النوبة من المشرق العربي إلى البلاد المغاربية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

لئن اشتهر مصطلح النوبة في البلاد المغاربية لالتحامها بذلك الإرث الحضاري العربي الأندلسي الذي يُعرف بالمالوف والذي لا يوجد إلاّ في تونس والجزائر والمغرب وليبيا، فإن التركيبة الهيكليّة للنوبة مبنى ومعنى ومغنى لا تعدو أن تكون سلسلة من الموشحات من الشعر الفصيح تارة والأزجال من الشعر العامّي تارة أخرى. ولا أدلّ على ذلك من أنّ بعض الموشحات قد لُحّنت في المشرق العربي ولها رواية لحنيّة أخرى في المغرب العربي. من ذلك موشّح ابن السناء الملك:

كلّلي يا سُحب تيجان الرّبى بالحُلي
وآجعلي سوارها منعطف الجدول

وهي موشحة معارضة لتوشيح الأعمى التطيلي في قوله:
من ولي في دولة الحسن ولم يعدل يعزل إلاّ الرّشى الأكحل

لذلك قال القوم في المشرق العربي عند اطّلاعهم على ذلك الإرث الأندلسي المغاربي وخاصّة تلكم الموشحات الأندلسيّة "بضاعتنا ردّت إلينا" باعتبار أن زرياب مولى إسحاق الموصلي قد أدخل الموسيقى العربيّة عندما أقام بالقيروان في العهد الأغلبي ثمّ بقرطبة في عهد الفتح العربي الاسلامي للبلاد الاسبانيّة وبها أسّس أوّل معهد للموسيقى العربيّة.

لكنّ العلاّمة التونسيّ عبد الرّحمان بن خلدون قد أكّد في كتابه العبر أنّ صناعة الغناء "مازالت تتدرّج إلى أن كملت أيام بني العبّاس". وأجمع مؤرّخو الموسيقى على اعتبار العصر الذهبي للموسيقى العربيّة قد ابتدأ بولاية الخليفة العبّاسي الثالث المهدي بن أبي جعفر المنصور الّذي وُلّي سن158هـ الموافق ل 775 للميلاد. من ذلك أنه كان يشرف بنفسه على المناظرات والمسابقات بين أرباب الصّناعات الثقافيّة المختلفة. فجعل يوما للشعراء ويوما للحكّائين ويوما للندامى ويوما للمغنّين. وبذلك وزّع أيّام الأسبوع على سائر الأصناف الأدبيّة والفنيّة.

كذلك شأن بقيّة الخلفاء العبّاسيين مثل ابنه هارون الرّشيد (سنة 170هـ/786م) الذي صنف نوابغ الموسيقى والغناء في شكل طبقات وآشتهر بالمبارزة التي جدّت في بلاطه بين أبي الحسن بن نافع الذي شهر زرياب ووليّ نعمته وأستاذه إسحاق الموصلي. وقد فاز التلميذ على أستاذه بإضافة وتر خامس لآلة العود الوتريّة. وإثر تلك المبارزة غادر زرياب بغداد خوفا على حياته ليستقرّ بالقيروان في العهد الأغلبي ثمّ بالأندلس حيث نقل ذلك المخزون التراثي الّذي حوى مصطلح النوبة. وكان قد ظهر في عهد الخليفة العبّاسي الثالث. وهكذا، أمسى مصطلح النوبة يفيد التداول بين مختلف الفنانين والزجّالين والعازفين ولكلّ دوره أو نوبته.

وأطلقت النوبة أيضا بالمشرق العربي على نوعية العزف الدّوري الذي يأتي به حرس الخليفة على أبواب قصور الخلفاء ببغداد في القرن الرّابع للهجرة خاصّة في أوقات الصّلاة مثل الآذان والإقامة. فيقال نوبة الصّبح ونوبة الظّهر. واستخدمت النوبة في العصر المغولي وقت طلوع الشمس وغروبها. فسمّيت نوبة ذي قرنين.

