الخط العربي في تونس

من الموسوعة التونسية
اذهب إلى: تصفح، ابحث

حين انتشر الاسلام بدأ المسلمون يهتمون بالكتابة لحفظ القرآن الكريم، ثمّ اتّجه بعض المسلمين إلى تهذيب رسم الحروف وتحسينها واستوحى الخطاطون من الكتابة فنّا أسموه "خطا". والفرق بين الكتابة والخط واضح، إذ لا تُراعى في الكتابة قواعد فنية معيّنة وإنّما يهتمّ فيها بتمييز الحروف بعضها عن بعض، على حين أنّ الخط هو الذي يجري به القلم وفق قواعد معينة ونسب مدقّقة وأصول ثابتة محددة لا يجوز تجاوزها أو إهمالها. ومن هنا يقرر الباحثون وعلماء الآثار والحضارة أن الخط العربي هو أصدق دليل لمزاجنا وذوقنا وأبعاد حضارتنا العربية، وكان نشر اللغة العربية هدفا من أهداف الانتشار الاسلامي لمكانة القرآن وارتباط الاسلام باللّغة العربيّة لذلك، حمل الدين الاسلامي هذه اللغة ونشرها في كل مكان دخله، وأصبح فيه عقيدة الأغلبية. يقول عالم الفنون الاسلامية أرنست كونيل في مقدمة كتاب فن الخط العربي : "لقد منح الدين الاسلامي مكانة للغة العربية والخط العربي، وانتشرت الأبجدية العربية في العالم الاسلامي، فأصبح رابطة لجميع شعوب المنطقة رغم الحدود الحاضرة". أقسم القرآن بالقلم وما سطره القلم تنويها بشأنه وتعظميا لما يسطره للناس من هداية وحق وإيمان، وبهذا القسم وحده تسابق المسلمون لامساك القلم وتعلموا الخط وكتبوا المصحف الجامع حتى لا يختلف الناس فيه من بعد. ويمكن اعتبار المصحف بمنزلة الانطلاقة الأولى للرفع من شأن القلم وبالأحرى من شأن الكتاب.

خطوط المصحف بالقيروان وإفريقية[عدّل]

المصحف الأزرق المتحف الوطني للفن الإسلامي القيروان

كان المصحف يكتب في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة بالقلم الكوفي، ومحفوظات المكتبة العتيقة بالقيروان (مصاحف وكتب تفسير وفقه وأسفار العلوم الدينية) كلها مكتوبة بالخط الكوفي على الرق ومنها ما كتب بالذهب على الرقّ الملوّن، وهي بقية باقية بعد الدمار الذي تعرضت له القيروان أيام هجوم الخوارج عليها. ويمكن اعتبار الرق الأزرق، وما كتب عليه بماء الذهب الخالص كتابة كوفية، أما الرق الأبيض فقد كتب عليه مصحف فضل بالخط الكوفي أيضا وكذا مصحف المعز بن باديس خطه كوفي قيرواني 410هـ/1019م.

وفي أواخر المائة الثانية ثمّ المائة الخامسة للهجرة وجدت مصاحف مكتوبة بالقلم الكوفي على الرق، لها أوضاع مختلفة في التخطيط والزخرف. أمّا الخط النسخي فقد ظهر في أول المائة السابعة للهجرة ومعظم الخطوط على الرق بالخط النسخي المشرقي قبل أن يتحوّل الخط في إفريقيا إلى الخط الأندلسي. تجدر الإشارة إلى أنّ مصاحف جامع الزيتونة مكتوبة على الرق بخطوط منفرجة لا تستغرق الصفحة منها أكثر من آيتين أو ثلاث فتتكوّن منها أجزاء كثيرة يتناولها القرّاء من المصلّين في أيام الجمعة. وعند استفحال أمر الشيعة بتونس مدّوا يد الفساد إلى بعض النقوش المكتوبة في سقوف صحن باب البهو بجامع الزيتونة لمحو آثار السنة.

