الكتاتيب قبل الحماية وبعدها

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الكتّاب متحف التربية بتونس

لا شك في أن التعليم الإسلامي بتونس، بمراحله المختلفة، يشكّل نظاما مكتفيا بذاته، وضامنا لاستمرار المؤسّسة الدّينيّة في الوقت نفسه. إنّ المرحلة الأولى من مراحل التّنشئة والتّعليم هي التي يمرّ بها كلّ طفل، في هذا البلد أو ذاك من بلاد الإسلام، قبل أنّ يرقى إلى الدّرجات العليا فيطلب العلم. وطبقا للقاعدة العامّة المتّبعة يتردّد منذ سنّ الخامسة لمدّة ثمانية أعوام أو أكثر (انظر: الأيّام، الجزء الأوّل لطه حسين) على الكتاتيب، وهي مدارس يبدأ منها تعليم أطفال المسلمين آي القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة. ولكلّ قرية أو حيّ كتّابه الذي يشغل غالبا جزءا من مسجد أو زاوية. وقد تجاوز عدد الكتاتيب، قبل انتصاب الحماية حوالي الألف في الإيالة التّونسيّة و111 كتّابا في مدينة تونس وحدها في حوالي سنة 1879 وأحصى لويس ماشويال (Louis Machuel) 1427 كتّابا في عام 1897. وكان المؤدّب، في الغالب الأعمّ، معلّما فقيرا لا يكاد علمه يتجاوز مبادئ القراءة والكتابة، صارم الطبع يدخل الهيبة في قلوب الصغار بحجم عصاه، وبقدرته على تلاوة القرآن كاملا عن ظهر قلب. وعلى التّلميذ أنّ يكتب على لوحته الآيات التي يمليها المؤدّب ببطء، في تعلّم الخط العربي. وعليه أيضا أنّ يحفظ كامل القرآن، مبتدئا بأقصر السّور متدرّجا نحو أطولها. وفي كلّ يوم يكتب الآيات التي يحفظها لليوم الموالي. وكلّ هفوة في النّطق أو في الكتابة يكافأ بعدد مناسب من ضرب العصا. ويستمرّ إلى أن يختم القرآن حفظا وتلاوة.

ولا يعني انتشار الكتاتيب في تونس أنّها كلّها في حالة جيّدة من حيث هي فضاء لتلقّي التعّليم، ذلك أنّ أبنية عدد منها بائسة، قليلة التهوئة، رثّة المرافق والمفروشات. وهذا يعزى، في الغالب الأعمّ، إلى سوء التصرّف لوكيل الأوقاف الذي قد يزوّر الحسابات ليستحوذ على مداخيل الأوقاف العموميّة. ولهذا السبب، بادر خير الدّين لمّا تولّى الوزارة الكبرى في سنة 1873، ببعث إدارة للأوقاف (عام 1874) سمّيت، فيما بعد، بجمعيّة الأوقاف وذلك لتلافي الاختلاس والوضع الفوضويّ لموارد الأوقاف العموميّة.

أمّا فيما يخصّ تنظيم التّعليم الابتدائي في الكتاتيب، فقد صدر قرار، في فيفري 1876، يتعلّق بضبط مقاييس دقيقة في انتداب مؤدّبي الكتاتيب إذ أصبحوا خاضعين لتزكية الحكومة. وتنفيذا لهذا القانون تشكلّت، في كل ّ بلدة، لجنة تتألّف من عضوين: أحدهما من المجلس الشّرعي والآخر من "أمين" المؤدّبين بالمنطقة، وأُوكلت إليهما مهمّتان هما: ضبط قائمة بالمؤدّبين، والقيام بزيارة تفقّد منتظمة للكتاتيب. أعاد نظام الحماية في مجال تحديث التّعليم تنظيم "ديوان العلوم والمعارف" الذي أحدثه خير الدّين فأصبح يسمّى "إدارة التّعليم العمومي" (Direction de l'Instruction Publique). وفي 6 ماي من عام 1883، صدر أمر بتكليف لويس ماشويال، وهو أستاذ عربيّة جيء به من المدارس الفرنسيّة بالجزائر، بإدارة شؤون التّعليم بتونس. وقد كتب بعد تعيينه مديرا للتّعليم العمومي بتونس بوقت قصير: "توجد هنا في تونس حياة ثقافيّة متكاملة يجدر بنا التعرّف إليها حتّى نتمكّن من توجيهها، ومن الخطإ الفادح أن نعرقل سيرها أو نغمط قيمتها". ولا بدّ من الإشارة، منذ البداية إلى أنّ هذه السياسة، في هذا المجال، تختلف عمّا حدث في الجزائر. وفي هذا المجال بالذّات كتب ماشويال ما يلي: "علينا إذن الحرص على تفادي الأخطاء المرتكبة في الجزائر عند بداية الاحتلال، ذلك أنّنا لعدم خبرتنا بالمؤسّسات الإسلاميّة قضينا على دراسة العربيّة الفصحى على نحو يكاد يكون تامّا دون وعي منّا فلم يخدم ذلك مصلحة النّفوذ الفرنسي ولا انتشار لساننا [...]. فهناك اعتبارات عدّة إلى أنّ نرفع أيدينا عن مؤسّسة التّعليم (الزّيتوني) التي بنوها بعد جهود طويلة، والّتي يحقّ لهم أن يفخروا بها. فلنحاول إذن مساعدتهم على دعم نوعيّة التّعليم بها". هذا كلام جميل، ونقد ذاتي شجاع لكنّ الواقع كان مغايرا لذلك.