وما إن حلّ القرن الثالث للهجرة، التاسع الميلادي حتى ظهر مصطلح النوبة في البلاد المغاربيّة. وهي تتألف من موشحات وأزجال وحركات إيقاعيّة. ويعود الفضل في ترتيبها إلى زرياب عندما فرّ من بغداد خوفا من بطش سيّده إسحاق وفضل الاستقرار ببلاد الأندلس في عهد عبد الرّحمان الأوسط بين سنوات 238هـ و273هـ حيث كان الترتيب الزريابي للنوبة مستوحى من طريقة أستاذه إسحاق الموصلي ابن النابغة إبراهيم الموصلي.

وكانت النوبة في بغداد تتألف من أربع قطع هي:

  • الانشاد (الغزل) وهو المْصدّر.
  • الترانة (الثقيل) أوالبطائحي.
  • الفُرداشت (الخفيف) المحرّكات والأختام.
  • المستزاد، الّذي أضافه عبد القادر بن غيبي المتوفّى سنة 838هـ/1435م.

ولمّا هاجر المسلمون من الأندلس فرارا من بطش محاكم التفتيش المسيحيّة الإسبانيّة استقروا بالمغرب والجزائر وتونس وليبيا وحملوا معهم نوبات المالوف في شكل سفن جمع سفينة. وهو ما يفسّر أن المالوف لا يوجد بالمشرق العربي وإنما بالبلاد المغاربيّة فقط. وكانت النوبة بالبلاد التونسيّة في عصر أحمد التيفاشي القفصي المتوفّى سنة 665هـ/1253م حسب ما ذكره في كتابه متعة الاسماع في علم السّماع تتركّب من نشيد ثمّ استهلال (مْصدّر) وعمل بطائحي (بطيء) ومحرك برول (محرّك) غلى جانب الموشحة والزجل. ويقول ابن خلدون في هذا المضمار "فأورث زرياب من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان ملوك الطوائف" (آنظر المقدّمة). وهكذا انتقلت طريقة زرياب من قرطبة إلى طليلة فإشبيلية فغرناطة فبلاد المغرب. وهو ما يُبرّر وجود المالوف بتونس وفق النمط الذي شاع في إشبيلية وكذلك في قسنطينة والغرناطي بالمغرب والالة بالجزائر وولاية تلمسان.

ومعظم الموشحات من تأليف وشّاحي الأندلس وزجّاليها فضلا عن الإضافات التي أتى بها وشّاحُو البلاد المغاربيّة وزجّالوها أسوة بالطريقة الأندلسيّة.أمّا النوبة التونسيّة فقد تولّى ترتيبها على غرار النوبة التركية محمّد الرّشيد باي الذي تخلى عن عرش أجداده ليتربّع على عرش الأدب والطّرب في قصره بضاحية منوبة. وكان شاعرا مبدعا وعازفا بارعا على آلتي العود والكمنجة. ونظرًا إلى الخدمات الجليلة التي قدّمها للموسيقى التونسيّة أطلق اسمه على الرّشيديّة غداة انبعاثها سن1934ة، على يدي شيخ مدينة الحاضرة مصطفى صفر. وفي رحاب الرّشيديّة ذلك الحصن الحصين لتراث تونس الموسيقي تولى الموسيقار محمّد التريكي توحيد مختلف الرّوايات التراثيّة بتدوينه لنوبات المالوف بمفرده وبالنوطة الموسيقيّة. فتوفّرّ لبلادنا 13 نوبة مقابل 12 بالجزائر و11بالمغرب و10 في ليبيا. فحقق بذلك أستاذ الأجيال محمّد التريكي الرّقم القياسي في صيانة ذلك الرّصيد التراثي العربي الأندلسي. وغير بعيد عن مقرّ الرّشيديّة كانت بسوق الشواشيّة دكاكين خاصّة تباع بها نصوص نوبات المالوف في مختلف الطّبوع التونسيّة التي تتناغم مع بقيّة المقامات الأندلسيّة بالمغرب والجزائز وليبيا. فتشكّل وحدة تأليفيّة ثقافيّة بين تلكم الأقطار المغاربيّة. وقد جُمعت أسماء تلكم الطّبوع في الزجل الوارد في نوبة النوى:

يجرّ الرّباب رهاوي بالذيل قلبي كاوي
أمّا العراق يساوي سيكه مع الحسين
الرّصد ورمل الماية أمّا النوى في غاية
الأصبعين حين تنغّم على أصبهان يسلم
مزموم بيه نتمّم ماية في الفصلين

ويعقد الفصل أي العرض الموسيغنائي وفق ترتيب تلكم الطّبوع. فنوبة الذيل تنشد في الليل كما يقول المثل التونسي "إذا طوال عليك الليل عليك بنوبة الذيل". ثم تأتي نوبة العراق تليها نوبة السّيكاه ثم الحسين فنوبة الرّصد كما قيل قديما "إن طال ليلك أرصد". ثمّ تأتي نوبة رمل الماية في العشيّة ثم النوى فالاصبعين ثمّ رصد الذيل فالرّمل فالأصبهان ثم المزموم لتختم الحفلة في الصّباح بنوبة الماية. وممّا تجدر ملاحظته أن الفصل كان يتواصل على مدار السّاعة أي بمعدّل 24 نوبة. لكنه دخل مطاوي النسيان بسبب العنعنة التي ميّزت الرّواية الشفويّة سواء في السّيرة النبويّة الشريفة أوفي تناقل ذلك الرّصيد التراثي. ولما تأسّست الرّشيديّة بادر الموسيقار محمّد التريكي بتدوين روايات الشيوخ من الرّواة الثقاة لعلّ أبرزهم الصّادق الفرجاني وخميّس الترنان. فأخذ محمّد التريكي يستمع إلى مختلف الروايات. أمّا مقدّمة الفصل فإنها تكون إمّا من نوع البشرف أو السّماعي. وهي عبارة عن معزوفات تنفذ بالآلات الموسيقيّة وتعرف خطأ بالموسيقى الصّامتة.

الاستفتاح[عدّل]

وهو لحن مطلق غير خاضع لإيقاع معيّن، يبنى على المقام الأساس للنوبة فيبرز أهمّ خصائصه النغميّة دون الايقاعيّة. وكان في الماضي يؤدّى ارتجالا ثمّ ضبط بكيفيّة تجعل العازفين قادرين على آدائه على نحو موحّد.

المْصدّر[عدّل]

هو مقدّمة موسيقيّة تشبه في هيكليّتها البشرف الفارسي أو السّماعي التركي، وتتركّب من خانتين أو ثلاث يتخللها تسليم، وتبنى على إيقاع ثقيل يسمّى مْصدّرا (6 / 4) وتختم هذه المقدّمة بالطّوق والسّلسلة وهما حركتان في إيقاع سريع (3 / 8) أو (6 / 8). والملاحظ أنّ كلاّ من الطّوق والسلسلة يتركّب من خليّة لحنيّة يُعاد أداؤها على مختلف درجات سلم المقام، انطلاقا من الجواب ووصولا إلى درجة القرار وهي الارتكاز.

الأبيات[عدّل]

تنشد الأبيات التي تختار من قصيد بالفصحى، في إيقاع بطيء يُسمّى بطايحي (4 / 4) وتسبقها مقدّمة موسيقيّة قصيرة.

البطايحية/مفردها بطايحي:[عدّل]

هي أبيات تلحّن في إيقاع بطيء يُسمّى بطايحي وتكون مسبوقة بلحن قصير في إيقاع سريع يُسمّى برْولْ (2 / 4) ثمّ البطيء بطايحي.

التوشية[عدّل]

هي معزوفة تعلن عن مقام النوبة الموالية حسب الترتيب التقليدي لنوبات المالوف. وتنطلق التوشية في إيقاع البرْولْ السّريع. وتنتهي بإيقاع البطايحي البطيء. وتتخللها ارتجالات على مختلف الآلات.

