السلوقية

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

تقع قرية السّلوقيّة على بعد 70 كلم جنوب غربي تونس على وادي مجردة. وتدلّ الآثار المكتشفة بها على قدمها في الحضارة، وربّما عاد تأسيسها إلى العهد الفينيقي كما يدل على ذلك اسمها كيديبيا (Chidibbia) المعروف في العهد الروماني والمحفوظ في ستّ نقائش اكتشفت في مكان البلدة وهي شاهدة على ارتقائها إلى مصافّ البلديات بعد سنة 196م في آخر عهد الامبراطور الروماني سبتيميوس سيفيروس (Septimius Severus) أو في أوّل عهد خلفه ( Gallien). ورغم قلّة النقائش المكتشفة فيها بسبب توظيف أغلبها في المباني الأندلسية، فإنّ ما عثر عليه منها كان هدايا المدينة إلى آلهتها المتعدّدة، وهو ما يدلّ على ثراء حياتها الدينية في العهد الروماني وإن كانت العبادة الرسميّة خاصة بالاله سيلفانوس (Silvanus)والمعروف أنّ هذا الاله الروماني المناسب للمجتمع الريفي، جاء بديلا عن الشجرة المسكونة بالجن التي كان يعبدها البربر. ومازالت بعض بقايا كيديبيا من مواجل وقنوات ومنازل مرئية في أسفل القرية.

وتذكر أشهر الروايات أنّه في انتظار بداية ق 17م بقيت البلدة الرومانية مهجورة منذ تخريب الوندال لها وقضائهم على الازدهار الروماني في الفلاحة والعمران، إذ أنّ البلدة لم تنج من الحروب والغارات بين القبائل الهلالية والبربرية في العهد الاسلامي الأوّل إبّان استقرار جماعة البحريني بها فيما يروى، ولم تسترجع مجدها حقا إلاّ بفضل الحضور الأندلسي سنة 1609م برعاية عثمان داي، وعلى الأرجح في السّنة الموالية لنهاية عهده، أي سنة 1611م حين هجّر أندلسيو كاطالونيا.

وتعني تسمية السّلوقية في العربية المناعة والحصانة والاشراف. فهي مشتقّة من مادة سلق التي يدلّ مزيدها تَسَلّقَ على الارتفاع وصعوبة الارتقاء. وهو المعنى المناسب لموقعها الذي اختاره الأندلسيون اقتداء بسابقيهم لضمان أمنهم من أهالي البلاد وخاصة من القبائل المتنقلة في الجهة، وقد كانوا لا يأمنون شرّها.

وفي لسان العرب، السّلَقُ: الواسع من الطرقات، والمستوي من الأرض، والفلق المطمئن بين الربوتين، ومسيل الماء بينهما، ومن الرياض ما استوى في أعالي ضفافها، وأرضها حرّة الطين. وسَلُوق: أرض وقرية باليمن، وهي بالرومية "سَلَقْيَة" وقيل موضع بالروم والسّلوقي من الكلاب والسيوف المنسوبة إليها أجودُها. كذا جاء في معجم البلدان.

وفي السّلوقية، عائلة السيف المتفرعة عن جماعة البحريني، وهي تدّعي الانتساب إلى البحرين، ومنهم من أطلق اسم البحرين على منطقة بين السّلوقية ومجاز الباب استوطنوها عند مجيئهم مع بني هلال وجاورهم بنو رياح. فلعلّ هذه العائلة الحاملة للسيف حقيقة أو مجازا أطلقت صفة السيوف الجيدة على مكان السّلوقية لجودته، وقد استوى حسب معنى السّلق المذكور، أو لعلّ قبيلة البحريني المنتسبة إلى الجزيرة العربية قد جاءت من سلوق التي في اليمن ولو على مرحلتين ثانيتهما مع الزحف الهلالي، وإن كانت بعض الروايات الشفويّة تشير إلى إمكان وجود صلة بين البحرينيين والوسلاتيين وجبل وسلات قبل قدومهم إلى السلوقية اثر إخلاء علي باشا للجبل سنة 1763م.

ونقل ياقوت في تعريف سلوقية:"أنّ الوليد بن عبد الملك أقطع جند أنطاكية أرض السلوقية عند الساحل، وصيّر عليهم الفلثر، وهو بسيط من الأرض معلوم كالفدّان والجريب بدينار ومُدّي قمح، فعمّروها، وجرى ذلك لهم وبنى حصن سلوقية". فما أشبه السلوقية التي على مجردة بالسلوقية التي عند ساحل البحر الأبيض المتوسط! وما أشبه مكافأة الوليد لجند أنطاكية بصنيع عثمان داي مع المهاجرين حرّاس الثغور الأندلسية! وفي مادة سلوقية بملحق دوزي للمعاجم العربية أنّها، حسب استعمال الغرناطيين سنة 1505م، جدار القلعة المائل المساند لأسوارها عند أبراجها.

وهي في الدارجة السهل بين سفح الجبل والوادي، وكلّ هذه المعاني تناسب موقع السّلوقية على مجردة، مستندة إلى الربوة، منيعة، مشرفة. وهي أيضا سند لتستور ومستندة إليها في معاشها وأمنها. وسواء رجعت تسمية السّلوقية إلى البحرينيين أو الهلاليين أو الأندلسيين، فإنّ المشهور اليوم أنّها صفة الكلبة المرافقة لسيدي عثمان الولي القادم من المغرب.