تطور الخط العربي في العهد الصنهاجي[عدّل]

ازدهرت في عهد المعز بن باديس العلوم وبلغت الحركة الأدبية من الأوج ما لم تبلغه في أي عهد من عصور التمدن العربي الافريقي. وكان بلاط المعز من أزهى قصور ملوك الاسلام، فبلغت إذّاك العناية بالكتب ونسخها وتنسيقها وزخرفتها أوجًا لم تدركه من قبل، كما تشهد بذلك المصاحف المحبسة من لدن عمته أم ملال وحاضنة أبيه فاطمة وأخته أم العلا وزوجته زليخة. إنّ هذه المصاحف تعدّ بحق آية في جمال الخط ورونق التذهيب والزركشة والتزويق مع كبر الحجم ومتانة الرقوق، بما لا يتسنى صنعه وتدبيجه إلا في بلاط بلغ الذروة في الذوق والتفنن.

شجرة الخطاطين[عدّل]

حفظت الآثار أسماء الخطاطين الذين كانوا يتداولون النسخ في عهد المعز بن باديس أيام الدولة الصنهاجية، ومنهم:

1 - الحارث بن مروان وابنه يحيى من أبناء القيروان. كان خطهما بقلم النسخ وكذا بالقلم الكوفي في طوالع الكتب من أمتع الخطوط وأوضحها وأمتنها قاعدة، وكانا ينسخان الكتب دوما للخزانة الأميرية، وآثار قلمهما موجودة فيما بقي من الرقوق المحفوظة بمكتبة القيروان.

2 - علي بن أحمد الوراق من نساخ القصر الصنهاجي، كان يميل بخطه إلى أوضاع الكتابة البغدادية الراقية في عصره مع اتقانه البديع للرسم والتذهيب والتجليد

3 - درة الكاتبة كانت تعاصره وتلازمه في الكتابة، وقد وصل من آثارها مصحف الحاضنة وهو لا نظير له.

4 - إبراهيم بن سوس المارديني من كتاب ديوان الرسائل في دولة المعز، عرّف به معاصره ابن رشيق في كتابه الأنموذج بقوله: "أخذ بأطراف العلوم" غير أن الغالب عليه الخط وتزويقه، كان عنده من ذلك أمر عجيب، وقد انفرد في مغربنا بالقلم الرياسي الخافي انفرادا كليا لا يدانى فيه ولا ينازع.

5 - عبد العزيز بن محمد القرشي الطارقي الذي كان من كتاب الرسائل، قال فيه ابن رشيق:"أكثر اشتهاره بالنثر دون النظم، إذ كان فيه فارس الفرسان وواحد الزمان، ما بين تزويق مقامة مبتدعة، أو خطبة غير مفترعة، إلى الرسائل السلطانية والكتابات الاخوانية، وله من الخط البارع خط المحلى من قداح الميسر".

6 - أحمد بن محمد القصري المتوفّى سنة 322هـ/934م. كان فقيرا جمّاعا للكتب حافظا لها. كتب بيده ما لم يكتبه أحد من أهل عصره، حتى إنّه كان يقول: "منذ أربعين عاما ما جفّ لي قلم". وقال المالكي: "وصل مرة إلى سوسة ليزور شيخه يحيى بن عمر فوجده ألّف كتابًا، فلم يجد القصري ما يشتري به رقوقا ينسخ عليها، فمضى إلى السوق وباع قميصه واشترى بثمنه رقا ونسخ الكتاب وقابله وأتى به للقيروان".

7 - أبو العرب محمد بن أحمد التميمي حامل لواء تاريخ القيروان، مات سنة 33هـ/944م. وكان كثير الكتب، حسن الخط والتقييد.

تجويد الخط العربي بتونس في العهدالعثماني[عدّل]

لقد تنافس الخطّاطون والورّاقون والنّساخ التونسيون في تجويد الخط العربي انطلاقا من أصوله الأولى باعتماد هندسة ابن مقلة في الحفاظ على انسجام الحروف واتّباع قواعد الكتابة الفنية التي قننها ابن البواب واقتداء بالمدارس المشرقية: المصرية والفارسية والشامية، والمغربية والأندلسية، والتركية، وهذه الأخيرة هي التي حملت لواء هذا الفن وإليه ترجع جذور المدرسة التونسية القديمة والمعاصرة.