دخول البراول/مفردها برْولْ[عدّل]

هي مقطوعة غنائيّة مسبوقة بجمل لحنيّة تمهيدا لتنفيذ مجموعة البراول التي تكون هي مقدّمتها كما يشير إلى ذلك عنوانها.

البراول[عدّل]

وهي مقطوعات غنائيّة استمدت من الايقاع الّذي بنيت عليه وتشتمل كلّ نوبة على عدد من البْراولْ بتراوح بين الاثنين والأربعة يكون آخرها سريعا ويختم به الجزء الأوّل من النوبة.

الدّرج/وجمعه أدراج[عدّل]

هو زجل يُستأنف به الجزء الثاني من النوبة ويكون ملحّنا في إيقاع ثقيل (4 / 6) ويحمل التسمية نفسها. ويكون مسبقا بمقدّمة موسيقيّة قصيرة تسمّى "الفارغة". وتجدر الملاحظة أيضا أنّ بعض الأدراج تبدأ بإيقاع سريع يُسمّى "هروب" (4 / 2) يشبه من حيث عدد وحداته إيقاعيّة ميزان "الملفوف" في الموسيقى الشرقيّة، ثمّ يختم بإيقاع الدّرج.

الخفيف/جمعه خفايف:[عدّل]

خلافا لتسميته التي قد توحي بالسّرعة في النسق قد بني الخفيف على إيقاع يحمل التسمية نفسها. وهو يعتبر من الايقاعات الثقيلة نسبيّا (4 / 6) ويشبه من حيث عدد وحداته الايقاعيّة السّماعي الدّارج في الموسيقى الشرقيّة مع فارق السّرعة في النسق.

الختم[عدّل]

تنتهي النوبة بالختم (أوبالأختام) وهو غناء في إيقاع سريع (4 / 3) أو (8 / 6). لذلك جاءت هيكلة النوبة حسب ما ورد في التحليل، تبرز بعض التطابق والمفارقات سواء بين قسميها الرّئيسين، أوفي مستوى كلّ منهما. من ذلك أنّ الجزء من النوبة مبني على إيقاعات جلها ثنائيّة (4 / 4) و (4 / 2) و (8 / 6) في حين أنّ كلاّ من القسمين يبدأ بإيقاع ثقيل: (بطايحي) في القسم الأوّل ودرج (في القسم الثاني) وينتهي بإيقاعين سريعين (برول في القسم الأوّل وختم في القسم الثاني).

ويتردّد هذا التداول بين الايقاعات الثقيلة والسّريعة في بعض البطايحيّة والأدراج وكذلك في التوشيات، محدثا حركيّة إيقاعيّة تعتمد التقابل. للمالوف روايتان تراوحان بين المقدّس أي مالوف الجدّ المستمدّ من الانشاد الطّرقي لبعض الفرق الصّوفيّة مثل العيساويّة التي ينتسب إليها خميّس الترنان ومالوف الهزل أي المدنّس. وهو الدنيوي لبعض الفرق الصّوفيّة الشعبيّة، مع الاشارة أنّ هاتين الرّوايتين تتوحّدان في خاتمة الفصل في توحيد الله وطلب غفرانه.

ببليوغرافيا[عدّل]

  • قطاط محمود،النوبة في موسوعة الحضارة الإسلامية، مركز البحوث في الحضارة الإسلامية آل البيت، الأردن، 1989.
  • EL Habib Mohamed,"l’évolution de la nowba (sic) dans l'histoire musulmane"Patrimoine Musical Tunisien,1970
  • El Mahdi Salah, la nawbah,Patrimoine musical Tunisien,3ème fascicule la nawbah dans le Maghreb arabe ,nawbet edhil tunisienne,Tunis,1972,Secrétariat d'Etat AUX affaires culturelles,Conservatoire national de musique et de danse
  • Guettat Mahmoud,Coexistence de la Qacida du Muwaah et de Zaal dans la Nawba:l'exemple tunisien,n N.Marouf(dn),le chant arab-andalo,Paris,L'Harmattan/CEFRESS,1995
  • La musique arabo-andalou,édition Fleurs Sociales,2000