كان لماشويال تصوّر يقتضي المشاركة بينه وبين المدرّسين المسلمين. وفي هذا السياق يمكن اعتبار لجان التّعليم التي بُعثت في عدّة مناطق عملا بقرار جوان 1885 ترجمة عمليّة لذلك التصوّر. وقد ضمّت تلك اللجان، إلى جانب الأعضاء القارين - أي أعلى ممثّلي السلطتين المدنيّتين التّونسيّة والفرنسيّة - أعضاء عيّنهم مدير التّعليم العمومي. وفي سنة 1888,، بُعث "مجلس" كان يضمّ عددا من المسؤولين الفرنسيّين والتّونسيّين في مجال التّعليم نذكر منهم ماشويال نفسه ومدير المدرسة الصّادقيّة ومدرّسا من الزّيتونة. وكان ماشويال يرى أنّ المدارس الابتدائيةّ الفرنسيّة - العربيّة (franco - arabes) الّتي أحدثت ليست بديلا عن الكتاتيب بل هي تتمّة لها.

وتنفيذا لهذه السياسة التّعليميّة، على تلاميذ الكتاتيب أن يحضروا لمدّة ساعتين كلّ يوم في المدارس الابتدائيّة لتعلّم الفرنسيّة. شُجّع المؤدّبون على مساندة هذه السياسة بمنحهم مكافأة قدرها ريال واحد شهرياّ عن كلّ تلميذ مواظب على دروس الفرنسيّة، كما وضع نظام عقوبات ضدّ المعترضين عليها، إلاّ أنّ عموم التّونسيّين المسلمين وخاصّة ذوي النّزعة الوطنيّة قاطعوا، في بادئ الأمر، المدارس الفرنسيّة واعتبروها خطرة على تنشئة أبنائهم. أليست، على كلّ حال، في نظرهم، مدارس "الكفاّر"؟ ورغم سخط العلماء التونسيّين بوجه عام على الصلاحيّات "النّظريّة" المخوّلة لماشويال التي شملت كلّ نواحي التّعليم الابتدائي الإسلامي، بما فيها الكتاتيب والمدارس والصّادقيّة والزّيتونة، طرأت تغييرات أخرى على التّعليم الابتدائي في الفترة ما بين 1882 و1894: ففي سنة 1884، حوّل ماشويال مدرسة قديمة كان قد بناها مصطفى خزنه دار على ذمّة الشيخ محمّد بن ملوكة في حوالي 1860 إلى مدرسة ترشيح معلّمين سمّيت بالمدرسة العلويّة نسبة إلى علي باي. وأخذت المدرسة العلويّة في تأهيل التّونسيّين للتدريس بالمدارس الابتدائيّة الفرنسيّة - العربيّة، كما سعى ماشويال إثر ذلك إلى بعث مؤسسة تربويّة ممّاثلة لتخريج المؤدّبين محاولا، في الوقت نفسه، بسط نفوذه على إدارة الكتاتيب. وقد عبّر في تقرير سرّي أرسل به إلى المقيم العام في 1887 عن نوازعه الحقيقيّة مشكّكا في مؤهّلات المؤدّبين ذاكرا مثلا أنّ التّلاميذ المتخرّجين في الكتاتيب "عاجزون عن كتابة رسالة في لغة سليمة" بالإضافة إلى أنّ المؤدّبين يحتقرون المدنيّة الفرنسيّة على قدر جهلهم بها ويؤثّرون، بالتّالي، في التّلاميذ تأثيرا وخيما. قدّم ماشويال اقتراحين جوهريّين "لمعالجة هذه الافات" [كذا] هما: أوّلا:"وضع كلّ المدارس القرآنيةّ بالبلاد التوّ نسية تحت إشراف مدير التّعليم العمومي الذي يخوّل له، بمقتضى صلاحيّاته، إعادة توجيه هذه المدارس" ثانيا: "بعث مؤسّسة بالحاضرة لتأهيل المؤدّبين ومنحهم عند التخرّج منها شهادات تمكّنهم من التّدريس في الكتاتيب دون غيرهم". واقترح أنّ تكون مدّة الدّراسة خمس سنوات جعل فيها تعليم التّاريخ والجغرافيا والرياضيات والطبيعيّات باللّغة الفرنسيّة، فأضحت هذه اللغة الأداة الوحيدة للتّعليم التّونسي، ورأى أنّه بهذا المقترح "ستصبح مدارسهم مدارس عموميّة تخضع لسلطاننا دون أنّ تنجرّ عن ذلك نفقات إضافيّة للحكومة".