وقد بادر أندلسيو السلوقية بتوسيع البلدة في اتجاه أعلى الربوة هروبا من فيضانات وادي مجردة وخططوا لها بإحكام على غرار رقعة الشطرنج وغطوا سقوفها بالقرميد الأندلسيّ المصنوع فيها. وأقاموا، بعد الجامع الأوّل الموجودة مئذنته بأسفل القرية في مستوى الأنهج الرومانية المبلطة، جامعا كبيرا بأعلى الربوة، تلوح فيه جليّة آثار الفن الاسباني المدجّن الشبيه بمعمار الكنائس والمنتشر خاصة في جهة أراغون شمالي إسبانيا، وله سقف منحن في اتجاهين يكيّف بيت الصلاة وواجهة جميلة بنوافذها المسدّسة الشبيهة بعجلة العربة. ومن أشهر المعالم بالسلوقية ثلاث زوايا أندلسية المعمار تشهد على انتشار الطرق الصوفية وتعلّق الأهالي بالدين عموما. وتروى حولها حكايات شعبية متداولة تضيء جوانب من تاريخ البلدة الاجتماعي.

فإلى جانب زاوية سيدي ابن عثمان المذكور، كانت زاوية سيدي عبد القادر الجيلاني مقرّا لانشاد أوراد القادرية. أمّا زاوية سيدي خويلي، القادم من الجريد التونسي الذي غلب على عائلته حفظ القرآن وتحفخه، فتدلّ على علاقة ما قامت زمن البايات بين السلطة المركزية بتونس وأهالي السّلوقية. ومعروف أنّ هؤلاء قد عاشوا في حالة مدّ وجزر مع السلطة، ناهيك عن استقرارهم بأحباس يوسف داي شأن أندلسيي تستور ومجاز الباب وتبرسق.

وتقيم اليوم، إلى جانب عائلات خويلي والجبالي والجريدي والفطناسي القادمة من الجنوب، والولهازي من صخيرة تستور، والدريدي والطرابلسي الهلاليتين المنتشرة في الجهة من قبل، والوسلاتي، والبحريني بفرعي سيف وسعيدان، بقايا العائلات الأندلسية مثل ابن عاشور وابن عمار وابن رمضان وزعفران والباهي والصغير والبنتيرو وساكنه والبتير وألكانتي وبكيل وشوشان ورباح والطويل... ولعلّه من الضروري التذكير ببراعة أندلسيي السّلوقية في فنّ البستنة وحذقهم لطرق الريّ المتقدّمة آنذاك وولعهم بالأشجار المثمرة والزعفران والأزهار غراسة وتقطيرا، فهذا ما تشترك فيه عامة القرى الأندلسية بالبلاد إلى جانب ما تميّز به الأندلسيون من صناعات تقليدية وعادات في الاحتفال واللباس وأصناف من الأكلات والحلويات وأسلوب عيش متحضّر.

على أنّ أندلسيي السّلوقية لم يطمئنّ عيشهم بسبب مظالم البايات وأطماعهم وهو ما ذكرهم دائما بالاضطهاد الذي عانوه في أوطانهم الأولى. فهذا القس الاسباني فرنسيسكو خيماناث الذي أقام بتونس من سنة 1720م إلى سنة 1735 وزار السّلوقية يوم 20 جويلية 1724م يقول إنّ البلدة قد أمر الشريف باي بإخلائها لقطع المؤونة على الأعداء الجزائريين، فمن الأهالي من انتقل إلى العاصمة، ومنهم من اعتصم بقريته. ولذلك وجد القسّ الاسباني من تبقى من سكّان السلوقية يعيدون بناء المنازل الخاوية. وقد أثبت في ذلك الوقت خمسين ساكنا وبعض المساجد.

ولعلّ تلك المظالم جعلت أندلسيي السّلوقية لا يندمجون في البداية بسهولة مع الوافدين الجدد عليهم من جنوب البلاد وجبل وسلات والأرياف المجاورة حتى إنّهم أسّسوا صندوق الضعفاء لاعانة العوانس اللواتي رفض أولياؤهنّ تزويجهنّ لغير الأندلسيين حفاظا على أملاكهم وعلى نقاوة دمهم وتعاليا على العناصر الأخرى. ولا شكّ في أنّ أصيلي أَلكَانتْ شرقي الأندلس، كانوا يحافظون أوّل الأمر على تميّزهم بعدّة مظاهر من حياتهم كاللهجة البلنسية، ولم يتخلوا عن لغتهم وزيهم الاسبانيين إلاّ في مرحلة لاحقة وبسبب تلك العناصر الدخيلة، ولكنّهم ظلّوا محافظين على استقلالهم الداخلي إزاء السلطة بفضل شيخهم حامي مصالحهم. غير أنّ قرب السّلوقية من تستور حكم عليها بالتبعية لها، فرغم ارتفاع عدد سكانها سنة 1994 إلى خمسة آلاف نسمة ورغم تطورها العمراني واستقطابها لخمسة تجمعات سكنيّة محيطة ظلت هذه البلدة الأصيلة مفتقرة إلى عديد الخدمات.