ارتبطت تونس بهذه الجمالية عندما أحسّت بالحاجة إلى تزويق المساجد والقصور عملا بما حمله العثمانيون معهم في أثناء حركتهم التوسّعية، وأصبحت الكتابة وسيلة للتزيين، كما هي وسيلة للمعرفة، ووسم الدين الاسلامي الأمم التي دخلت في سلطانه بسماته وسمتي اللغة العربيّة وخطّها. فبعضهم وسم بالسمات الثلاث كمسلمي مصر والشام والعراق وبلاد المغرب، فضلا عن جزيرة العرب وبعضهم وسم بالدين والخط فقط كالأتراك والفرس ومسلمي الهند وجبال الهملايا، وبعضهم الاخر بسمتي اللغة والخط دون الدين، وهم المسيحيون في العالم العربي، والبعض وُسم بسمة الدين فقط كمسلمي الصين.

لقد عظمت منزلة الخط العربي في تونس في عهد العثمانيين، ذلك أنهم كتبوا المصاحف الشرقية بأجمل الخطوط ونبغوا في الخط العربي حتى لم يزاحمهم فيه مزاحم كالخطاط عثمان. وقد ظهر التأثّر البالغ بالنّسق التركي في مختلف الكتابات التي ظهرت في المساجد والجوامع خاصة الحنفية بالعاصمة تونس، وبالمنابر والقباب. هذا التأثّر أفرز ظهور بعض الخطاطين التونسيين تميّزوا بتقليد الخط المشرقي (التركي والمصري)، منهم المطيبع والتواتي والفخري ثم الحاج زهير (1305هـ/1904م) أحد مماليك الحسينيين الذي برع خاصة في كتابة المصحف بخط تونسي أصيل.


فالخط التونسي القديم يتّخذ ملامح النّسخي القائم على تكون الحروف من أسطر غلخة ملتبسة مكتنزة تتتابع بانتظام دون أن تتجاوز الحد إلى فراغ ما بين السطرين. ويبدو أنّ ثقل التأثير التركي في المدى الطويل قد أكسب الخط التونسي دورا مميزا إذ حلت الكتابة النسخية محلّ الخط القيرواني في قسم كبير من أشكاله رغم محافظتها على عدة حروف كما هي في الكوفي. ويبرز ذلك جيدا في الاهتمام بخطوط المصحف الشريف على الأخص وبعض البراعات والأختام ومصحف المملوك زهير المخطوط والمحفوظ في أصله بالمكتبة الوطنية بتونس، تفصح عن الأصالة والالتزام وتشيع الجمال والبهجة في نفوس الناظرين. استمرّ هذا اللون طوال القرنين 18 و19 وعلى النسق التركي نفسه. ولم يبلغ الخط العربي في تونس منزلة الفن الرفيع كشأنه عند الأتراك، إلاّ عندما انتهت رئاسة الخط العربي في العصر الحاضر بتونس إلى أستاذ الجيل الفنان والخطاط البارع محمد الصالح الخماسي، مدرس الخط العربي سابقا بالجامعة الزيتونية وبالمدرسة الصادقية ومعهدي ترشيح المعلمين والمعلمات وبمدرسة الفنون الجميلة وصاحب كراريس "المنهج الحديث لتعليم الخط العربي". فهو المجدد والرائد الوحيد في تونس اليوم، بهر الناس بما أبدعه من أعمال راقية في هذا الفن وجلّ الخطاطين المعاصرين في تونس من تلاميذه منهم توفيق بوغدير وعصمان المصور وأحمد المختار الوزير وفتحي الزليطني ومحمد الصادق الصدقاوي وعياش معرف وعبد العزيز الخماسي. ثم جاء جيل متأثر بالخماسي وبالخط الشرقي أمثال الحبيب بن عياد وأحمد عرفة وجميل بن رجب ومحمود العبيدي والميزوني المسلمي والمنجي عمار ونجا المهداوي (الذي طور الخط وأدخل عليه جمالية الرسم) والبشير العريبي ورجب تمر وإبراهيم ميلاد وغيرهم.والأمل معقود على بعث شعبة قارة تهتم بتلقين أصول الخط العربي للناشئة، تخليدًا لهذا الفن الاسلامي الرفيع.