وأدّى هذا الاقتراح إلى بعث "المدرسة العصفوريّة" في سنة 1894 التي أصبح لتلاميذها وحدهم حقّ التّدريس في خطّة مؤدّبين بعد التخرّج. وبذلك غطّى نفوذ ماشويال كلّ نواحي التّعليم الابتدائي الاسلامي. وخلاصة القول أن ّ إدارة الحماية حاولت، منذ بدايات انتصابها، تطبيق سياسة ترمي إلى الفرنسة والادماج كما حدث في القطر الجزائري. وكان على سلط الحماية أنّ تختار بين طريقين لبلوغ أهدافها: إمّا الادماج الفوري والكامل، بالتّرغيب والتّرهيب، إذا لزم الأمر، كما حاولت في الجزائر ذلك عبثا، وإمّا فرنسة التّعليم والادارة تدريجيا باعتبارها مرحلة للادماج الكامل. ولقد وقع اختيارها على الطريق الثّاني، ولكنّها لم تنجح إلاّ نسبيّا، إذ أصبحت اللّغة الوطنيّة أي العربيّة مع مرور الزّمن أقلّ منزلة من اللّغة الفرنسيّة في مدارس "المحميّة"، على الرّغم من بقائها الصامد بجامع الزّيتونة، ذلك المعقل الحصين، وفي بعض المؤسّسات والمدارس الأهليّة القليلة. واضح إذن أنّ الدّولة "الحامية" لم تحترم، في واقع الأمر، إسلاميّة القطر التّونسي وعروبته مقوّمي هويّته، ضاربة عرض الحائط، كما يقال، بما تعهّدت به من احترام بنود معاهدة باردو، بل جنت على التّعليم واللغة في القطر التّونسي كما فعلت في الجزائر، واعتدت على الدّين والأوقاف وكل ما اتّصل بهما. وفي هذا الصدد كتب الشيخ صالح الشّريف يقول: "نُزعت إدارة المعارف من يد الأهالي ووضعتها في قبضتها. حذفت من المدارس كلّ لغة أجنبيّة ما عدا الفرنسيّة لا ترشّح لهم من الفنون [العلوم] الرياضية والطبيعيّات وغيرها إلاّ بمبادئ لا يتمكّنون من العمل عليها ولا تدخلهم في زمرة علمائها. أنشأت مكاتب [مدارس] في بعض البلاد التّونسيّة ولكنّ الفائدة منها لا تزيد على تعليم لسان فرانسا وتاريخها بمقدار يخوّلهم الخدمة في مثل توزيع أوراق البريد أو التّرجمة عن الفرنسي [الفرنسيّة] أو سوق عربات التّرامواي، فيستوفي التلميذ مدّة التّعليم ولا يسمع جملة عن تأريخ وطنه في الاسلام".

ببليوغرافيا[عدّل]

  • Arnoulet François la pénétration intellectuelle française en TunisIe avant le protectorat,Revue africaine,98,1e et 2e tri,1954,pp140-182.
  • Brunschvig R, Quelques remarques historiques sur les medersas de Tunisie ,Revue Tunisienne ,Nouvelle série,1er trimestre1931, No 6,pp261-285