النظام السياسي النوميدي

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
نصب تذكاري بوني

توجد عدة شهادات لمؤلفين يونانيين أو لاتينيين أو وثائق مستمدّة من نقائش لوبيّة وبونيّة تسمح بمعرفة النظام السياسي وبعض مظاهر تنظيم المجتمع النوميدي منذ ميلاد هذه المملكات في وسط القرن الثالث إلى حدّ ضمّها إلى الرومان في سنة 45ق.م.

وتوجد معطيات أقدم بكثير - وأسطورة تأسيس قرطاج هي مثال من بين الأمثلة - تتحدّث عن ملوك في المنطقة. فيربص (Hiarbas) ملك المكسيطانيّين حاول الزواج بعليسة، كما أنّ حنّون (Hannon) حاول الاستيلاء على الحكم في قرطاج بمساعدة ملك الموريين (Maures) في أواسط القرن السادس. وفي 309 ق.م. هاجم طاغية سيراقوسة بصقلية قرطاج في حلف مع أيليماس (Ailymas) ملك اللّوبيين... وفي وسط القرن الثالث قسّمت المنطقة بين قرطاج، التي تمتدّ على ثلثي تونس الحالية، ومملكة ماسولة التي كان يحكمها الملك غاية أبو ماسينيسا ومملكة المازيسولة (Masaessyle) التي كان سيفاكس ملكها. وفي سنة 202 وبعد هزيمة قرطاج (الحرب الثانية ضدّ روما) اختفت مملكة المازيسولة فأصبحت نوميديا تشكّل مملكة واحدة تحت الملك الماسينيسي. وكانت عاصمة المملكة في ذلك الوقت سيرتا وهي قسنطينة الحاليّة.

يسمّى الملك باللغة البربريّة ج.ل.د. والمصطلح يوجد إلى الآن في الكلمة البربريّة أجليد التي تعني الرئيس. وتتحدّث المراجع اليونانيّة واللاتينيّة عن عدّة أمراء ورؤساء قبائل كانت لهم سلطة عظيمة في عهد ماسينيسا وميسبسا (Micipsa). وهو ما يبرهن على أنّ المجتمع حافظ على تركيبة قبليّة متواصلة وأنّ السلطة رغم أنهّا مجتمعة كليا بين أيدي الملك كانت محلّ نزاع. في هذا الصدد يمكن ذكر مثال يتعلّق بمحاولة معارضة السلطة الملكيّة. ففي سنة 195 ق.م. ثار الأمير النوميدي أفتر ضدّ ماسينيسا والتجأ إلى ليبيا فلاحقه عبر خليج قابس دون التماس الإذن من قرطاج وهو ما أدّى إلى اندلاع أزمة بين قرطاج وملك نوميديا.

كيف كان ملك نوميديا؟

كان ملكا نسيبيّا (agnatique) ووراثيا، ومع هذا نلاحظ أنّ هذه الوراثية لا تنتقل دائما إلى الابن الأكبر. وفي 148 ق.م وإثر وفاة ماسينيسا تقاسم أبناؤه الحكم فكانت قيادة الجيوش لغولوسا ولمستنبال السلطة القضائيّة بينما اهتمّ كوسن بإدارة المملكة. وفي سنة 118ق.م إثر موت كوسن تقاسم المملكة ابناه أدربعل (Adherbal) ويمبسال (Hiempsal) من جهة وابنه المتبنّى وفي الوقت نفسه ابن أخيه يوغرطة. هذا النظام هو في الحقيقة نظام طريف لكنّه كان سببا في ضعف المملكة وأدّى إلى حدوث قلاقل، إذ أراد يوغرطة الانفراد بالحكم الكلّي فقتل يمبسال وأدربعل.

وبفضل نقائش دقّة] تمكنّا من معرفة صفات أخرى لأصحاب مسؤوليّة عسكريّة وإدارية وغيرها:

  • ر.ب.م.ت.: قائد المئة
  • ر.ب.م.س.ل.س: قائد الخمسين
  • نقش J.Massouge الذي يذكر س.ل. رست. تسكت: قائد بلاد تسكت. هذه الصفة تفترض أنّ البلاد النوميديّة كانت مقسّمة إلى مناطق على رأس كلّ واحدة مسؤول يمثلّ الملك. من جهة أخرى لدينا قائمة في المدن النوميديّة التي كانت تلقّب بالملكيّة مثل:

Bulla regia,Zama regia,Hippo regius,Thimida regia... كلّ مدينة من هذه المدن كانت تعدّ محافظة لمنطقة ومستقرّا للمسؤول، أي ما يشبه العواصم الجهويّة. فعواصم الملوك النوميديين كانت بالتوالي:)Cherchel(Siga,Cirta,Caesaria. فرض آخر مهمّ بالنسبة إلى المملكة يخصّ النظام الأساسي الخاص بالمدن البارزة. كان لهذه المدن مجلس أعيان يسمّى باللوبي سكن يتبعه اسم المدينة سكن ت. ب.ج.ج. أي مجلس أعيان دقّة وبالبوني بل ت.ب.ج.ج. وجود هذا المجلس البلدي مؤكّد في مديدي وفي مكثر، ويمكن الافتراض دون مجازفة أنّ أغلب المدن كان لها نظام مماثل. ولا يستبعد أن تكون هذه التركيبة نتيجة تأثير النظام الفينيقي الذي يرتكز على المدينة - الدولة (لكلّ مدينة نظامها الداخلي الخاص واستقلاليّة واسعة). كان دور هذا المجلس واسعا، إذ كان يهتمّ زيادة على تدبير القضايا اليوميّة بالسياسة والدين (يقدّم مجلس الأعيان بمديدي قربانا للربّة أسترت على حين يشيّد مجلس دقّة نصبا تذكاريا لماسينيسا سنة 138 ق.م).

وترجع إلى العهد الفينيقي أيضا خطّة الأشفاط التي نجدها في نظام عدّة مدن كمدينة ليبتيس ماقنا (Leptis Magna) بليبيا ووليلة (Volubilis) بالمغرب ومديّنة (Althiburos) وقفصة (Capsa) ودقّة وقصر لمسة (Limisa) ومكثر (Mactaris) وهنشير قرقور (Masculula) بتونس.