخاصة السياحة التي اعتمدت انفراد هذه المناطق بخاصيتها الحيّة والمتجددة، ومنها السياحة الاستحمائية المازجة بين حرارة الشمس ورطوبة البحر لتخلق للسائح روائع هذا المزيج وسحره. ومنها أيضا السياحة الجبلية الواحية المعتمدة على موروثها الجماعي من مغاور استنبطت لتأوي أجيال القرى الجبلية ومن قصور شيّدت لتجمع شمل أهل البادية، وواحات بعثت لتدر الرزق على أهلها في مناخ طبيعي خاص وفريد من نوعه. ومنها أيضا السياحة الصحراوية اتخذت من حياة الصحراء والبداوة منتوجا يفتن السوّاح. فتنوّع المهرجانات في هذه الربوع وثراء نهضتها الشعرية والمعرفية لأكبر شاهد على تطوّرها عبر العصور وتجدّد وضعها البيئي الخاص بعطاء مواردها البشرية في العمل والثقافة والتصرف في موارد طبيعية عرفت حتى الآن بمحدودية إنتاجها.